اقتصاد ومال

اقتِصادُ الاكتِفاءِ الاستراتيجِيِّ العَرَبي! ماذا يَجِبُ أَنْ نُنتِجَ بِأنفُسِنا قَبْلَ حُلولِ الأزمَةِ المُقبِلَة؟

مِنَ الغِذاءِ والدَّواءِ إلى التِّكْنولوجْيا والمِياهِ والمَوادِّ الأَساسِيَّة.. كَشَفَتِ الأزْماتُ أَنَّ القُدْرَةَ على الدَّفْعِ لا تَضْمَنُ وُصولَ السِّلَع، وَأَنَّ الأَمْنَ الحَقيقِيَّ يَبْدَأُ مِنْ امْتِلاكِ حَدٍّ أَدْنى عَرَبِيٍّ مِنَ الإِنْتاجِ والمَخْزونِ والبَدائِلِ قَبْلَ إِغْلاقِ المَوانِئِ وَتَعَطُّلِ خُطوطِ الإِمْداد!.

اقتِصادُ الاكتِفاءِ الاستراتيجِيِّ العَرَبي! 
ماذا يَجِبُ أَنْ نُنتِجَ بِأنفُسِنا قَبْلَ حُلولِ الأزمَةِ المُقبِلَة؟

في الأَيّامِ العادِيَّة، يَبْدو الِاسْتيرادُ خِيارًا بَسيطًا: تَدْفَعُ الثَّمَنَ الجِهَةُ المُسْتَوْرِدَة، سَواءٌ أَكانَتْ دَوْلَةً أَوْ شَرِكَةً أَوْ فَرْدًا، فَتَصِلُ السَّفينَةُ إلى الميناء، ثُمَّ تَنْتَقِلُ السِّلَعُ إلى الأَسْواق. لَكِنَّ هَذِهِ المُعادَلَةَ تَتَغَيَّرُ لَحْظَةَ انْدِلاعِ حَرْبٍ أَوْ إِغْلاقِ مَمَرٍّ بَحْرِيٍّ أَوْ فَرْضِ حَظْرٍ على التَّصْدير. عِنْدَها قَدْ يَتَوافَرُ المالُ وَلا تَتَوافَرُ السِّلْعَة، أَوْ تَكونُ مَوْجودَةً في بَلَدٍ بَعيدٍ وَلا توجَدُ طَريقٌ آمِنَةٌ لإيصالِها.

"الاكتفاء الاستراتيجي" هو أن تجمع المنطقة بين الإنتاج والتخزين وتعدُّد المورّدين ومسارات النقل

هَذا ما كَشَفَتْهُ الأَزْماتُ المُتَلاحِقَة، مِنْ جائِحَةِ كورونا والحَرْبِ الأوكْرانِيَّةِ إلى اضْطِراباتِ البَحْرِ الأَحْمَرِ وَمَضيقِ هُرْمُز. لِذَلِكَ لَمْ يَعُدِ السُّؤالُ الأَهَمّ: كَيْفَ نَسْتَوْرِدُ ما نَحْتاجُ إِلَيْه؟ بَلْ: ما الذي يَنْبَغي أَلّا نَنْتَظِرَ وُصولَهُ مِنَ الخارِجِ حينَ تَضْرِبُ الأَزْمَةُ المُقْبِلَة؟.

لا تَعْني الإِجابَةُ أَنْ يُنْتِجَ كُلُّ بَلَدٍ عَرَبِيٍّ ما يَسْتَهْلِكُهُ كُلَّه. هَذا النَّوْعُ مِنَ الِاكْتِفاءِ الذّاتِيِّ باهِظُ التَّكْلُفَة، وَقَدْ يُبَدِّدُ المالَ والمِياهَ في صِناعاتٍ وَزِراعاتٍ غَيْرِ مُجْدِيَة. المَقْصودُ هُوَ "الِاكْتِفاءُ الِاسْتراتيجِيّ": أَنْ تَمْتَلِكَ المِنْطَقَةُ حَدًّا أَدْنى مَضْمونًا مِنَ السِّلَعِ والمُدْخَلاتِ التي تَتَوَقَّفُ عَلَيْها حَياةُ النّاسِ واسْتِمْرارِيَّةُ الدَّوْلَة، وَأَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الإِنْتاجِ والتَّخْزينِ وَتَعَدُّدِ المُوَرِّدينَ وَمَساراتِ النَّقْل.

يَعْتَمِدُ اخْتِيارُ ما يَجِبُ إِنْتاجُهُ على أَسْئِلَةٍ عَمَلِيَّة: ما خُطورَةُ انْقِطاعِ السِّلْعَة؟ وَهَلْ يَأْتي مُعْظَمُها مِنْ بَلَدٍ واحِدٍ أَوْ شَرِكَتَيْنِ فَقَط؟ وَكَمْ نَحْتاجُ مِنَ الوَقْتِ لإيجادِ بَديلٍ أَوْ زِيادَةِ الإِنْتاجِ المَحَلِّيّ؟.

يَأْتي الغِذاءُ في مُقَدِّمَةِ الِاخْتِبار. بِحَسَبِ تَقْديراتٍ نَشَرَها البَنْكُ الدَّوْلِيُّ في عامِ 2021، تَسْتَوْرِدُ مِنْطَقَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ إفْريقْيا نَحْوَ نِصْفِ غِذائِها، وَتَرْتَفِعُ النِّسْبَةُ إلى نَحْوِ 90 في المِئَةِ في بُلْدانِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ. لَكِنَّ الحَلَّ لَيْسَ زِراعَةَ كُلِّ القَمْحِ والأَرُزِّ والأَعْلافِ في مِنْطَقَةٍ تُعاني أَصْلًا نُدْرَةً مائِيَّةً شَديدَة. يُوَفِّرُ الِاسْتيرادُ عَمَلِيًّا جُزْءًا مِنَ المِياهِ التي كانَ إِنْتاجُ هَذِهِ السِّلَعِ مَحَلِّيًّا سَيَسْتَهْلِكُها.

الأمن الغذائي يُقاس بقدرة سلسلة الإنتاج على العمل في اليوم التالي للأزمة

الأَكْثَرُ واقِعِيَّةً هُوَ إِنْتاجُ القُدْرَةِ على تَوْفيرِ الغِذاء: بُذُورٌ تَتَحَمَّلُ الجَفافَ والحَرارَةَ والمُلُوحَة، وَأَسْمِدَةٌ وَمُعَدّاتُ رَيٍّ وَقِطَعُ غِيارٍ لِلْمَضَخّات، إلى جانِبِ نِسْبَةٍ دُنْيا مِنَ الحُبوبِ والزُّيوتِ والأَعْلافِ في المَواقِعِ العَرَبِيَّةِ الأَكْثَرِ كَفاءَة. وَيَجِبُ اسْتِكْمالُ ذَلِكَ بِمَطاحِنَ وَصَوامِعَ وَمَخازِنَ مُبَرَّدَةٍ وَشَبَكاتِ نَقْل.

يُمْكِنُ شِراءُ القَمْحِ وَتَخْزينُه، لَكِنَّ فُقْدانَ البُذورِ أَوْ الأَسْمِدَةِ قَدْ يُضَيِّعُ المَوْسِمَ التّالي بِأَكْمَلِه. لِذَلِكَ لا يُقاسُ الأَمْنُ الغِذائِيُّ بِعَدَدِ أَكْياسِ الحُبوبِ في المُسْتَوْدَعاتِ وَحْدَها، بَلْ بِقُدْرَةِ سِلْسِلَةِ الإِنْتاجِ على العَمَلِ في اليَوْمِ التّالي لِلأَزْمَة.

تزداد فرص النجاح من خلال شراء حكومي عربي مشترك

وَيَنْطَبِقُ الأَمْرُ نَفْسُهُ على الدَّواء. تَعْتَمِدُ أَغْلَبِيَّةُ بُلْدانِ شَرْقِ المُتَوَسِّط، وَبَيْنَها مُعْظَمُ البُلْدانِ العَرَبِيَّة، اعْتِمادًا كَبيرًا على اسْتيرادِ المُنْتَجاتِ الطِّبِّيَّة، بِما فيها اللُّقاحاتُ والأَدْوِيَةُ الحَديثَة. وَإِذْ يَتَوَلّى بَعْضُ المَصانِعِ المَحَلِّيَّةُ المَراحِلَ الأَخيرَةَ مِنَ الخَلْطِ والتَّعْبِئَة، لا تَزالُ المَوادُّ الفاعِلَةُ والقَواريرُ والمُرَشِّحاتُ وَمَوادُّ التَّعْقيمِ تَأْتي مِنَ الخارِج.

لَيْسَ المَطْلوبُ تَصْنيعَ آلافِ الأَدْوِيَة، بَلِ الِاتِّفاقُ على قائِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ لِما لا يَجوزُ أَنْ يَنْقَطِع. يُمْكِنُ أَنْ تَشْمَلَ القائِمَةُ المُضادّاتِ الحَيَوِيَّةَ الأَساسِيَّة، والأَنْسولين، وَأَدْوِيَةَ القَلْبِ والضَّغْط، والمَحاليلَ الوَريدِيَّة، وَمَوادَّ التَّخْدير، والأوكْسِجينَ الطِّبِّيَّ والكِواشِفَ المَخْبَرِيَّة. أَمّا تَصْنيعُ المَوادِّ الفاعِلَةِ واللُّقاحاتِ فَيَحْتاجُ إلى طَلَبٍ كَبيرٍ وَمُسْتَقِر، وَتَزْدادُ فُرَصُ نَجاحِهِ مِنْ خِلالِ شِراءٍ حُكومِيٍّ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَك، وَعُقودٍ بَعيدَةِ الأَجَل، واعْتِرافٍ مُتَبادَلٍ بِالتَّسْجيلِ الدَّوائِيِّ وَرَقابَةٍ تَضْمَنُ الجَوْدَة.

وَفي التِّكْنولوجْيا، لا تَبْدَأُ السِّيادَةُ بِالضَّرورَةِ مِنْ إِنْشاءِ مَصْنَعٍ يُنافِسُ أَحْدَثَ مَصانِعِ الشَّرائِحِ في تايْوانَ أَوْ كورِيا الجَنوبِيَّة. البِدايَةُ الأَكْثَرُ واقِعِيَّةً هِيَ حِمايَةُ الوَظائِفِ التي لا يَسْتَطيعُ البَلَدُ العَمَلَ مِنْ دونِها: مَراكِزُ البَياناتِ والحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّة، وَمَساراتُ الِاتِّصالِ الِاحْتِياطِيَّة، وَأَنْظِمَةُ الدَّفْعِ والهُوِيَّةِ الرَّقْمِيَّة، والأَمْنُ السّيبْرانِيّ، والبَياناتُ وَنَماذِجُ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّة.

الموارد ورأس المال والخبرات والأسواق مُوزّعة بين بلدان المنطقة

وَيُمْكِنُ تَطْويرُ تَجْميعِ الأَجْهِزَةِ وَصِيانَةِ مُعَدّاتِ الِاتِّصالاتِ وَتَصْميمِ بَعْضِ الشَّرائِحِ وَتَغْليفِها، وَإِنْتاجِ إِلِكْترونِيّاتِ التَّحَكُّمِ المُسْتَخْدَمَةِ في الكَهْرَباءِ والمِياهِ والنَّقْل. قَدْ تَبْدَأُ الأَزْمَةُ بِفُقْدانِ مُكَوِّنٍ صَغيرٍ لا يَلْفِتُ الِانْتِباه، لَكِنَّهُ قادِرٌ على تَعْطيلِ مِضَخَّةِ مِياهٍ أَوْ مَحَطَّةِ كَهْرَباءَ أَوْ جِهازٍ طِبِّيٍّ.

يَمْتَلِكُ العالَمُ العَرَبِيُّ النَّفْطَ والغازَ والفوسْفاتَ والمَعادِنَ والطّاقَةَ الشَّمْسِيَّة، لَكِنَّهُ لا يَمْتَلِكُ تِلْقائِيًّا كُلَّ ما يُصْنَعُ مِنْها. وَمِنْ هُنا تَبْرُزُ الحاجَةُ إلى الِاسْتِثْمارِ في الأَسْمِدَةِ والوَقودِ المُكَرَّرِ والحَديدِ والأَلومِنْيومِ والنُّحاسِ والكابْلاتِ والمُحَوِّلات، وَمَوادِّ مُعالَجَةِ المِياه، وَمُكَوِّناتِ مَحَطَّاتِ التَّحْلِيَة، وَبَعْضِ حَلقاتِ صِناعَةِ الأَلْواحِ الشَّمْسِيَّةِ والبَطّارِيات.

يَسْتَحِقُّ الماءُ أَوْلَوِيَّةً خاصَّةً في البُلْدانِ التي تَعْتَمِدُ على التَّحْلِيَة. لا يَكْفي بِناءُ المَحَطَّةِ إِذا كانَتْ أَغْشِيَتُها وَمِضَخّاتُها وَأَنْظِمَةُ التَّحَكُّمِ فيها وَمَوادُّ مُعالَجَتِها مُسْتَوْرَدَة، أَوْ إِذا لَمْ تَتَوافَرِ الكَهْرَباءُ اللّازِمَةُ لِتَشْغيلِها أَثْناءَ الطَّوارِئ.

لا يَسْتَطيعُ بَلَدٌ عَرَبِيٌّ واحِدٌ جَمْعَ هَذِهِ القُدُراتِ كُلِّها؛ المَوارِدُ وَرَأْسُ المالِ والخِبْراتُ والأَسْواقُ مُوَزَّعَةٌ بَيْنَ بُلْدانِ المِنْطَقَة. وَمَعَ ذَلِك، لَمْ تَتَجاوَزِ الصّادِراتُ العَرَبِيَّةُ البَيْنِيَّةُ 13.9 في المِئَةِ مِنْ إِجْمالِيِّ الصّادِراتِ العَرَبِيَّةِ المُسَجَّلَةِ في عامِ 2024، وَإِنْ بَلَغَتْ نَحْوَ 170 مِلْيارِ دولار، وِفْقَ التَّقْريرِ الِاقْتِصادِيِّ العَرَبِيِّ المُوَحَّد.

المطلوب أَلّا تبقى حياة ملايين العرب مُعلّقة بمصنع أجنبي واحد أو ممر بحري واحد

تَبْدَأُ الطّريقُ بِقائِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ لِلْسِلَعِ الحَرِجَة، وَتَوْزيعِ إِنْتاجِها وِفْقَ مَزايا كُلِّ بَلَد، وَتَوْحيدِ المَواصَفات، وَبِناءِ مَخْزوناتٍ وَمَمَرّاتِ نَقْلٍ بَديلَة، وَعَدَمِ حَظْرِ تَصْديرِ الغِذاءِ والدَّواءِ عَرَبِيًّا أَثْناءَ الأَزْمات. وَتَتَضَمَّنُ الطَّريقُ أَيْضًا جامِعاتٍ مُرْتَبِطَةً بِالمَصانِعِ وَكَفاءاتٍ تَسْتَطيعُ تَشْغيلَ التِّقْنِيّاتِ وَصِيانَتَها، لا مُجَرَّدَ شِرائِها.

لَيْسَ مَطْلوبًا أَنْ يُنْتِجَ العَرَبُ كُلَّ شَيْء، بَلْ أَلّا تَبْقى حَياةُ المَلايينِ مِنْهُمْ مُعَلَّقَةً بِمَصْنَعٍ أَجْنَبِيٍّ واحِدٍ أَوْ مَمَرٍّ بَحْرِيٍّ واحِد. حينَ تَبْدَأُ الأَزْمَة، يَكونُ الوَقْتُ قَدْ تَأَخَّرَ لِبِناءِ المَصْنَعِ أَوْ تَدْريبِ العامِلِ أَوْ البَحْثِ عَنِ المُوَرِّدِ البَديل!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن