اقتصاد ومال

القِطاعُ الزِّراعِيُّ في ميزانِ الاقتِصادِ العِراقي!

اعْتَمَدَ العِراقُ بَرامِجَ وَسِياساتٍ تَنْمَوِيَّة، إِلّا أَنَّ تِلْكَ السِّياساتِ والبَرامِجَ لَمْ تُحَقِّقْ بِالشَّكْلِ المَطْلوبِ أَيًّا مِنْ أَهْدافِها في تَطْويرِ الواقِعِ المَعاشيِّ لِلْمُجْتَمَعِ العِراقِيّ، نَتيجَةَ ما مَرَّ بِهِ العِراقُ مِنْ ظُروفٍ غَيْرِ اعْتِيادِيَّة، تَمَثَّلَتْ بِدُخولِ العِراقِ حُروبًا وَحِصارًا، أَنْهَكَتْ كُلَّ مُقَوِّماتِ العَمَلِيَّةِ التَّنْمَوِيَّةِ واسْتَنْزَفَتْ مَوارِدَها، لا سِيَّما الطَّبيعِيَّةَ المُتَمَثِّلَةَ بِالمِياهِ والأَراضي الصّالِحَةِ لِلزِّراعَة، نَتيجَةَ الاسْتِخْدامِ المُفْرِطِ وَغَيْرِ الرَّشيدِ لِهَذِهِ المَوارِدِ والاعْتِمادِ على الطُّرُقِ التَّقْليدِيَّةِ في الزِّراعَة. هَذا فَضْلًا عَنْ عَدَمِ اسْتِخْدامِ المَوارِدِ النَّفْطِيَّةِ المُتَحَقِّقَةِ في مَجالاتٍ تَخْدِمُ التَّنْمِيَة، بِسَبَبِ تَصَدُّرِ الإِنْفاقِ العَسْكَرِيِّ على مُعْظَمِ أَوْجُهِ الإِنْفاقِ الأُخْرى وَمِنْها الإِنْفاقُ الاسْتِثْمارِيّ، فَفَقَدَ العِراقُ الكَثيرَ مِنْ مَوارِدِه، مِنْها قِسْمٌ نَتيجَةَ تَداعِياتِ الواقِعِ الأَمْنِيّ.

القِطاعُ الزِّراعِيُّ في ميزانِ الاقتِصادِ العِراقي!

بَلَغَ النّاتِجُ المَحَلِّيُّ الإِجْمالِيُّ 245.2 مِلْيارَ دولارٍ في العِراقِ عامَ 2024، وَتُظْهِرُ البَياناتُ الأَخيرَةُ اسْتِمْرارَ مُعَدَّلِ الفَقْرِ عِنْدَ 23% وَفْقَ بَياناتِ عامِ 2014، ما يُشيرُ إلى الحاجَةِ للمَزيدِ مِنَ الإِصْلاحاتِ البُنْيَوِيَّةِ والتَّنْمَوِيَّة. واسْتِنادًا إلى "التَّقْريرِ الاقْتِصادِيِّ العَرَبيِّ المُوَحَّدِ 2025"، تَنْخَفِضُ مُساهَمَةُ قِطاعاتِ الصِّناعاتِ التَّحْويلِيَّةِ والزِّراعِيَّةِ في تَوْليدِ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْمالِيّ، إِذْ تُساهِمُ الزِّراعَةُ والصَّيْدُ والغاباتُ بِنِسْبَةِ 3.4% في تَوْليدِ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْماليِّ لِلْعِراق، والصِّناعاتُ التَّحْويلِيَّةُ بِمِقْدارِ 3.3%، في حينِ تُساهِمُ الصِّناعاتُ الاسْتِخْراجِيَّةُ بِنِسْبَةِ 44.5%، والتَّشْييدُ بِـ7.6%، والتِّجارَةُ بِـ9%، والنَّقْلُ بِـ11.3%، والإِسْكانُ بِـ6.2%، والخَدَماتُ الحُكومِيَّةُ بِـ17.3%، وَأَخيرًا الخَدَماتُ الأُخْرى بِـ4.7%، وَبَقِيَّةُ قِطاعاتِ الاقْتِصادِ الأُخْرى (التَّقْريرُ الاقْتِصادِيُّ العَرَبِيُّ المُوَحَّد 2025).

وَنَتيجَةَ ظُروفِ الجَفافِ الَّتي تَعَرَّضَتْ لَها المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّة، انْعَكَسَ ذَلِكَ على المَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ المُتاحَةِ مِنْ مِياهٍ وأَراضٍ صالِحَةٍ لِلزِّراعَة، وَعَدَمِ صِيانَةِ مَشَاريعِ الرَّيّ، مِمّا أَدّى إلى تَصَحُّرِ الكَثيرِ مِنَ الأَراضي وَتَدَنّي الإِنْتاجِيَّةِ الزِّراعِيَّة. كَما أَنَّ سوءَ الإِداراتِ الرَّسْمِيَّةِ واسْتِشْراءَ الفَسادِ الماليِّ في بَعْضِ أَجْهِزَةِ الدَّوْلَة، قَدْ أَدَّيا إلى خَسارَةِ مُعْظَمِ العَوائِدِ المُتَحَقِّقَةِ مِنَ الصّادِراتِ النَّفْطِيَّةِ في تَحْقيقِ تَنْمِيَةِ القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّةِ وَمِنْها القِطاعُ الزِّراعِيّ، الأَمْرُ الَّذي انْعَكَسَ سَلْبًا على الواقِعِ الاقْتِصاديِّ والاجْتِماعيِّ لِلْمُجْتَمَعِ العِراقِيّ.

التنسيق العربي الفعّال وتفعيل دور البحث العلمي من الركائز الأساسية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي العربي

وَسَجَّلَ مُتَوَسِّطُ نَصيبِ الفَرْدِ مِنَ النّاتِجِ الزِّراعيِّ بِالأَسْعارِ الثّابِتَةِ انْخِفاضًا بِنَحْوِ 2.1% لِيُسَجِّلَ حَوالَيْ 373 دولارًا أَميرْكِيًّا في عامِ 2024 مُقارَنَةً بِحَوالَيْ 381 دولارًا في عامِ 2023، وَيُعْزى هَذا التَّراجُعُ إلى تَسارُعِ نُمُوِّ السُّكّانِ بِمُعَدَّلٍ يَفوقُ مُعَدَّلَ نُمُوِّ النّاتِجِ الزِّراعِيّ، فَقَدِ ارْتَفَعَ في سَبْعِ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ خِلالَ عامِ 2024 مُقارَنَةً بِعامِ 2023 وَهِي: الأُرْدُن، وَتُونُس، والبَحْرَيْن، والجَزائِر، وَجيبوتِي، وجُزُرُ القُمُر، وَمِصْر، وَموريتانْيا، بينما تَراوَحَ ما بَيْنَ 44 دولارًا في ليبْيا وَ678 دولارًا في السعودية التي سجّلت أعلى قيمةٍ بينَ الدولِ العربيةِ في عامِ 2024، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ النُّمُوُّ إلى تَحْسينِ مُسْتَوى الغَلَّةِ بِنِسْبَةِ 6.3% في القَمْح، وَ33 % في الأَرُزّ، وَ21.0 % في الشَّعير، وَ9.5% في الذُّرَةِ الرَّفيعَة، وَذَلِكَ مِنْ جَرّاءِ التَّوَسُّعِ في اسْتِخْدامِ الحُزَمِ التِّقْنِيَّةِ المُتَكامِلَةِ مِثْلَ البُذورِ المُحَسَّنَةِ والرَّيِّ التَّكْميليِّ والتَّوَسُّعِ في بَرامِجِ الإِرْشادِ الزِّراعيِّ (التَّقْريرُ الاقْتِصادِيُّ العَرَبِيُّ المُوَحَّد 2025).

وَمِنَ الجَديرِ بِالإِشارَة، أَنَّ الوَعْيَ بِالمُعَوِّقاتِ البِنائِيَّةِ لِلتَّنْمِيَةِ الزِّراعِيَّةِ في العِراقِ يُعَدُّ المَدْخَلَ العِلْمِيَّ لِمُعالَجَةِ هَذِهِ المُشْكِلَة، وإلى أَنَّ بَيانَ "مُمْتَلَكاتِ" التَّنْمِيَةِ الزِّراعِيَّةِ لِكَوْنِها نُقْطَةَ الانْطِلاقِ لِتَطْويرِ وَرَفْعِ كَفاءَةِ اسْتِغْلالِها، لِأَنَّ طاقَةَ الإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ تَتَحَدَّدُ بِالمَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ والمادِّيَّةِ والبَشَرِيَّةِ وَدَرَجَةِ اسْتِغْلالِها والسِّياساتِ الَّتي تُوَجِّهُ هَذِهِ المَوارِد. إِنَّ العِراقَ يَمْتَلِكُ تَكْوينًا اقْتِصادِيًّا مُتَكامِلًا وَفَعّالًا إِذا اسْتَخْدَمَ مَوارِدَهُ الاقْتِصادِيَّةَ بِصورَةٍ مَقْبولَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ دَوْرًا فَعّالًا في عَمَلِيَّةِ التَّنْمِيَةِ مِنْ خِلالِ تَصْفِيَةِ عَلاقاتِ الإِنْتاجِ السّائِدَةِ في الرّيفِ العِراقيِّ وَتَشْجيعِ قاعِدَةِ الاسْتِثْماراتِ الفَرْدِيَّةِ والجَماعِيَّة، وَفي مَجالِ القُوى المُنافِسَةِ بِالعَمَل.

من الضروري دخول الصناعات الساندة للقطاع الزراعي في الاقتصاد العراقي

وَكَشَفَتْ أَزْمَةُ الغِذاءِ العالَمِيَّةُ هَشاشَةَ النِّظامِ الغِذائيِّ في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، ما يُبْرِزُ الحاجَةَ إلى مُراجَعَةٍ شامِلَةٍ لِلسِّياساتِ والخُطَطِ الزِّراعِيَّة، واعْتِمادِ مِنْهاجٍ تَكامُلِيٍّ يَخْدِمُ الاسْتِدامَةَ وَيُعَزِّزُ الأَمْنَ الغِذائِيّ. وَهُناكَ العَديدُ مِنَ التَّحَدِّياتِ الَّتي تُواجِهُ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ في مَجالِ الأَمْنِ الغِذائِيّ، وَلِمُواجَهَةِ هَذِهِ التَّحَدِّياتِ يُعَدُّ التَّنْسيقُ العَرَبِيُّ الفَعّال، والاسْتِثْمارُ الذَّكِيُّ في القِطاعِ الزِّراعِيّ، وَتَفْعيلُ دَوْرِ البَحْثِ العِلْميِّ والمَراكِزِ البَحْثِيَّةِ المُتَخَصِّصَةِ في ابْتِكارِ حُلولٍ مُلائِمَةٍ لِطَبيعَةِ وَمَوارِدِ المِنْطَقَة، مِنَ الرَّكائِزِ الأَساسِيَّةِ والفَعّالَةِ في هَذا الجانِب.

وَفي الخِتام، مِنَ الضَّرورِيِّ الدُّخولُ في الصِّناعاتِ السانِدَةِ لِلْقِطاعِ الزِّراعيِّ في الاقْتِصادِ العِراقِيّ، مِثْلَ صِناعَةِ الأَسْمِدَةِ والمُبيداتِ والمَكْنَنَةِ وَمَنْظوماتِ الرَّيِّ بِالرَّشِّ والتَّنْقيطِ والنايْلونِ الزِّراعيِّ والبُيوتِ البْلاسْتيكِيَّة... إلخ، والدُّخولُ في الصِّناعاتِ الزِّراعِيَّةِ مِثْلَ صِناعَةِ التَّعْليبِ والأَلْبانِ وَمَعْجونِ الطَّماطِمِ وَتَعْزيزِ صِناعَةِ وَتِجارَةِ التُّمورِ والحُبوبِ وَغَيْرِها، والتَّرْكيزُ على تَقْليلِ الفاقِدِ لِما بَعْدَ الحَصادِ أَوِ الجَنْيِ وُصولًا إلى المُسْتَهْلِكِ مِنْ خِلالِ تَطْويرِ التَّسْويقِ الزِّراعيِّ بِحَلَقاتِهِ كافَّة، وَمِنْ ضِمْنِها وَسائِلُ النَّقْلِ المُبَرَّدَةُ والمُجَمِّدَةُ لِنَقْلِ المَحَاصيلِ الزِّراعِيَّة، وإِنْشاءُ المَخازِنِ الحَديثَةِ العادِيَّةِ والمُبَرَّدَةِ والمُجَمِّدَةِ والاهْتِمامُ بِالتَّعْبِئَةِ والتَّدْريجِ والتَّخْزينِ والتَّسْويقِ والتَّصْنيعِ لِحِمايَةِ المُنْتِجِ والمُسْتَهْلِك، وَتَبَنّي إِنْشاءِ مَحَطَّاتٍ كُبْرى لِتَرْبِيَةِ أَبْقارِ الحَليبِ وَمَصانِعَ لِلْأَعْلافِ بِتِكْنولوجْيا حَديثَةٍ وَصِناعَةِ الأَلْبان. بِعِبارَةٍ أُخْرَى، تَأْسيسُ مُجَمَّعاتٍ زِراعِيَّةٍ - صِناعِيَّةٍ واسْتِعْمالُ الدَّوْراتِ الزِّراعِيَّةِ وَتَوْسيعُ رُقْعَةِ المِساحاتِ المُخَصَّصَةِ لِإِنْتاجِ الأَعْلاف، وَتَأْسيسُ شَرِكاتٍ لِلتَّأْمينِ الزِّراعيِّ لِلْعَمَلِ بِنِظامِ التَّأْمينِ الزِّراعِي.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن