اللّافِتُ في العَمَلِيَّتَيْنِ لَيْسَ فَقَطْ طَبيعَتُهُما الصّادِمَة، بَلِ الغِطاءُ الفِكْرِيُّ والسِّياسِيُّ الذي جَرى اسْتِخْدامُهُ لِتَبْريرِهِما. مَفْهومُ "الحَديقَةِ الخَلْفِيَّة" لَيْسَ تَعْبيرًا بَريئًا في القاموسِ السِّياسيِّ الأَميرْكِيّ، بَلِ هو امْتِدادٌ وَتَطْويرُ لِعَقيدَةِ مونْرو القَديمَة، التي تَعامَلَتْ مَعَ أَميرْكا اللّاتينِيَّةِ بِوَصْفِها مَجالًا حَيَوِيًّا خالِصًا لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَة، يُسْمَحُ فيهِ بِالتَّدَخُّلِ المُباشِرِ مَتى رَأَتْ واشِنْطُن أَنَّ مَصالِحَها مُهَدَّدَة. الأَخْطَرُ أَنَّ هَذا المَنْطِق، حينَ يُسْتَخْدَمُ مِنْ دونِ رادِعٍ دَوْلِيّ، يَتَحَوَّلُ إلى سابِقَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّعْميم: إِذا كانَتْ فِنِزْويلا حَديقَةً خَلْفِيَّةً لِواشِنْطُن، فَلِماذا لا تَعْتَبِرُ روسْيا أوكْرانْيا حَديقَةً أَمامِيَّة؟ وَلِماذا لا تَرى الصّينُ في تايْوان الامْتِدادَ الطَّبيعِيَّ لِأَمْنِها القَوْمِيّ؟.
هُنا تَكْمُنُ خُطورَةُ اللَّحْظَةِ الرّاهِنَة. نَحْنُ لا نَعيشُ مُجَرَّدَ أَزْمَةٍ إِقْليمِيَّة، بَلِ اهْتِزازًا عَميقًا في بُنْيَةِ النِّظامِ الدَّوْليِّ نَفْسِهِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ أَعْمالِ الرَّئيسِ الفِنِزْويليِّ الغَبِيَّة. القَبولُ الضِّمْنِيُّ مِنْ بَقِيَّةِ العالَم، أَوْ على الأَقَلِّ غِيابُ رَدِّ فِعْلٍ عَمَلِيٍّ مُؤَثِّر، لا يَقِلُّ خُطورَةً عَنِ الفِعْلِ ذاتِه. فالصَّمْتُ الدولِيّ، كَما عَلَّمَنا التّاريخ، لَيْسَ حِيادًا، بَل مُشارَكَةٌ غَيْرُ مُباشِرَةٍ في تَكْريسِ مَنْطِقِ القُوَّةِ العارِيَة.
تراجُع القدرة العربية الجماعية على فرض خطوط حمراء يجعل الشرق الأوسط مُرَشَّحًا ليَكون أكثر تأثُّرًا بتفكُّك النظام الدولي
حينَ تُخْتَطَفُ دَوْلَةٌ ذاتُ سِيادَة، مَهْما كانَتْ طَبيعَةُ نِظامِها، مِنْ دونِ مُساءَلَةٍ حَقيقِيَّة، فَإِنَّ الرِّسالَةَ التي تَصِلُ إلى بَقِيَّةِ العَواصِمِ واضِحَة: القُوَّةُ تَصْنَعُ الشَّرْعِيَّة، وَلَيْسَ العَكْس.
وَلا يَقِفُ أَثَرُ هَذا المَنْطِقِ عِنْدَ حُدودِ أَميرْكا اللّاتينِيَّةِ أَوِ القُوى الكُبْرى وَحْدَها، بَل يَفْتَحُ البابَ واسِعًا أَمامَ قُوًى إِقْليمِيَّةٍ حَليفَةٍ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَفي مُقَدِّمَتِها إِسْرائيل، لِلحُصولِ على ما يُشْبِهُ "الكارْت بْلانْش" لِلتَّدَخُّلِ في الجِوارِ وَما بَعْدَ الجِوار. فَإِذا كانَتْ واشِنْطُن تُشَرْعِنُ لِنَفْسِها التَّدَخُّلَ الصَّريح، واخْتِطافَ رُؤَساءِ دُوَلٍ تَحْتَ ذَريعَةِ الأَمْنِ القَوْميِّ والحَديقَةِ الخَلْفِيَّة، فَإِنَّ إِسْرائيلَ تَسْتَطيع، وَبِسُهولَةٍ أَكْبَر، أَنْ تَسْتَعيرَ المَنْطِقَ ذاتَهُ لِتَبْريرِ تَدَخُّلِها في مُحيطِها الإِقْليمِيّ، بَلْ وَمُحاوَلَةِ التَّأْثيرِ المُباشِرِ في شَكْلِ الحُكوماتِ والأَنْظِمَةِ السَّياسِيَّةِ في الشَّرْقِ الأَوْسَط. في مَنْطِقَةٍ تَعيشُ أَصْلًا تَجاذُباتٍ حادَّة، وانْقِساماتٍ بُنْيَوِيَّة، وَصِراعاتِ هُوِيَّةٍ وَنُفُوذ، يُصْبِحُ هَذا المَنْطِقُ وَقودًا إِضَافِيًّا لِعَدَمِ الِاسْتِقْرار، وَيَمْنَحُ الطَّرَفَ الأَقْوى عَسْكَرِيًّا اليَدَ الطّولى في فَرْضِ وَقائِعَ سِياسِيَّةٍ جَدِيدَة، تَحْتَ شِعاراتٍ أَمْنِيَّةٍ فَضْفاضَة، لا تَخْضَعُ لِرِقابَةٍ دولِيَّةٍ حَقِيقِيَّة.
وَيَزْدادُ هَذا الخَطَرُ في ظِلِّ غِيابِ تَوازُنٍ إِقْليمِيٍّ فَعّال، وَتَراجُعِ القُدْرَةِ العَرَبِيَّةِ الجَماعِيَّةِ على فَرْضِ خُطوطٍ حَمْراءَ واضِحَة، ما يَجْعَلُ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ مُرَشَّحًا لِيَكونَ أَحَدَ أَكْثَرِ السّاحاتِ تَأَثُّرًا بِتَداعِياتِ تَفَكُّكِ النِّظامِ الدَّوْلِيّ. فَحِينَ تُكافَأُ القُوَّةُ لا القانون، وَتُغَضُّ الأَبْصارُ عَنْ سَوابِقَ خَطيرَة، تَتَحَوَّلُ الاسْتِثْناءاتُ إلى قَواعِد، وَيَغْدو التَّدَخُّلُ في شُؤونِ الدُّوَل، وَتَغْييرُ أَنْظِمَتِها، مَسْأَلَةً "مَشْروعَةً" بِحُكْمِ الأَمْرِ الواقِع، لا بِحُكْمِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّة.
إِذا فُتِحت فنزويلا أمام النفط الأميركي فسيضغط ذلك على مداخيل الدول النفطية وفي مقدّمتها دول الشرق الأوسط
فِنِزْوِيلا لَيْسَتْ دَوْلَةً هامِشِيَّةً في النِّظامِ الدولِيّ. هِيَ بَلَدٌ غَنِيٌّ بِالنَّفْط، وَعُضْوٌ مُؤَسِّسٌ في مُنَظَّمَةِ "أُوبِك"، وَتَمْتَلِكُ احْتِياطِيّاتٍ هائِلَةً تَجْعَلُ مِنْها لاعِبًا اسْتْراتيجِيًّا في سوقِ الطّاقَةِ العالَمِيَّة. مِنَ الصَّعْبِ فَصْلُ ما جَرى عَنِ العامِلِ النَّفْطِيّ، خاصَّةً في ظِلِّ سَعْيِ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّةِ إلى إِعادَةِ تَرْتيبِ أَسْواقِ الطّاقَةِ العالَمِيَّةِ والضَّغْطِ على الأَسْعارِ بِما يَخْدُمُ الِاقْتِصادَ الأَميرْكِيَّ في المَدى القَصير. وَإِذا ما فُتِحَتْ فِنِزْويلا قَسْرًا أَمامَ النَّفْطِ الأَميرْكيِّ أَوِ الحُلَفاء، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدّي مُسْتَقْبَلًا إلى نَفْطٍ أَرْخَص، يَضْغَطُ مُباشَرَةً على مَداخيلِ الدُّوَلِ النَّفْطِيَّة، وَفي مُقَدِّمَتِها دُوَلُ الشَّرْقِ الأَوْسَط.
لَكِنَّ التَّجْرِبَةَ الأَميرْكِيَّةَ الحَديثَةَ لا تَبْعَثُ على الِاطْمِئْنان. التَّفْكيرُ في "اليَوْمِ التّالي" كانَ الغائِبَ الأَكْبَرَ في عَمَلِيَّتَيِ العِراقِ وأَفْغانِسْتان، وَكانَتِ النَّتيجَةُ كارِثِيَّةً على المُسْتَوَيَيْنِ الإِقْليميِّ والدَّوْلِيّ. إِسْقاطُ نِظامٍ، أَوِ اخْتِطافُ رَأْسِ السُّلطَة، لا يَعْني امْتِلاكَ القُدْرَةِ على إِدارَةِ دَوْلَة، وَلا ضَمانَ اسْتِقْرارِها، وَلا احْتِواءَ تَداعِياتِ الفَوْضى التي تَلي ذَلِك. القَوْلُ إِنَّ "أَميرْكا سَتُديرُ فِنِزْويلا" لَيْسَ فَقَطْ مُبالَغًا فيه، بَل أَقْرَبُ إلى الوَهْم، فالشُّعورُ الوَطَنِيّ، حَتّى في ظِلِّ أَنْظِمَةٍ فاشِلَةٍ أَوْ قَمْعِيَّة، يَتَفَوَّقُ غالِبًا على كَراهِيَةِ النّاسِ لِحُكّامِهِم، حَتّى لَوْ كانوا قَمْعِيّين، حينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِتَدَخُّلٍ أَجْنَبِيٍّ مُباشِرٍ في الوَطَن.
إِضَافَةً إلى ذَلِك، فَإِنَّ البيئَةَ الإِقْليمِيَّةَ المُحيطَةَ بِفِنِزْويلا لَيْسَتْ مُحايِدَة. دُوَلُ الجِوارِ في أَميرْكا اللّاتينِيَّة، حَتّى تِلكَ التي تَخْتَلِفُ سِياسِيًّا مَعَ مادورو، تَجِدُ صُعوبَةً في القَبولِ بِسابِقَةِ اخْتِطافِ رَئيسِ دَوْلَةٍ بِالقُوَّة. هَذا يَفْتَحُ البابَ أَمامَ حَرَكاتٍ ارْتِدادِيَّة، سِياسِيَّةٍ وَرُبَّما أَمْنِيَّة، تُدْخِلُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ في مُسْتَنْقَعٍ جَدِيد، في مَنْطِقَةٍ لَطالَما كانَتْ حَسّاسَةً تُجاهَ التَّدَخُّلِ الخارِجِيّ، وَمَشْحُونَةً بِإِرْثٍ طَويلٍ مِنَ العَداءِ لِلهَيْمَنَةِ الأَميرْكِيَّة.
مرحلة انتقالية خطرة في العلاقات الدولية حيث تتراجع القواعد وتعلو شريعة القوة
السُّؤالُ الأَوْسَعُ يَتَجاوَزُ فِنِزْويلا نَفْسَها: هَلْ نَحْنُ أَمامَ غاطِسٍ سِياسِيٍّ أَميرْكِيٍّ جَديدٍ في أَميرْكا اللّاتينِيَّة؟ وَهَل يَأْتي ذَلِكَ في لَحْظَةٍ تَتَّسِمُ فيها شَخْصِيَّةُ الرَّئيسِ دونالد تْرامْب بِحَساسِيَّةٍ مُفْرِطَةٍ تُجاهَ صورَةِ القُوَّةِ والهَيْبَة؟ إِذا صَحَّ هَذا التَّقْدير، فَإِنَّ التَّداعِياتِ لَنْ تَتَوَقَّفَ عِنْدَ حُدودِ القارَّةِ الأَميرْكِيَّة. الشَّرْقُ الأَوْسَط، الذي يَعْتَمِدُ جُزْءٌ مِنِ اسْتِقْرارِهِ الِاقْتِصاديِّ على سوقِ الطّاقَة، سَيَتَأَثَّرُ مُباشَرَة. آسْيا، حَيْثُ تُراقِبُ الصّينُ بِدِقَّةٍ كُلَّ سابِقَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالسِّيادَةِ والتَّدَخُّل، سَتَقْرَأُ الرِّسالَةَ جَيِّدًا. وَأَفْريقيا، التي تُعاني أَصْلًا مِنْ هَشاشَةِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة، قَدْ تَجِدُ نَفْسَها أَمامَ مَوْجَةٍ جَديدَةٍ مِنْ تَبْريرِ التَّدَخُّلاتِ تَحْتَ مُسَمَّياتٍ أَمْنِيَّةٍ فَضْفاضَةٍ.
في المُحَصِّلَةِ، ما يَجْري لَيْسَ مُجَرَّدَ حادِثَةٍ اسْتِثْنائِيَّة، بَلْ مُؤَشِّرٌ إلى مَرْحَلَةٍ انْتِقالِيَّةٍ خَطِرَةٍ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، وَمَرْحَلَةِ سُيولَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَة، حَيْثُ تَتَراجَعُ القَواعِد، وَتَعْلو شَريعَةُ القُوَّة، وَيُصْبِحُ اخْتِطافُ الرُّؤَساءِ احْتِمالًا وارِدًا في عالَمٍ بِلا ضَوابِط. السُّؤالُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ فَقَطْ ماذا سَيَحْدُثُ في فِنِزْويلا، بَل أَيُّ عالَمٍ سَيولَدُ مِنْ رَحِمِ هَذِهِ السَّوابِق، وَمَنْ سَيَكونُ التّالي في القائِمَةِ وَكَيْفَ سَيَكونُ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ وَ"الحَدائِقُ" المَفْتُوحَةُ على مِصْراعَيْها؟!.
(خاص "عروبة 22")

