تقدير موقف

مِنْ إِدارَةِ الأَزمات.. إلى إعادَةِ هَنْدَسَةِ الإقْليم!

لَمْ يَكُنْ تَراجُعُ الدَّوْرِ المِصْريِّ في الإِقْليمِ حَدَثًا مُفاجِئًا، وَلا نَتيجَةَ هَزيمَةٍ أو قَرارٍ بِعَيْنِه، بَلْ حَصيلَةَ مَسارٍ طَويلٍ انْتَقَلَتْ فيهِ القاهِرَة، بِهُدوءٍ وَمِنْ دونِ إِعْلانٍ، مِنْ مَوْقِعِ قِيادَةِ الإِقْليمِ إلى مَوْقِعٍ خَلْفِيٍّ، بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَتْ إِدارَةُ الإِقْليمِ ذاتُها إلى أَيْدي فاعِلينَ آخَرين. هَذا التَّحَوُّلُ لَمْ يُفْرَضْ على مِصْرَ فَقَطْ مِنَ الخارِج، بَلْ شارَكَتْ فيهِ حِساباتٌ داخِلِيَّةٌ، وَإِرْهاقٌ تَاريخِيٌّ، وَتَغَيُّرٌ في بُنْيَةِ النِّظامِ الدَّوْلِيّ، جَعَلَ "الحَدَّ الأَدْنى مِنَ الاسْتِقْرارِ" هَدَفًا بَديلًا عَنْ "الحَدِّ الأَعْلى مِنَ التَّأْثير".

مِنْ إِدارَةِ الأَزمات.. إلى إعادَةِ هَنْدَسَةِ الإقْليم!

في مَراحِلَ سابِقَة، أَدارَتْ مِصْرُ الأَزَماتِ العَرَبِيَّةَ بِوَضْعِها كَدَوْلَةٍ إِقْليمِيَّةٍ كُبْرى تَسْعى إلى تَكْريسِ مَشْروعٍ قَوْمِيٍّ تَقَدُّمِيٍّ في ظِلِّ عالَمٍ ثُنائيِّ القُطْبِيَّة. أَنْجَزَتْ الكَثير، وَأَخْفَقَتْ كَثيرًا أَيْضًا، لٰكِنَّها كانَتْ، على الرَّغْمِ مِنْ ذَلِك، رُمّانَةَ الميزانِ في الشَّرْقِ العَرَبِيّ، وَضابِطَةَ الإيقاعِ في سِياساتِ الإِقْليم. لاحِقًا، وَمَعَ تَغَيُّرِ بُنْيَةِ النِّظامِ الدَّوْليِّ وَتَفَكُّكِ الإِطارِ العَرَبِيّ، اسْتَمَرَّ حُضورُ مِصْرَ في إِدارَةِ الأَزَمات، لا بِاعْتِبارِهِ امْتِدادًا لِمَشْروعٍ، بَلْ بِوَصْفِهِ مُحاوَلَةً دائِمَةً لِمَنْعِ الانْهِيارِ الشّامِل: تَهْدِئَةُ نِزاعٍ، احْتِواءُ صِراعٍ، أَو تَجْميدُ مُواجَهَة.

هُنا تَبْرُزُ الحَقيقَةُ الأَساسِيَّة: إِدارَةُ الأَزَماتِ قَدْ تَمْنَعُ الانْهِيار، لٰكِنَّها لا تَصْنَعُ مُسْتَقْبَلًا. بَلْ قَدْ تَتَحَوَّل، مَعَ الوَقْت، إلى غِطاءٍ لاسْتِدامَةِ الخَلَل. فَالسِّياسَةُ التي تُطْفِئُ الحَرائِقَ بِاسْتِمْرارٍ، مِنْ دونِ أَنْ تُعيدَ بِناءَ البَيْت، مَحْكومٌ عَلَيْها أَنْ تَعيشَ في حالَةِ طَوارِئَ دائِمَةٍ، وَأَنْ تَفْقِدَ تَدْريجِيًّا قُدْرَتَها على التَّأْثيرِ في شَكْلِ الإِقْليمِ ذاتِه.

إما أن يُستكمل مشروع "الشرق الأوسط الإسرائيلي" أو يظهر إطار عربي مُتماسك يُعيد تنظيم المصالح والتناقضات

مِنْ هَذا المَنْظور، يُصْبِحُ السُّؤالُ لَيْسَ مُجَرَّدَ لِماذا لَمْ تُبادِرْ مِصْر، بَلْ هَلْ باتَتِ الظُّروفُ تَفْرِضُ عَلَيْها اسْتِعادَةَ مَوْقِعِها الفاعِلِ في صِياغَةِ تَوازُنِ الإِقْليم؟.

الإِقْليمُ اليَوْمَ يَقِفُ عِنْدَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ حاد: إِمَّا أَنْ يُسْتَكْمَلَ مَشْروعُ "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الإِسْرائيليِّ" القائِمِ على التَّفْكيكِ وَالهَيْمَنَةِ الخَشِنَة، أَو أَنْ يَظْهَرَ إِطارٌ عَرَبِيٌّ مُتَماسِكٌ يُعيدُ تَنْظيمَ المَصالِحِ وَالتَّناقُضاتِ بَدَلَ تَرْكِها سائِبَة، وَهُوَ ما يُمْكِنُ لِمِصْرَ أَنْ تُشَكِّلَهُ عَبْرَ تَحالُفٍ صَلْبٍ مَعَ حُلَفائِها التَّقْليديِّينَ في قَلْبِ المِنْطَقَة.

في هَذا السِّياق، يُمْكِنُ أَنْ تُطْلِقَ مِصْرُ مُبادَرَةً كُبْرى، لا بِوَصْفِها إِعْلانًا رومانْسِيًّا وَلا مُغامَرَةً سِياسِيَّة، بَلْ مَشْروعًا لِإِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليم، وَهُوَ دَوْرٌ مُهَيَّأَةٌ لَهُ بِكُلِّ تَأْكيد.

جَوْهَرُ هَذِهِ المُبادَرَةِ لَيْسَ اسْتِعادَةَ دَوْرِ الزَّعامَةِ بِالمَعْنى القَديم، بَلِ الانْتِقالَ إلى دَوْرِ الدَّوْلَةِ التي تُعيدُ ضَبْطَ التَّوازُن، وَتَمْنَعُ انْزِلاقَ الصِّراعاتِ إلى حُروبٍ شامِلَةٍ لا رابِحَ فيها سِوى إِسْرائيل.

مشروع تفكيك الإقليم لا يستهدف دولة بعينها بل يستهدف فكرة الإقليم العربي نفسها

غَيْرَ أَنَّ أَيَّ حَديثٍ عَنْ إِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليمِ يَظَلُّ ناقِصًا، وَرُبَّما هَشًّا، إِذا لَمْ يُبْنَ على تَحالُفٍ عَرَبِيٍّ جادٍّ وَصادِق، في قَلْبِه، وَعلى رَأْسِه، تَحالُفٌ مِصْرِيٌّ - سَعودِي، واضِحُ المَعالِمِ وَالغايَات. فَالتَّجْرِبَةُ التَّاريخِيَّةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ الإِقْليمَ لا يَسْتَقيمُ مِنْ دونِ تَلاقٍ بَيْنَ ثِقْلِ الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةِ الذي تُمَثِّلُهُ مِصْر، وَثِقْلِ الاقْتِصادِ وَالطّاقَةِ وَالعُمْقِ الخَليجيِّ الذي تُمَثِّلُهُ السَّعودِيَّة.

مِنْ دونِ هَذا التَّلاقي، تَتَحَوَّلُ المُبادَراتُ إلى أَفْكارٍ مُحَلِّقَةٍ بِلا حامِلٍ صَلْب.

هٰذا التَّحالُفُ المَطْلوب، لا يَقومُ على المُجامَلاتِ الدّيبْلوماسِيَّةِ وَلا على إِدارَةِ الخِلافاتِ تَحْتَ السَّطْح، بَلْ على تَوافُقٍ اسْتِراتيجِيٍّ في قِراءَةِ الخَطَر: أَنَّ مَشْروعَ تَفْكيكِ الإِقْليمِ لا يَسْتَهْدِفُ دَوْلَةً بِعَيْنِها، بَلْ يَسْتَهْدِفُ فِكْرَةَ الإِقْليمِ العَرَبِيِّ نَفْسَها، وَأَنَّ تَرْكَ فَراغِ القِيادَةِ سَيُـمْلَأُ تِلْقائِيًّا بِقُوًى غَيْرِ عَرَبِيَّة، أَو بِإِسْرائيلَ في مَوْقِعِ "مُنَسِّقِ المَصالِحِ وَالأَمْن".

هُنا، يُصْبِحُ التَّحالُفُ المِصْرِيُّ - السَّعودِيُّ شَرْطًا وُجودِيًّا لِأَيِّ مَشْروعِ تَوازُن.

تقاسُم الأدوار داخل رؤية واحدة لصياغة موقف عربي صلب قادر على مواجهة الابتزاز الإقليمي والدولي

هَذا التَّحالُفُ وَحْدَهُ القادِرُ على تَحْويلِ فِكْرَةِ إِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليمِ مِنْ تَصَوُّرٍ نَظَرِيٍّ إلى واقِعٍ عَمَلِي؛ مِصْرُ تَمْنَحُ المَشْروعَ عُمْقَهُ السِّياسِيَّ وَالتَّاريخِيَّ وَقُدْرَتَهُ على مُخاطَبَةِ المَشْرِقِ وَشَرْقِ المُتَوَسِّط، فِيما تَمْنَحُهُ السَّعودِيَّةُ ثِقْلَهُ الاقْتِصادِيَّ وَنُفوذَهَا في أَسْواقِ الطّاقَةِ وَقُدْرَتَها على التَّأْثيرِ في مُعادَلاتِ الخَليجِ وَالعالَمِ الإِسْلامِي.

بِهَذا المَعْنى، لا يَكونُ التَّحالُفُ تَقاسُمَ نُفوذ، بَلْ تَقاسُمَ أَدْوارٍ داخِلَ رُؤْيَةٍ واحِدَة تُتيحُ لَهُما صِياغَةَ مَوْقِفٍ عَرَبِيٍّ صَلْبٍ قادِرٍ على مُواجَهَةِ الابْتِزازِ الإِقْليميِّ وَالدَّوْلِي.

فَوْقَ هذا العَمودِ الصَّلْبِ يُمْكِنُ أَنْ تَتَشَكَّلَ نُواةُ مَوْقِفٍ عَرَبِيٍّ جَديد، لا يُخاصِمُ العالَم، وَلا يَرْتَهِنُ لَه؛ لا يَصْطَدِمُ بِالجيران، وَلا يَسْمَحُ لَهُمْ بِتَجاوُزِ حُدُودِهِم؛ وَبِالطَّبْعِ لا يَقْبَلُ بِإِسْرائيلَ لاعِبًا مُهَيْمِنًا مِنْ دونِ مُواجَهَةٍ حَقيقِيَّة.

مَوْقِفٌ عَرَبِيٌّ يَمْلِكُ مِنَ الوَزْنِ ما يَسْمَحُ لَهُ بِالتَّفاوُض، وَمِنَ التَّماسُكِ ما يَحْميهِ مِنَ الابْتِزاز، وَمِنَ الشَّرْعِيَّةِ ما يَجْعَلُهُ إِطارًا جاذِبًا لا قَسْرِيًّا. هٰذا المَوْقِفُ هُوَ ما يَمْنَحُ أَيَّ مُبادَرَةٍ القُدْرَةَ على الاسْتِمْرارِ وَالفَعّالِيَّة، وَيَجْعَلُها لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فِكْرَة، بَلْ خُطْوَةً عَمَلِيَّةً لِإِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليم.

ضِمْنَ هَذا الإِطارِ الصَّلْب، تَأْتي الاسْتْراتيجِيَّةُ العَرَبِيَّةُ الجَديدَةُ في التَّعامُلِ مَعَ الجارَيْنِ التَّارِيخِيَّيْن، إِيرانَ وَتُرْكيا، لَيْسَ على سَبيلِ تَبَدُّلِ التَّحالُفات، بَلْ كَإِدارَةٍ واعِيَةٍ لِلتَّناقُض: لا تَحالُفَ ضِدَّ العَرَب، وَلا شَراكاتٍ على حِسابِهِم، بَلِ اتِّفاقاتٌ تَضْبِطُ الصِّراعَ وَتُحَوِّلُهُ مِنْ مُواجَهَةٍ مَفْتوحَةٍ إلى تَنافُسٍ مَحْمود، وَتَمْنَعُ تَحْويلَ الجُغْرافْيا العَرَبِيَّةِ إلى ساحَةِ تَصْفِيَةِ حِسابات.

في قَلْبِ كُلِّ ذَلِك، تَعودُ القَضِيَّةُ الفِلَسْطينِيَّةُ إلى مَوْقِعِها الطَّبيعِيّ. فَلا مُبادَرَةَ إِقْلِيمِيَّةً جادَّةً تَتَجاوَزُ فِلَسْطين، وَلا تَوازُنَ يُبْنى على أَنْقاضِها. وَالبِدايَةُ مِنْ إِعادَةِ تَعْريفِ الصِّراعِ بِاعْتِبارِهِ سِياسِيًّا وَقانونِيًّا، لا أَمْنِيًّا فَقَط، وَهُوَ شَرْطٌ أَساسِيٌّ لِتَفْكيكِ مَشْروعِ "نِتِنْياهو" الذي يُبَرِّرُ الهَيْمَنَةَ وَيَسْعى إلى فَرْضِ شُروطِه، وَيَضْمَنُ لِأَيِّ إِطارٍ عَرَبِيٍّ مُتَماسِكٍ أَنْ يَظَلَّ صامِدًا وَفاعِلًا.

من خلال التحالف المصري - السعودي يُمكن لأي موقف عربي جديد أن يحمي مصالح الأمّة

الانْتِقالُ مِنْ إِدارَةِ الأَزَماتِ إلى إِعادَةِ هَنْدَسَةِ الإِقْليمِ لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ ضَرورَةٌ تَارِيخِيَّة. لَيْسَ قَفْزَةً في المَجْهول، بَلْ عَوْدَةٌ واعِيَةٌ إلى بِناءِ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ جَديد. وَمِصْر لا تُطالَبُ اليَوْمَ بِأَنْ تَقودَ المِنْطَقَةَ كَما كانَتْ تَفْعَلُ في لَحَظاتِ المَدِّ التَّاريخيّ، بَلْ بِأَنْ تَمْنَعَ سُقوطَها النِّهائِيَّ في مَشْروعٍ يُدارُ مِنْ خارِجِها.

التَّحالُفُ المِصْرِيُّ - السَّعودِيُّ هُوَ العَمودُ الفِقْرِيُّ لِأَيِّ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ حَقيقِي، وَمِنْ دونِهِ سَتَظَلُّ المُبادَراتُ هَشَّة، مَفْتُوحَةً لِلالْتِفافِ وَالانْكِسار. وَمِنْ خِلالِ هَذا العَمودِ الصَّلْب، يُمْكِنُ لِأَيِّ مَوْقِفٍ عَرَبِيٍّ جَديدٍ أَنْ يَحْمِيَ مَصالِحَ الأُمَّة، وَيَجْعَلَ أَيَّ مُبادَرَةٍ جَديدَةٍ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فِكْرَة، بَلْ إِطارًا عَمَلِيًّا قادِرًا على الفَعّالِيَّةِ وَالاسْتِمْرارِيَّة.

السُّؤالُ لَمْ يَعُد: هَلْ تَسْتَطيعُ مِصْر أَنْ تُغَيِّرَ الإِقْليم؟ بَلْ: هَلْ يَسْتَطيعُ الإِقْليمُ أَنْ يَحْتَمِلَ غِيابَ مِصْر عَنْ لَحْظَةِ إِعادَةِ تَشْكيلِه؟ هُنا يَكْمُنُ التَّحَدّي وَالضَّرورَة، وَهُنا أَيْضًا تَكْمُنُ البِدايَةُ المُمْكِنَةُ لِأَيِّ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ مَتينٍ قادِرٍ على حِمايَةِ مَصالِحِ الأُمَّةِ وَإِعادَةِ التَّوازُنِ إلى شَرْقِ أَوْسَطٍ تائِهٍ وَسْطَ غابَةٍ مِنَ المَشاريعِ التي تَسْتَهْدِفُهُ في الصَّميم.

مِنْ دونِ ذَلِك، لَنْ تَسْتَعيدَ مِصْرُ ثِقْلَها، وَلَنْ يَكونَ لِلْعَرَبِ وَزْنٌ في مُعادَلاتِ الإِقْليم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن