جاءَ التَّبْريرُ الرَّسْمِيُّ لِلصَّفْقَة، غَريبًا وَبَعيدًا عَنِ العِلْمِ وَعَنْ واقِعِ العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، بِالقَوْلِ بِأَنَّ الصَّفْقَةَ تِجارِيَّةٌ بَحْتَة، أُبْرِمَتْ وِفْقًا لاعْتِباراتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَاسْتِثْمارِيَّةٍ خالِصَةٍ وَلا تَنْطَوي على أَيِّ تَفاهُماتٍ أَو أَبْعادٍ سِياسِيَّة. وَهِيَ غَريبَةٌ وَغَيْرُ عِلْمِيَّةٍ وَبَعيدَةٌ عَنِ الواقِع، لِأَنَّها تَتَجاهَلُ بَديهِيَّةَ أَنَّ كُلَّ العَلاقاتِ الاقْتِصادِيَّةِ سَواءً كانَتْ إيجابِيَّةً أَو سَلْبِيَّةً في صورَةِ عُقوباتٍ وَمُقاطَعَةٍ وَحِصار، مُرْتَبِطَةٌ بِالسِّياسَةِ بِشَكْلٍ عَميق.
جُزء مُهم من حقل "ليفياثان" يدخل ضمن المنطقة الاقتصادية البحرية لمصر
على سَبيلِ المِثال، قامَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ بِإِلْغاءِ صَفْقَةِ إِدارَةِ شَرِكَةِ "مَوانِئِ دُبَيْ" لِسِتَّةِ مَوانِئَ أَميرْكِيَّةٍ لأَسْبابٍ سِياسِيَّةٍ وَأَمْنِيَّة. وَكانَتِ الشَّرِكَةُ الإِماراتِيَّةُ قَدِ اسْتَحْوَذَتْ على الشَّرِكَةِ البَريطانِيَّة (P&O) التي كانَتْ تُديرُ تِلْكَ المَوانِئ، وَبِالتّالِي انْتَقَلَتِ الإِدارَةُ لَها، لَكِنَّ الكونْغْرِسَ الأَميرْكِيَّ صَوَّتَ بِأَغْلَبِيَّةٍ ساحِقَةٍ لِإِلْغاءِ الصَّفْقَة، وَتَمَّ إِجْبارُ الشَّرِكَةِ الإِماراتِيَّةِ على بَيْعِ عَمَلِيّاتِها في المَوَانِئِ السِّتَّةِ لِلْمَجْموعَةِ الدَّوْلِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ (AIG)، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الإِماراتِ دَوْلَةٌ مُرْتَبِطَةٌ كُلِّيًّا بِالوِلاياتِ المُتَّحِدَة.
الصَّفْقَةُ وَمِلْكِيَّةُ حُقولِ الغاز وَجَدْوى مَنْحِ حُقوقِ الامْتِيازِ لِشَرِكاتٍ وَسيطَة
تَتَعَلَّقُ الصَّفْقَةُ بِاسْتيرادِ شَرِكَةٍ مِصْرِيَّةٍ لِنَحْوِ 135 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ الغازِ مِنَ الكِيانِ الصُّهْيونِيّ، خِلالَ 15 سَنَةً تَنْتَهي عامَ 2040، بِقيمَةِ 34.7 مِلْيارَ دولارٍ، بِوَاقِعِ 7.2 دولاراتٍ لِلْمِلْيونِ وَحْدَةٍ حَرارِيَّةٍ بَريطانِيَّةٍ التي تُعادِلُ 28.26 مِتْرًا مُكَعَّبًا. وَسَوْفَ يَتِمُّ تَوْريدُ تِلْكَ الكَمِّياتِ مِنَ الغازِ إلى مِصْرَ مِنْ حَقْل "ليفْياثان" الذي تَبْلُغُ احْتِياطِيّاتُهُ الإِجْمالِيَّةُ نَحْوَ 0.6 تْريلْيونِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ الغازِ. وَتَبَعِيَّةُ هَذا الحَقْلِ لِلْكِيانِ الصُّهْيونيِّ مَثارُ جَدَلٍ اقْتِصادِيٍّ وَعِلْمِيّ، فَأَقْصى نُقْطَةٍ في شَرْقِ الحَقْلِ تَبْعُدُ عَنْ ميناءِ حَيْفا نَحْوَ 130 كِلْم، بَيْنَما تَبْعُدُ أَقْصى نُقْطَةٍ في جَنوبِهِ نَحْوَ 235 كِلْم عَنْها، أَيْ خارِجَ المِنْطَقَةِ الاقْتِصادِيَّةِ البَحْرِيَّةِ لِفِلَسْطينِ المُحْتَلَّة. كَما يَبْعُدُ الحَقْلُ في أَقْصى نُقْطَةٍ في شَرْقِهِ نَحْوَ 130 كِلْم عَنِ الحُدودِ اللُّبْنانِيَّة - الفِلَسْطينِيَّة. وَفي المُقابِل، تَبْعُدُ أَقْصى نُقْطَةٍ في جَنوبِ الحَقْلِ نَحْوَ 150–190 كِلْم عَنْ مَدينَةِ دِمْياطَ المِصْرِيَّة، أَيْ أَنَّ جُزْءًا مُهِمًّا مِنْهُ يَدْخُلُ ضِمْنَ المِنْطَقَةِ الاقْتِصادِيَّةِ البَحْرِيَّةِ لِمِصْر.
احتياطي الحقول التي يستحوذ عليها الكيان الصهيوني هو احتياطي هزيل لا يُقارَن باحتياطيات الدول العربية من الغاز
وَحَتّى لَوْ أَعْلَنَ الكِيانُ الصُّهْيونِيُّ اكْتِشافَهُ الغازَ أَوَّلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُعْطيهِ الحَقَّ في الاسْتيلاءِ على الحَقْلِ كُلِّه. وَعلى سَبيلِ المِثال، اكْتَشَفَتْ قَطَرُ حَقْلَ الشَّمالِ في الخَليجِ العَرَبِيّ، وَهُوَ أَكْبَرُ حَقْلٍ لِلْغازِ الطَّبيعيِّ في العالَم، لَكِنَّهُ يَمْتَدُّ لِلْمِياهِ الإيرانِيَّة، وَلِذَلِكَ حَصَلَتْ إيرانُ على حَقِّها، وَاقْتَسَمَتِ الدَّوْلَتانِ الحَقْلَ الذي تَبْلُغُ احْتِياطِيّاتُهُ المُثْبَتَةُ نَحْوَ 51 تْريلْيونَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ.
وَتَمْلِكُ شَرِكَةُ "نْيوميد" المِصْرِيَّةُ حَقَّ امْتِيازِ التَّنْقيبِ في تِلْكَ المِنْطَقَة، وَالتي قامَتْ بِدَوْرِها بِمَنْحِ حَقِّ امْتِيازِ التَّنْقيبِ لِشَرِكَة "رويال دَتْش شِل" الهولَنْدِيَّةِ عامَ 1999. وَأَعْلَنَتِ الأَخيرَةُ اكْتِشافَ الغازِ عَامَ 2004، قَبْلَ أَنْ تَنْسَحِبَ عامَ 2011 مِنْ دونِ أَسْبابٍ مُعْلَنَة. وَلا أَفْهَمُ مُبَرِّرَ إِعْطاءِ الدَّوْلَةِ المِصْرِيَّةِ امْتِيازَ التَّنْقِيبِ لِشَرِكَةِ "نْيوميد" التي لا تَمْلِكُ القُدْرَةَ على التَّنْقيبِ وَالاسْتِكْشافِ في المِياهِ العَميقَة، لِتَمْنَحَهُ بِدَوْرِها لِشَرِكَةٍ أُخْرى، وَكَأَنَّها سِمْسارٌ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالشَّرِكَةِ التي سَتَقومُ بِالتَّنْقيبِ فِعْلِيًّا!.
الكِيانُ الصُّهْيونِيُّ "قَزَمٌ" في سوقِ الغاز يُضَخِّمُهُ إِعْلامٌ مُشْبوهٌ وَصَفَقاتٌ سَيِّئَة
هُناكَ مُبالَغَةٌ إِعْلامِيَّةٌ حَوْلَ احْتِياطِيّاتِ الغازِ التي يُسَيْطِرُ عَلَيْها الكِيانُ الصُّهْيونِيُّ بِحُكْمِ اغْتِصابِهِ لِفِلَسْطينِ وَسَطْوِهِ على الثَّرَواتِ الطَّبيعِيَّةِ لِلشَّعْبِ الفِلَسْطينيِّ وَلِدُوَلٍ أُخْرى.
زِيادة الإنتاج المصري من الاحتياطيات واستبعاد الشركات السمسارة هو الحل للاستغناء عن الفعل المُسيء لمصر
وَيَبْلُغُ إِجْمالِيُّ احْتِياطِيّاتِ حُقول "ليفْياثان" وَ"تامار" وَ"شِمْشون" وَ"كاريش" وَ"تانين" وَالحُقولِ الصَّغيرَةِ الأُخْرى التي يَسْتَحْوِذُ عَلَيْها الكِيانُ الصُّهْيونِيُّ نَحْوَ 1 تْريلْيونِ مِتْرٍ مُكَعَّب، وَهُوَ احْتِياطِيٌّ هَزيلٌ لا يُقارَنُ بِاحْتِياطِيّاتِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنَ الغاز. وَتَبْلُغُ احْتِياطِيّاتُ الغازِ في قَطَر، وَالسَّعودِيَّة، وَالإِمارات، وَالجَزائِر، وَالعِراق، وَمِصْر، وَليبْيا بِالتَّرْتيبِ نَحْوَ 23.8، وَ9.5، وَ8.2، وَ4.5، وَ3.7، وَ2.2، وَ1.5 تْريلْيونَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ في عامِ 2023. لَكِنَّ الإِعْلامَ المُشْبوهَ وَالصَّفَقاتِ الرَّديئَةَ هِيَ التي تُضَخِّمُ قيمَةَ الاحْتِياطيِّ الصُّهْيونيِّ "القَزَم"!.
لِماذَا تَسْتَوْرِدُ مِصْر الغاز مِنَ الكِيانِ الصُّهْيونِيِّ وَما هِيَ البَدائِل؟
تُشيرُ البَياناتُ الرَّسْمِيَّةُ إلى أَنَّ إِنْتاجَ مِصْرَ مِنَ الغازِ انْخَفَضَ مِنْ 67.8 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ عَامَ 2021، إلى 57.1 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ عَامَ 2023، ثُمَّ إلى 43.5 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ عامَ 2025. وَيَعودُ ذَلِكَ التَّدَهْوُرُ في الإِنْتاجِ إلى مَشاكِلَ فَنِّيَّةٍ وَمالِيَّةٍ، وَغِيابِ التَّخْطيطِ وَالأَوْلَوِيّات. وَفي المُقابِل، تَبْلُغُ احْتِياجاتُ مِصْرَ مِنَ الغازِ نَحْوَ 68 مِلْيارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ بَعْدَ التَّوَسُّعِ الكَبيرِ وَالمَحْمودِ في إيصالِ الغازِ لِلْمَنازِلِ في مِصْر، وَفي تَحْويلِ جُزْءٍ مُهِمٍّ مِنَ السَّياراتِ لِلْعَمَلِ بِالغاز، فَضْلًا عَنْ مَحَطّاتِ تَوْليدِ الكَهْرَباءِ بِالغاز. كَما أَنَّ مَحَطّاتِ الإِسالَةِ في إدْكو وَدِمْياط، وَالتي تَبْلُغُ طاقَتُها الإِنْتاجِيَّةُ نَحْوَ 12 مِلْيونَ طُنٍّ سَنَوِيًّا، تَحْتاجُ لِلْغازِ في صورَتِهِ الغازِيَّةِ كَيْ تَتِمَّ إِسالَتُهُ وَتَصْديرُهُ لِلْخارِج. وَهَذَا الغازُ إِذا لَمْ يَأْتِ مِنَ الإِنْتاجِ المِصْرِيّ، وَهُوَ الأَمْرُ المَنْطِقِيُّ وَالأَعْلى فائِدَةً لِمِصْر، فَإِنَّ البَديلَ هُوَ الاسْتيرادُ مِنَ الكِيانِ الصُّهْيونيِّ وَقُبْرُصَ مِنْ خِلالِ الأَنابيب. وَبِالتّالِي فَإِنَّ زِيادَةَ الإِنْتاجِ المِصْريِّ مِنِ احْتِياطِيّاتٍ مَوْجودَةٍ فِعْلِيًّا، وَمِنْ خِلالِ سَدادِ مُسْتَحَقّاتِ الشَّرِكاتِ المُنْتِجَةِ فِعْلًا، وَاسْتِبْعادِ الشَّرِكاتِ السِّمْسارَةِ مِنِ اتِّفاقِيّاتِ التَّنْقيبِ وَالاسْتِكْشافِ أَيًّا كانَ مَنْ يَمْلِكُها، هُوَ الحَلُّ لِلاسْتِغْناءِ عَنِ الفِعْلِ المُسيءِ لِمِصْرَ بِاسْتيرادِ الغازِ مِنَ الكِيانِ المُجْرِمِ قاتِلِ النِّساءِ وَالأَطْفال، وَالذي تَأَسَّسَ بِالاغْتِصابِ وَيَسْتَمِرُّ بِالعَرْبَدَةِ وَالعُدْوان.
هي صفقة ما كان لها أن تُعقد وتدعم كيانًا مجرمًا مُلطّخًا بعار حرب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية
أَمّا عَنْ سِعْرِ الغازِ في الصَّفْقَةِ التي عَقَدَتْها الشَّرِكَةُ المِصْرِيَّةُ مَعَ الكِيان، فَهُوَ 7.2 دولار لِلْمِلْيونِ وَحْدَةٍ حَرارِيَّةٍ بِرِيطانِيَّةٍ، بَيْنَما بَلَغَ السِّعْرُ الفَوْرِيُّ 3.12 دولار فَقَطْ في "مَرْكَزِ هِنْرِي" بِالسّوقِ الأَميرْكِيَّةِ في مايو/أَيّارَ 2025، وَهُوَ ما يَضَعُ عَلاماتِ اسْتِفْهامٍ أَيْضًا أَمامَ الشِّراءِ بِهَذَا السِّعْر.
إِجْمالًا هِيَ صَفْقَةٌ ما كانَ لَها أَنْ تُعْقَدَ وَتَدْعَمَ كِيانًا مُجْرِمًا مُلَطَّخًا بِعارِ حَرْبِ الإِبادَةِ وَالجَرائِمِ ضِدَّ الإِنْسَانِيَّة، وَكُلُّ التَّبْريراتِ المُقَدَّمَةِ لَها مُتَهافِتَةٌ وَلا قيمَةَ لَها في ميزانِ العِلْمِ وَالعَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَمَصْلَحَةِ الوَطَنِ التي لا تَعْلو عَلَيْها مَصْلَحَةُ أَيِّ شَخْصٍ أَو شَرِكَة.
(خاص "عروبة 22")

