يَحِقُّ لِلسَّيِّد "ش" إِذَنْ أَنْ يَعْجَبَ لِما حَدَثَ فَيَتَساءَل: كَيْفَ تَأَتّى لِلجِهَةِ "الخَفِيَّة" التي أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ الرِّسالَةَ القَصيرَةَ أَنْ تَكونَ على عِلمٍ بِمَكانِ وَوَقْتِ وُجودِهِ في البَلَدِ الذي سافَرَ إِلَيْه؟ (عَلَيْنا أَنْ نَعْلَمَ أَيْضًا أَنَّ السَّيِّد "ش" قَدْ تَلَقّى، بِمُجَرَّدِ ما أَعادَ تَشْغيلَ هاتِفِهِ إِثْرَ نُزولِ الطّائِرَةِ في المَطار، رِسالَةً قَصيرَةً تُرَحِّبُ بِهِ في البَلَدِ الذي حَلَّ بِه)، يَبْدو، لِلوَهْلَةِ الأولى، كَما لَوْ أَنَّ "عَيْنًا رَقيبَة" تَتَرَبَّصُ بِالسَّيِّد "ش"، فَهِيَ تُصاحِبُهُ وَلا تُغادِرُه، مِنْ دونِ عِلمٍ مِنْه. حَقًّا، إِنَّ مِنْ شَأْنِ هَذِهِ السَّيْطَرَةِ الرَّقابِيَّةِ على حَرَكاتِ السَّيِّد "ش" وَسَكَناتِه، فَضْلًا عَنْ إِحاطَتِها بِأُمورٍ تَتَّصِلُ بِحَياتِهِ الشَّخْصِيَّة، أَنْ تُثيرَ القَلَقَ في النَّفْس.
ثُمَّ إِنَّ مَدْعاةً ثانِيَةً لِلعَجَب، أَشَدَّ مِنْ سابِقَتِها، تَجْعَلُ السَّيِّد "ش" يَتَساءَلُ حائِرًا: مِنْ أَيْنَ لِلمُرْسِلِ "الخَفِيّ" أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ أَكْلَةَ البيتْزا وَبِالتّالي فَإِنَّ شَأْنَ مَعْرِفَةِ المَطْعَمِ الأَقْرَبِ مِنْ مَطاعِمِ البيتْزا أَنْ يُسْعِدَهُ حَقًّا؟.
لا يَخفى على الشبكة العنكبوتية شيء من أمر مُستعملها بحياته العامة والخاصة
يورِدُ هَذِهِ الحِكايَةَ باحِثٌ وَرِوائِيٌّ فَرَنْسِيٌّ هُوَ مارْك دوغان (Marc Dugain) في كِتابٍ لَهُ يَحْمِلُ عُنْوانًا دالًّا: "الإِنْسانُ العاري". لا يُفيدُ العُرْيُ في حَديثِ دوغان الدَّلالَةَ الفِكْرِيَّةَ التي يَقْصِدُها كْلود ليفي سْتْروس (Claude Lévi-Strauss) في كِتابِهِ الأَشْهَرِ الذي يَحْمِلُ عُنْوانًا مُماثِلًا، إِذْ إِنَّ "العُرْيَ" عِنْدَ العالِمِ الأَنْثْروبولوجيِّ والفَيْلَسوفِ الفَرَنْسيِّ يُفيدُ وُجودَ الإِنْسانِ في حَالِ "الطَّبيعَة"، مِنْ دونِ مُضافٍ ثَقَافِيٍّ - اجْتِماعِيٍّ في حينِ أَنَّ "العُرْيَ" عِنْدَ دوغان يُفيدُ صورَةَ الإِنْسانِ الذي لا يَمْتَلِكُ أَسْرارًا أَوْ، بِالأَحْرى، لا يَمْلِكُ أَنْ يَصونَ حَياتَهُ الخاصَّةَ بَعيدًا عَنْ أَعْيُنِ المُتَلَصِّصِين. وَهَذِهِ الحالُ الأَخيرَةُ هِيَ حالُ الإِنْسانِ في زَمَنِ الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّة. لا يَخْفى على الشَّبَكَةِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ مُسْتَعْمِلِها، يَسْتَوي في ذَلِكَ ما تَعَلَّقَ بِحَياتِهِ العامَّة، وَما كانَ مُتَّصِلًا بِحَياتِهِ الخاصَّة، تِلكَ الحَياةُ التي يَحْرِصُ أَغْلَبُ النّاسِ على إِحاطَتِها بِالكِتْمانِ فَهُمْ يَبْتَعِدونَ فيها عَنِ الأَعْيُن.
يَصِحُّ الحَديثُ في هَذا المَعْنى عَنْ عُبودِيَّةٍ يَرْزَحُ الإِنْسانُ تَحْتَها، ما دامَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ مُنْكَشِفًا وَفي وُسْعِ كُلِّ فُضولِيٍّ وَمُتَرَبِّصٍ أَنْ يَنْفَذَ إلى دَقائِقِ الحَياةِ الخاصَّة، وَبِالتّالِي فَإِنَّ الإِنْسانَ يَغْدو "عَارِيًا مِثْلَ الدّودَة" (كَما يَقولُ مَثَلٌ فَرَنْسِيٌّ سائِر).
عَلَيْنا جَميعًا، نَحْنُ مُسْتَعْمِلي الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّة، أَنْ نُسَلِّمَ بِأَنَّنا، شِئْنا أَمْ أَبَيْنا، أَشْباهٌ وَنَظائِرُ لِلسَّيِّد "ش" وَعُرْضَةٌ لِما تَعَرَّضَ لَهُ في سَفَرِه. وَقَدْ يَلزَمُ أَنْ نُضيفَ أَنَّ مالِكي الأَجْهِزَةِ الهاتِفية "الذَّكِيَّة" لَيْسوا بِدَوْرِهِمْ في مَنْجاةٍ مِنْ ذَلِك، وَتِلكَ حالُ الأَغْلَبِيَّةِ السّاحِقَةِ مِنْ بَني البَشَرِ اليَوْم.
غَدَونا في عبودية طوعية نُسلّم فيها أعناقنا للقوة الناعمة
هَل أَجِدُني في حاجَةٍ إلى القَوْلِ أَيْضًا بِأَنَّ "اسْتِشارَةَ العَم غوغِل" وَنُظَرائِهِ مِنْ مُحَرِّكاتِ البَحْثِ والإِبْحارِ في العالَمِ الِافْتِراضيِّ غَدَتْ مِنَ العاداتِ المُتَمَكِّنَةِ مِنّا فَنَحْنُ لا نَكادُ نَنْفَكُّ عَنْها. بَيْدَ أَنَّنا في الغالِبِ الأَعَمِّ نَغْفَلُ عَنْ حَقيقَةٍ بَسيطَةٍ وَهِيَ أَنَّنا في كُلِّ العَمَلِيَّاتِ التي نَقومُ بِها، سَواءٌ في البَحْثِ والإِبْحارِ وَفي التَّرَدُّد، بِالوُقوف، على مَواقِعَ مِنَ الشَّبَكَةِ نُنْبِئُ عَنْ جانِبٍ (أَوْ جَوانِبَ) مِنْ رَغَباتِنا وَمُيولِنا وَأَنَّنا، مِنْ حَيْثُ لا نَحْتَسِب، نُسَلِّمُ لِلجِهَةِ "الخَفِيَّةِ" مَعْلوماتٍ تُعَدُّ بِأَرْقامِ المَلايينِ مِنَ المَعْلوماتِ التي تَتَّصِلُ بِحَياتِنا الفِكْرِيَّةِ والرّوحِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ والسّيكولوجِيَّة، ثُمَّ إِنَّ "عَقْلًا جَبّارًا عِمْلاقًا" يَقومُ بِتَرْتيبِ تِلكَ المُعْطَياتِ والمَعْلومات.
نَقولُ في كَلِمَةٍ جامِعَةٍ لَقَدْ غَدَوْنا، نَحْنُ مُسْتَعْمِلي الشَّبَكَةِ والحَواسيبِ والهَواتِفِ الذَّكِيَّة، في حالٍ مِنَ العُبودِيَّةِ الطَّوْعِيَّةِ نُسَلِّمُ فيها أَعْناقَنا طَوْعًا واخْتِيارًا، لِلقُوَّةِ النّاعِمَة (soft power) تُخَطِّطُ لِحَرَكاتِنا وَسُكونِنا في غَفْلَةٍ عَنّا وَفي انْسِياقٍ وَراءَ خَدَرِ الشَّبَكَةِ وَسِحْرِها اللَّذيذ.
(خاص "عروبة 22")

