لَوْ نَذْكُر، فَإِنَّ إِدارَةَ بوشِ الابْنِ مَثَلًا كانَتْ تُسْرِفُ في اسْتِخْدامِ وَرَقَةِ حُقوقِ الإِنْسان، وَكانَتْ كونْدوليزا رايْس، وَزيرَةُ خارِجِيَّةِ بوشِ الابْن، تَحْمِلُ مَعَها هَذِهِ الوَرَقَةَ إلى كُلِّ عاصِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ تَزورُها، أَوْ إلى كُلِّ ضَيْفٍ عَرَبِيٍّ رَسْمِيٍّ يَكونُ قَدْ ذَهَبَ إلى واشِنْطُن.
حقوق الإنسان يجب ألا نأخذ منها حقًا ثم ندع بقيّة الحقوق
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّنا نَتَكَلَّمُ عَنْ "حُقوقِ" إِنْسان، لا عَنْ "حَقِّ" إِنْسان، أَيْ أَنَّ الكَلِمَةَ جَمْعٌ لا مُفْرَد، إِلّا أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ وَإِدارَةَ بوشِ الابْنِ بِالذّاتِ كانَتْ تَخْتَزِلُ حُقوقَ الإِنْسانِ كُلَّها في حَقٍّ واحِد، وَكَأَنَ هَذا الحَقُّ هُوَ الحُرِّياتُ السِّياسِيَّةُ على وَجْهِ التَّحْديد، وَكانَ ذَلِكَ مِنْ قَبيلِ المُناكَفَةِ مَعَ حُكوماتٍ كَثيرَةٍ في مِنْطَقَتِنا، لا عَنْ رَغْبَةٍ حَقيقِيَّةٍ أَوِ اهْتِمامٍ حَقيقِيٍّ بِقَضِيَّةِ حُقوقِ الإِنْسانِ كَقَضِيَّةٍ يَجِبُ أَلا تَتَجَزَّأ، وَأَلّا نَأْخُذَ مِنْها حَقًّا ثُمَّ نَدَعَ بَقِيَّةَ الحُقوقِ وَكَأَنَّها لا وُجودَ لَها.
وَمَعَ إِدارَةِ أُوباما، ثُمَّ ترامب في وِلايَتِهِ الأولى، ثُمَّ بايْدِن، تَراجَعَ الشَّغَفُ لَدى الإِداراتِ الثَّلاثِ بِالمِلَفِّ في مُجْمَلِه، وَلَمْ تَسْتَخْدِمْهُ أَيُّ إِدارَةٍ مِنْها إِلّا على سَبيلِ ذَرِّ الرَّمادِ في العُيون، وَإِذا اسْتَخْدَمَتْهُ أَيُّ إِدارَةٍ مِنْها فَإِنَّها كانَتْ تَسْتَخْدِمُهُ على اسْتِحْياء. فَلَمّا جاءَ الرَّئيسُ ترامب في وِلايَتِهِ الثّانِيَة، بَدا أَنَّ هَذِهِ الوَرَقَةَ لَيْسَتْ في جَيْبِهِ وَلا على مائِدَتِه، وَأَنَّهُ بِحُكْمِ خَلْفِيَّتِهِ مُطَوِّرًا عَقارِيًّا مُهْتَمٌّ بِأَشْياءَ أُخْرى، وَأَنَّهُ لا يَعْنيهِ أَنْ تَكونَ حُقوقُ الإِنْسانِ حاضِرَةً في أَيِّ عاصِمَةٍ مِنْ عَواصِمِنا، لا بِمَعْنى الجَمْعِ فيها، وَلا حَتّى بِمَعْناها المُخْتَزَلِ أَوِ المُجْتَزَأ الذي دَأَبَتِ الإِداراتُ السّابِقَةُ على حَصْرِها فيه.
وَصِرْنا نُطالِعُ كُلَّ يَوْمٍ ما يُفيدُ بِتَراجُعِ الاهْتِمامِ بِمِلَفِّ حُقوقِ الإِنْسانِ في العالَم، وَلَيْسَ على مُسْتَوى المِنْطَقَةِ عِنْدَنا في حُدودِها، وَقيلَ كَلامٌ إِنَّ القُوى الثَّلاثَ الكُبْرى مِنْ أَوَّلِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَمُرورًا بِالصّين، وانْتِهاءً بِروسْيا، لا تَضَعُ القَضِيَّةَ بَيْنَ أَوْلَوِيّاتِها في حَرَكَتِها على الخَريطَةِ بِاتِّساعِ العالَم.
الحريات السياسية في مجتمع غير مُتعلّم أقرب إلى الفوضى
اللّافِتُ أَنَّ العَواصِمَ العَرَبِيَّةَ التي كانَتْ تُواجِهُ ضُغوطًا شَديدَةً مِنْ جانِبِ إِدارَةِ بوشِ الابْنِ على سَبيلِ المِثال، لَمْ تَكُنْ تُحاوِلُ إِفْهامَ إِدارَتِهِ أَنَّ القَضِيَّةَ أَكْبَرُ مِنَ الحُرِّياتِ السِّياسِيَّة، وَأَنَّ الحُرِّياتِ السِّياسِيَّةَ إِذا كانَتْ مُهِمَّةً كَحَقٍّ بَيْنَ الحُقوق، فَهُناكَ ما هُوَ أَهَمُّ مِنْها وَيَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَقَدَّمَها. لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ "تَفْتَحَ على نَفْسِها فَتْحَة" كَما يُقال. كانَتْ تَخْشى إِذا قالَتْ بِذَلِكَ أَنْ تُواجِهَ سُؤالًا عَمّا فَعَلَتْهُ في بَقِيَّةِ الحُقوقِ التي تَراها مُتَقَدِّمَةً على الحُرِّياتِ السِّياسِيَّة، وَفي المُقَدِّمَةِ مِنها الحَقُّ في التَّعْليم، والحَقُّ في الرِّعايَةِ الصِّحِّيَّة، والحَقُّ في السَّكَنِ الآدَمِيّ.
كانَتِ الحُكوماتُ العَرَبِيَّةُ وَقْتَها تَخْشى أَنْ "تَفْتَحَ على نَفْسِها فَتْحَةً" داخِلِيَّةً أَيْضًا لا خارِجِيَّةً فَقَط، لِأَنَّها كانَتْ تَعْرِفُ أَنَّها لَوْ قالَتْ بِذَلِكَ على سَبيلِ مُواجَهَةِ ضُغوطِ إِدارَةِ بوشِ الابْنِ وَغَيْرِها، فَسَوْفَ تَجِدُ نَفْسَها في مُواجَهَةٍ داخِليةٍ تَسْأَلُها عَما قَدَّمَتْهُ في الصِّحَّة، وَفي التَّعْليم، وَفي السَّكَنِ الآدَمِيّ، ما دامَتْ تَراها مُتَقَدِّمَةً على ما سِواها.
الآنَ، والَى ثَلاثِ سَنَواتٍ مُقْبِلَةٍ هِيَ سَنَواتُ ترامب المُتَبَقِّيَةُ في البَيْتِ الأَبْيَض، سَوْفَ يَكونُ على كُلِّ حُكومَةٍ عَرَبِيَّةٍ مَعْنِيَّةٍ بِالقَضِيَّةِ أَنْ تُدَبِّرَ أَمْرَها، وانْ تَتَصَرَّفَ بِلِسانِ حَالٍ يَقول: بِيَدي... لا بِيَدِ بوشِ الابْن، وَلا بِيَدِ ترامب، وَلا بِيَدِ سِواهُما مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَجيءَ بَعْدَ الرَّئيسِ ترامب.
سَوْفَ يَكونُ على حُكوماتِ العَرَبِ أَنْ تَأْخُذَ عِبارَةَ حُقوقِ الإِنْسانِ على أَنَّها جَمْعٌ كَما نَتَداوَلُها في العادَة، لا على أَنَّها مُفْرَدٌ يَتَّصِلُ بِحَقٍّ بِعَيْنِهِ مِنْ دونِ بَقِيَّةِ الحُقوق، وَسَوْفَ يَكونُ على حُكوماتِ المِنْطَقَةِ التي رَأَتْ تِلْكَ الضُّغوطَ الأَميرْكِيَّةَ في وَقْتِها أَنْ تَجْعَلَ الأَمْرَ في يَدِها هِي، وَأَنْ تُرَتِّبَ هَذِهِ الحُقوقَ كَما يَقولُ المَنْطِقُ السَّليمُ في قائِمَةِ الأَوْلَوِيّات، وَأَنْ تَبْدَأَ بِالتَّعْليمِ في كُلِّ الأَحْوال، لِأَنَّ الحُرِّياتِ السِّياسِيَّةَ في مُجْتَمَعٍ غَيْرِ مُتَعَلِّمٍ هِيَ أَقْرَبُ إلى الفَوْضى مِنْها إلى المُـمارَسَةِ السِّياسِيَّةِ المَسْؤولَة.
لا يمكن أن يُعاد البناء إلا إذا كان مسبوقًا بالمُصارحة مع النفس
وَلَيْسَ سِرًّا أَنَّ ما يُسَمّى بِالرَّبيعِ العَرَبِيِّ يَظَلُّ تَجَلّيًا مِنْ تَجَلّياتِ اخْتِزالِ حُقوقِ الإِنْسانِ في حَقٍّ بِعَيْنِه، أَوْ في الحُرِّياتِ السِّياسِيَّةِ وَحْدَها، وَلا هُوَ مِنْ قَبيلِ السِّرِّ أَيْضًا أَنَّ إِدارَةَ أوباما راحَتْ تَضْغَطُ على الحُكوماتِ التي مَرَّ فيها قِطارُ "الرَّبيع". كانَتْ تَدْعوها إلى تَرْكِ النّاسِ يُعَبِّرونَ عَمّا يُريدونَهُ في الشَّوارِعِ والمَيادين. وَلَكِنْ لِأَنَّ حُقوقَ الإِنْسانِ تُؤْخَذُ كُلُّها أَوْ تُتْرَكُ كُلُّها، فاخْتِزالُها في مَسيراتٍ وَتَظاهُراتِ الشَّوارِعِ فَقَط، انْتَهى إلى ما نَجِدُهُ أَمامَنا في المَشْهَدِ العام، وَلا يَكادُ يَخْتَلِفُ مِنْ عاصِمَةٍ إلى عاصِمَة.
كانَ غورْباتْشوف في الاتِّحادِ السّوفْياتِيِّ قَدْ راحَ يَتَبَنّى مُصْطَلَحَيْنِ في إِصْلاحِ حالِ البِلاد. أَمّا الأَوَّلُ فَكانَ "البيريسْتْرويْكا" وَيَعْني إِعادَةَ البِناء، وأَمّا الثّاني فَكانَ "الغْلاسْنوسْت" وَيَعْني المُصارَحَة، وَلَسْنا في عالَمِنا العَرَبِيِّ في حاجَةٍ إلى شَيْءٍ قَدْرَ حاجَتِنا إلى المَعْنَيَيْنِ مَعًا. فالمُصْطَلَحانِ يَرْتَبِطانِ بِبَعْضِهِما ارْتِباطَ النَّتيجَةِ بِمُقَدِّمَتِها، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يُعادَ البِناءُ إِلّا إِذا كانَ مَسْبوقًا بِدَرَجَةٍ مِنَ المُصارَحَةِ مَعَ النَّفْسِ على مُسْتَوى حُكوماتِ العَرَب، ثُمَّ مَعَ الطَّرَفِ الآخَرِ على مُسْتَوى عِلاقَةِ هَذِهِ الحُكوماتِ بِشُعوبِها، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّعْليمُ هُوَ خُطْوَةُ البِدايَةِ التي يَجوزُ أَنْ تَتَوازى مَعَها بَقِيَّةُ الخُطُوات، وَلَكِنَّها لا تَسْبِقُها وَلا تَتَقَدَّمُ عَلَيْها.
(خاص "عروبة 22")

