الأمن الغذائي والمائي

اسْتِعْجالِيَّةُ "الابْتِكارِ المائي"!

بَدَأَتِ الشُّكوكُ تَتَضَخَّم، في سِياقِ الضُّغوطِ المُناخِيَّةِ والطّاقِيَّة، حَوْلَ النَّجاعَةِ المُسْتَدامَةِ لِتِقْنِيّاتِ تَحْلِيَّةِ مِياهِ البِحارِ وَما تَعَلَّقَ بِالحُلولِ التَّقْليدِيَّةِ لِما يُطْلَقُ عَلَيْهِ "الابْتِكارُ المائي". لَيْسَ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّكوكَ ناتِجَةٌ عَنْ واقِعِ ارْتِفاعِ التَّكْلُفَةِ الطّاقِيَّةِ العالِيَةِ نَظَرًا لِاسْتِهْلاكِها كَمِّيّاتٍ كَبيرَةً مِنَ الطّاقَةِ لِإِنْتاجِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ الماء، وَلَكِنْ لِارْتِباطِها بِمُؤَشِّراتٍ بيئِيَّةٍ تَراكُمِيَّةٍ ظَهَرَ مِنْ خِلالِها أَنَّ خَطَرًا قادِمًا يَتَهَدَّدُ البيئَةَ وَقيمَةَ الماءِ نَفْسِه.

اسْتِعْجالِيَّةُ

لوحِظَ عِلْمِيًّا،  أَنَّ تَراكُمَ التَّحْلِيَّةِ يَحْمِلُ ضَرَرًا بيئِيًّا بَليغًا سَيَنْفَجِرُ في الزَّمَنِ القَريبِ نَظَرًا لِلتَّشْغيلِ المُسْتَمِرِّ لِمَحَطّاتِ التَّحْلِيَّةِ التي يُعادُ فيها تَدْويرُ المِياهِ الشَّديدَةِ المُلوحَةِ إلى البَحْر، وَهَذا يَزيدُ في تَرْكيزِ المُلوحَةِ مَحَلِّيًّا مِمّا يَتَسَبَّبُ في الإِضْرارِ بِالنُّظُمِ البيئِيَّةِ السّاحِلِيَّةِ واخْتِلالِ التَّوازُناتِ الطَّبِيعِيَّة، مُمَثَّلَةً في تَدْميرِ التَّنَوُّعِ البِيولوجيِّ والإِجْهازِ على الأَعْشابِ القاعِدِيَّةِ لِلبِحار، فَضْلًا عَنْ تَخْريبِ النِّظامِ المُناخيِّ المَحَلّيِّ والقَارِّي.

لترسيخ منظومة معرفية قومية عربية مُؤهّلة للتجاوب مع ضغوط السياقات المناخية والاجتماعية والاقتصادية

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الأَسْئِلَةَ بِتَشَعُّباتِها تَظَلُّ حاضِرَةً في الكَثيرِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ التي تَعْتَمِدُ على التَّحْلِيَّة، فَإِنَّ جُهودَها في وَضْعِ خَرائِطَ اسْتْراتيجِيَّةٍ بَديلَةٍ واسْتِباقِيَّةٍ تَظَلُّ مُحْتَشِمَةً، إِنْ لَمْ تَكُنْ نَظَرِيَّةً وَمِنْ قَبِيلِ النَّوايا التي لا تَحْكُمُها إِرادَةٌ سِياسِيَّةٌ جَدِّيَّةٌ. لَقَدْ ظَلَّ هَمُّ الدَّوْلَةِ العَرَبِيَّةِ في التَّعاطي مَعَ هَذِهِ الإِشْكالِيَّةِ مُنْحَصِرًا في الحَلِّ الفَوْريِّ لِأَزْمَةِ المِياهِ مِنْ دونِ احْتِسابِ الآثارِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ المُكَلِّفَةِ بيئِيًّا واقْتِصادِيًّا وَسِياسِيًّا واجْتِماعِيًّا.

إِنَّ الهَدَفَ اللَّحْظِيَّ المُتَمَثِّلَ في تَأْمِينِ كَمِّياتٍ فَوْرِيَّةٍ مِنَ المِياهِ هُوَ السَّعْيُ إلى الالتِفافِ على ضُغوطِ النُّدْرَةِ بِأَيٍّ مِنَ الطُّرُقِ التِّقْنِيَّةِ المُمْكِنَةِ مَهْما كانَتْ تَكْلُفَتُها مُرْتَفِعَةً، وَفي ذَلِكَ خَلْفِيَّةٌ أَمْنِيَّةٌ يَعوزُها فِكْرٌ اسْتِباقِيٌّ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ شُمولِيَّةٍ إلى مَصْلَحَةِ الأَجْيالِ القادِمَة. بِذَلِكَ، تَتَحَوَّلُ الحُلولُ اللَّحْظِيَّةُ إلى مُجَرَّدِ اسْتيرادٍ تِكْنولوجِيٍّ يُرَسِّخُ التَّبَعِيَّةَ العَرَبِيَّةَ إلى الرَّأْسِمالِ اللّيبيرالِيِّ المُتَوَحِّش. وَكانَ حَرِيًّا لِمُعالَجَةِ هَذِهِ الآفَةِ البُنْيَوِيَّة، بِأَنْ تُرَكِّزَ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ على الابْتِكارِ مِنْ خِلالِ تَرْسيخِ مَنْظومَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ قَوْمِيَّةٍ مُؤَهَّلَةٍ لِلتَّجاوُبِ مَعَ ضُغوطِ السِّياقاتِ المُناخِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّة. وَيَظْهَرُ هَذا القُصورُ الرُّؤْيَوِيُّ في ضَعْفِ مَنْظوماتِ البَحْثِ والابْتِكارِ في الجامِعاتِ العَرَبِيَّةِ والمَراكِزِ البَحْثِيَّة، إِذْ نُلاحِظُ انْفِصالًا واضِحًا بَيْنَ فِكْرَةِ الابْتِكارِ كَمَشْروعٍ مُجْتَمَعِيٍّ طَويلِ الأَمَد، وَبَيْنَ فِكْرَةِ الابْتِكارِ كَتِقْنِيَّةٍ لا تَتَعَدّى سَقْفَ الجَلْبِ والاسْتيراد.

التحديث بما يتلاءم مع تقنيات التخزين المتطوِرة وسياسة السدود اللامركزية بأحجام صغيرة سيُمكّن من تجاوز هدر المياه

وَإِذا أَشَرْنا إلى ضَعْفِ الخَرائِطِ الاسْتْراتيجِيَّةِ في ابْتِكارِ الماءِ في البِلادِ العَرَبِيَّة، بِتَرْكيزِها على التَّحْلِيَّة، فَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الخَرائِطَ لا تَقومُ على تَنْويعِ إِبْداعِ الحُلولِ ضِمْنَ مَنْظورٍ شُمولِيٍّ، يَجْعَلُ مِنَ السِّياسَةِ المائِيَّةِ هَدَفًا عَقْلانِيًّا يَرْتَبِطُ بِأُفُقٍ تَنْمَوِيٍّ وَأَمْنِيٍّ يُعيدُ تَمَوْقُعَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ جِيوسِياسِيًّا وَحَضَارِيًّا. وَقْتَها لا يَكونُ ابْتِكارُ الماءِ مُجَرَّدَ تَحَدٍّ تِقْنِيٍّ أَوْ بيئِيٍّ فَقَط، وَإنَّما يَتَحَوَّلُ إلى قُوَّةٍ ناعِمَةٍ تُمَكِّنُ العَرَبَ مِنَ الاسْتِقْلالِ الاسْتْراتيجيِّ واكْتِسابِهِمْ لِمَواقِعَ تَفاوُضِيَّةٍ عالَمِيَّةٍ في نِطاقِ الطّاقَةِ والمُناخِ والِاقْتِصاد.

يُمْكِنُ حَصْرُ أَهَمِّ البَدائِلِ الابْتِكارِيَّة، عِلْمِيًّا وَتِقْنِيًّا، فيما يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَصادُ مِياهِ الأَمْطارِ والسُّيول. وَلَئِنْ كانَ هَذا البَديلُ تَقْليدِيًّا بِارْتِباطِهِ بِتِقْنِيّاتٍ مُجَرَّبَةٍ اجْتِماعِيًّا مِثْلَ المَطْفِيّاتِ، والخَطّارات، والجبّابات، وَغَيْرِها، فَإِنَّ تَحْديثَها بِما يَتَلاءَمُ مَعَ تِقْنِيّاتِ التَّخْزينِ المُتَطَوِّرَةِ وَسِياسَةِ السُّدودِ اللّامَرْكَزِيَّةِ بِأَحْجامٍ صَغيرَةٍ، سَيُمَكِّنُ مِنْ تَجاوُزِ هَدْرِ المِياهِ وَبُلوغِ إِنْتاجٍ مائِيٍّ وافِرٍ لا مُمَرْكِزٍ، وَذَلِكَ بِأَقَلِّ تَكْلُفَة.

كَما أَنَّ مُعالَجَةَ المِياهِ العادِمَةِ وَإِعادَةَ تَدْويرِها وَفْقًا لِشُروطٍ صارِمَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْها صِحِّيًّا، خَاصَّةً في الزِّراعَةِ والمِساحاتِ الخَضْراءِ والصِّناعَة، سَيُمَكِّنُ مِنْ ابْتِكارٍ مائِيٍّ مُوَسَّعٍ. كَما أَنَّ تَدْبيرَ المِياهِ المُهْدَرَةِ في الزِّراعَةِ بِاعْتِمادِ الرَّيِّ بِتِقْنِيّاتِ التَّنْقيطِ والتَّعْبِئَةِ لِحَفْزِ سُلوكِ الحِفاظِ على الماء، فُرْصَةٌ نَوْعِيَّةٌ لِهَذا الِابْتِكارِ الذي قَدْ يَتَقَوّى عَمَلِيًّا بِإِجْراءِ التَّغْذِيَةِ التِّقْنِيَّةِ لِلفَرْشاتِ المائِيَّةِ عَبْرَ صَرْفِ مِياهِ السُّيولِ إلى الأَحْواضِ الجَوْفية، بَدَلَ تَرْكِها عُرْضَةً لِلتَّبْذيرِ والتَّلَوُّث.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن