اقتصاد ومال

.. وَهَل تَحَسَّنَ الإِنْفاقُ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ في مِصْرَ بَعْدَ زِيادَةِ الضَّرائِب؟

فاجَأَنا د. زِياد بَهاءِ الدّينِ وَهُوَ خَبيرٌ قانونِيٌّ واقْتِصادِيٌّ وَمَسْؤولٌ سابِقٌ وَنَجْلُ أَحَدِ أَعْلامِ الصَّحافَةِ في القَرْنِ الماضي، بِمُطالَبَتِهِ لِلشَّعْبِ بِالتَّرْحيبِ بِزِيادَةِ الضَّرائِب، بِاعْتِبارِ أَنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ تَعْني زِيادَةَ الإِنْفاقِ على الصِّحَّةِ والتَّعْليم. والحَقيقَةُ أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ زِيادَةِ الضَّرائِب، وَزِيادَةِ الإِنْفاقِ على الصِّحَّةِ والتَّعْليم، هُوَ رَبْطٌ لا عَلاقَةَ لَهُ بِالواقِعِ المُعاش، فَقَدِ ارْتَفَعَتِ الضَّرائِبُ بِصورَةٍ هائِلَةٍ خِلالَ الـ 11 عامًا الأَخيرَة، وَرافَقَها تَراجُعٌ غَيْرُ مَسْبوقٍ في الإِنْفاقِ العامِّ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ كَنِسْبَةٍ مِنَ الناتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ! كَما أَنَّ الضَّرائِبَ غَيْرَ المُباشِرَةِ التي تَتَحَمَّلُها الطَّبَقَةُ الوُسْطى والفُقَراءُ بِالأَساس، هِيَ التي زادَتْ. أَمّا الضَّرائِبُ على دَخْلِ الطَّبَقَةِ العُلْيا فَعلى الرَّغْمِ مِنْ رَفْعِ مُعَدَّلِها، إِلّا أَنَّهُ دونَ المُسْتَوَياتِ العالَمِيَّةِ المُناظِرَة، وَدونَ المُسْتَوَياتِ في الكَثيرِ مِنَ البُلدانِ العَرَبِيَّة. وَلا يَجوزُ والحالُ هَكَذا أَنْ يَتِمَّ تَزْيينُ زِيادَةِ الضَّرائِبِ بِأَمَلٍ غَيْرِ واقِعِيٍّ حَوْلَ تَحَوُّلِ حَصيلَةِ الضَّرائِبِ لِتَمْويلِ زِيادَةِ الإِنْفاقِ العامِّ على الصِّحَّةِ والتَّعْليم.

.. وَهَل تَحَسَّنَ الإِنْفاقُ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ في مِصْرَ بَعْدَ زِيادَةِ الضَّرائِب؟

تُشيرُ البَياناتُ الرَّسْمِيَّةُ التي تَضَمَّنَها مَشْروعُ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ لِلعامِ 2025/2026، إلى أَنَّ حَصيلَةَ الضَّرائِبِ المُتَوَقَّعَةَ تَبْلُغُ 2655 مِلْيارَ جُنَيْه، بِما يُعادِلُ 13% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ المُتَوَقَّعِ لِلسَّنَةِ المالِيَّةِ نَفْسِها. وَهَذِهِ الحَصيلَةُ الضَّريبِيَّةُ المُتَوَقَّعَةُ تَبْلُغُ نَحْوَ 85,1% مِنْ إِجْمالِيِّ الإيراداتِ العامَّةِ البالِغَةِ 3119 مِلْيارَ جُنَيْه. وَتُمَوِّلُ الإيراداتُ الضَّريبِيَّةُ المُتَوَقَّعَةُ نَحْوَ 58,1% مِنْ إِجْمالِيِّ النَّفَقاتِ العامَّة. وَفي الوَقْتِ نَفْسِهِ بَلَغَتْ قيمَةُ مُخَصَّصاتِ التَّعْليمِ في المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ في العامِ المَذْكورِ نَحْوَ 316 مِلْيارَ جُنَيْهٍ تُعادِلُ 1,6% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، وَبَلَغَتْ مُخَصَّصاتُ الصِّحَّةِ نَحْوَ 246 مِلْيارَ جُنَيْهٍ تُعادِلُ نَحْوَ 1,2% مِنْ ذَلِكَ النّاتِج. وَكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّسْبَتَيْنِ تُعَدُّ مِنَ الأَدْنى إِنْ لَمْ تَكُنِ الأَدْنى في تاريخِ الإِنْفاقِ العامِّ على الصِّحَّةِ والتَّعْليم.

هَذِهِ البَياناتُ تَعْني حُدوثَ زِياداتٍ هائِلَةٍ في حَصيلَةِ الضَّرائِبِ وَفي نِسْبَتِها مِنَ الإِيراداتِ العامَّة، وَفي نِسْبَتِها مِنْ تَمْويلِ النَّفَقاتِ العامَّة، فَضْلًا عَنْ زِيادَةِ نِسْبَتِها مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ مَحْدود، مَعَ اقْتِرانِ ذَلِكَ بِتَدَنّي الإِنْفاقِ الْعامِّ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ لِمُسْتَوَياتٍ غَيْرِ مَسْبوقَة!.

زيادة الضرائب لا علاقة لها بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم في السلوك الحكوميّ في مصر

وَيُمْكِنُ إِدْراكُ حَجْمِ الزِّياداتِ في الحَصيلَةِ الضَّريبِيَّة، وَتَدَنّي الإِنْفاقِ على الصِّحَّةِ والتَّعْليم، إِذا قارَنّا الوَضْعَ في مُوازَنَةِ عامِ 2025/2026، مَعَ الوَضْعِ في ميزانِيَّةِ عامِ 2014/2015، حينَ كانَتْ حَصيلَةُ الضَّرائِبِ 306 مِلْياراتِ جُنَيْهٍ، أَيْ مُجَرَّدَ 11,5% مِنْ حَصيلَتِها المُتَوَقَّعَةِ عامَ 2025/2026. وَكانَتْ حَصيلَةُ الضَّرائِبِ في عامِ 2014/2015 تُشَكِّلُ 65,8% مِنْ إِجْمالِيِّ إيراداتِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ في ذَلِكَ العام. وَكانَتْ تُمَوِّلُ نَحْوَ 41,8% مِنْ إِجْمالِيِّ الإِنْفاقِ العامّ. وَكانَ الإِنْفاقُ على التَّعْليمِ فيها يُعادِلُ 3,8% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، كَما كانَ الإِنْفاقُ العامُّ على الصِّحَّةِ يُعادِلُ 1,53% مِنْهُ في العامِ المَذْكور.

وَهَذا يَعْني أَنَّ زِيادَةَ الضَّرائِب، لا عَلاقَةَ لَها بِزِيادَةِ الإِنْفاقِ على الصِّحَّةِ والتَّعْليمِ في السُّلوكِ الحُكُومِيِّ في مِصْر، بِما يَعْني أَنَّ الوَعْدَ الَّذِي يَرْبِطُ زِيادَةَ الضَّرائِبِ بِزِيادَةِ الإِنْفاقِ على الصِّحَّةِ والتَّعْلِيم، مُنْبَتُّ الصِّلَةِ بِالْواقِعِ الفِعْلِيِّ لِسُلوكِ الحُكوماتِ المُتَعاقِبَةِ في هَذا الصَّدَد.

الضرائب "العمياء" مرفوضة والمطلوب ضرائب مباشرة على الأثرياء وعلى النشاط الاقتصادي المدنيّ لشركات أجهزة الدولة

تَنْقَسِمُ الضَّرائِبُ إلى ضَرائِبَ مُباشِرَة، وَضَرائِبَ غَيْرِ مُباشِرَة. والأولى أَيِ الضَّرائِبُ المُباشِرَةُ هِيَ ضَرائِبُ تُفْرَضُ على فِئاتٍ مُحَدَّدَةٍ بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ بِناءً على حَجْمِ الدَّخْلِ المُتَحَقِّقِ لَها، أَوِ المَقْدِرَةِ التَّكْليفِيَّةِ لِلمُمَوِّلينَ في تِلْكَ الفِئَات. أَمّا الضَّرائِبُ غَيْرُ المُباشِرَةِ فَهِيَ ضَرائِبُ "عَمْياءُ" يَتِمُّ فَرْضُها على سِلعَةٍ أَوْ خِدْمَة، وَيَتَحَمَّلُها كُلُّ مَنْ يَسْتَهْلِكُ تِلْكَ السِّلعَةَ أَوِ الخِدْمَةَ مِنْ دونِ تَمْييز. وَكَقاعِدَةٍ عامَّةٍ فَإِنَّهُ كُلَّما رَكَّزَ النِّظامُ الضَّريبِيُّ على الضَّرائِبِ المُباشِرَةِ وَبِشَرائِحَ مُتَعَدِّدَةٍ وَتَصاعُدِيَّةٍ بِالتَّوازي مَعَ ارْتِفاعِ الدَّخْل، فَإِنَّهُ تَكونُ لَدَيْهِ الأَدَواتُ لِتَحْقيقِ العَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ إِذا أَراد. أَمّا إِذا رَكَّزَ على الضَّرائِبِ غَيْرِ المُباشِرَة، فَإِنَّهُ يَبْتَعِدُ عَنْ اعْتِباراتِ العَدالَةِ وَيَكونُ مُتَحَيِّزًا لِلشَّرائِحِ العُلْيا مِنَ الدَّخْل.

وَمَنْ يَقْتَرِحُ زِيادَةَ الضَّرائِبِ لا بُدَّ أَنْ يُحَدِّدَ بِالضَّبْطِ ما هِيَ الضَّرائِبُ التي يَنْصَحُ بِزِيادَتِها، وَأَنْ يَقْتَرِحَ أَيْضًا الأَوْعِيَةَ غَيْرَ الخاضِعَةِ لِلضَّريبَةِ التي يَرى ضَرورَةَ خُضُوعِها لَها، مِثْلَ المَكاسِبِ الرَّأْسِمالِيَّة، والنَّشاطِ الاقْتِصادِيِّ المَدَنِيِّ لِشَرِكاتِ جِهازِ الخِدْمَةِ الوَطَنِيَّةِ وَكُلِّ شَرِكاتِ الأَجْهِزَةِ السِّيادِيَّة. وَيَبْلُغُ مُعَدَّلُ ضَريبَةِ الدَّخْلِ على الشَّريحَةِ العُلْيا مِنَ الدَّخْلِ في مِصْرَ 27,5% لِمَنْ يَبْلُغُ دَخْلُهُ 1,2 مِلْيونَ جُنَيْه (25 أَلْفَ دولارٍ تَقْريبًا) إلى ما شاءَ الله. وَيَتَساوى في هَذا المُعَدَّلِ مَنْ يَقْتَصِرُ دَخْلُهُمْ على الرَّقْمِ المَذْكورِ المَحْدودِ في قُدْرَتِهِ الشِّرائِيَّةِ حالِيًّا، وَمَنْ يَبْلُغُ دَخْلُهُمْ عَشَراتِ أَوْ مِئاتِ المَلايينِ مِنَ الدّولارات، وَهِيَ شَريحَةٌ واسِعَةٌ بِشَكْلٍ غَيْرِ عادِلٍ، عِلْمًا أَنَّ الشَّريحَةَ العُلْيا لِضَريبَةِ الدَّخْلِ في أَعْتى الدُّوَلِ الرَّأْسِمالِيَّةِ بَلَغَتْ نَحْوَ 56% في اليابانِ والدَّنْمارْك، وَنَحْوَ 37% في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَنَحْوَ 45% في بَريطانْيا. كَما بَلَغَتْ نَحْوَ 40%، وَ37%، وَ35% في كُلٍّ مِن تونُسَ والمَغْرِبِ والجَزائِرِ بِالتَّرْتيب.

من المفترض أن لا تصب حصيلة الضرائب في صناديق خاصة أو أجهزة سيادية لها موازنة منفصلة عن الموازنة العامة للدولة

وَيُشَكِّلُ النِّظامُ الضَّريبِيُّ آَلِيَّةً رَئيسِيَّةً لِتَمْويلِ الإِنْفاقِ العامِّ لِلدَّوْلَة. كَما أَنَّهُ أَحَدُ أَهَمِّ آلِيّاتِ تَحْقيقِ العَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَإِعادَةِ تَوْزيعِ الدَّخْلِ وَتَحْسينِه. لِذا فَإِنَّ قانونَ الضَّرائِبِ في أَيِّ دَوْلَةٍ يُعَدُّ مُؤَشِّرًا على طَبيعَةِ الانْحِيازاتِ الاجْتِماعِيَّةِ لِلنِّظامِ الاقْتِصادِيِّ - الاجْتِماعِيّ. وَمِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ تَصُبَّ حَصيلَةُ الضَّرائِبِ والرُّسومِ والغَراماتِ والإِتاواتِ وَأَيُّ مُتَحَصِّلاتٍ بِحُكْمِ السِّيادَة، في الخِزانَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ مُمَثَّلَةً بِوِزارَةِ المالِيَّة، وَلَيْسَ في أَيِّ صَناديقَ خاصَّةٍ أَوْ أَجْهِزَةٍ سِيادِيَّةٍ لَها مُوازَنَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ وَلا تَصُبُّ فيها.

وَمِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يُراعِيَ قانونُ الضَّرائِب، إِعْفاءَ الفُقَراءِ وَمَحْدودي الدَّخْلِ مِنْ أَداءِ الضَّريبَةِ على الدَّخْل، وَإِعْفاءً لِلمَشْروعاتِ التَّعاوُنِيَّةِ والصَّغيرَةِ وَمُتَناهِيَةِ الصِّغَرِ مِنَ الضَّرائِبِ والرُّسوم، إلى حَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الدَّخْلِ والأَرْباح. وَبَعْدَ أَنْ تَخْرُجَ تِلْكَ المَشْروعاتُ مِنْ نِطاقِ المَشْروعاتِ الصَّغيرَة، تُفْرَضُ عَلَيْها ضَرائِبُ تَصاعُدِيَّةٌ تِبْعًا لِحَجْمِ الدَّخْل. كَما أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكونَ عادِلاً بِخُضوعِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلونَ في النَّشاطِ الاقْتِصادِيِّ المَدَنِيِّ بِما في ذلك شَرِكاتُ جِهازِ الخِدْمَةِ الوَطَنِيَّةِ لِلضَرائِب. كَما أَنَّ الضَّرائِبَ العَقارِيَّةَ وَضَريبَةَ التَّصَرُّفاتِ العَقارِيَّةِ يَجِبُ أَنْ تُطَبَّقَ على الشَّرِكاتِ العامِلَةِ في هَذا النَّشاطِ سَواءٌ كانَتْ مَدَنِيَّةً أَوْ مَمْلوكَةً لِلأَجْهِزَةِ السِّيادِيَّة، بَدَلًا مِنْ قَصْرِ تَطْبيقِها على الأَفْرادِ بِصورَةٍ ظالِمَةٍ وَقاهِرَةٍ لِلطَبَقَةِ الوُسْطى.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن