صحافة

هل بدأ نتنياهو رسم خريطة المنطقة؟

عماد الدين حسين

المشاركة
هل بدأ نتنياهو رسم خريطة المنطقة؟

هل بدأ بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي وبمساعدة أمريكية مكشوفة في رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط على الأرض؟ في مساء يوم الجمعة الموافق 27 سبتمبر 2024 قال نتنياهو: "اليوم بدأنا في رسم خريطة الشرق الأوسط". هذا التاريخ له دلالة مهمة جدًا، لأنه اليوم الذي صادف نجاح إسرائيل في اغتيال زعيم "حزب الله" حسن نصر الله ومعه كبار قادة الحزب بقصف مقر اجتماع سري تحت الأرض في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت. قبل اغتيال نصر الله وبعده تمكنت إسرائيل من اغتيال كبار قادة حركة "حماس" و"حزب الله" مثل إسماعيل هنية في طهران ثم يحيى ومحمد السنوار ومحمد الضيف.

بعد كل ما سبق نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: هل نجحت فعلًا إسرائيل في رسم خريطة المنطقة الجديدة؟ للأسف الشديد الوقائع على الأرض تقول إن هناك مؤشرات تشير إلى نجاح إسرائيلي مبدئىي في مخططها، لكن ذلك لا يعني إطلاقًا أن المخطط النهائي الإسرائيلي قد تحقق فعليًا وبصورة كاملة ونهائية. مرة أخرى لا أحب أن أصدر أحكامًا نهائية في أوضاع ما تزال تشهد سيولة حقيقية، وأكرر دائمًا أن التقييم الفعلي للمعارك والحروب والصراعات يكون بنتائجها السياسية على الأرض، وليس فقط بعدد الضحايا والبيوت المهدمة.

حتى هذه اللحظة ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023 بعد ساعات من عملية "طوفان الأقصى"، التي نفذتها المقاومة الفلسطينية باقتحام مستوطنات غلاف غزة وأسر نحو 250 إسرائيليًا ما بين جندي ومستوطن فإن الوقائع الملموسة وليس الشعارات تقول الآتي: إسرائيل تحتل 58% من قطاع غزة احتلالًا كاملًا بعد أن كانت تحاصره فقط من ثلاث جهات، وتمكنت من قتل نحو 713955 شهيدًا و171287 مصابًا حتى يوم الخميس الماضى، منهم 425 شهيدًا و1206 مصابين منذ التوصل إلى اتفاق وقف النار في شرم الشيخ في 12 أكتوبرالماضي إضافة إلى تدمير أكثر من 75% من مبانٍ ومنشآت ومرافق ومدارس ومستشفيات القطاع.

وحينما نتحدث عن النتائج السياسية فإن المقاومة الفلسطينية تتمنى العودة لأوضاع ما قبل 2 مارس 2024، حينما استأنفت إسرائيل عدوانها عقب الهدنة الثانية، وليس الانسحاب إلى حدود 7 أكتوبر 2023 أو 5 يونيو 1967.

إسرائيل تمارس العدوان على غزة حتى الآن دون قدرة حماس على الرد، إضافة إلى القضم المستمر لأراضي الضفة لتوسيع المستوطنات، تمهيدًا لضمها ما يعني تراجع فرص إقامة الدولة الفلسطينية. لبنانيًا: ما تزال إسرائيل تسيطر على العديد من النقاط الاستراتيجية في الجنوب وتواصل العدوان رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 من دون قدرة "حزب الله" على الرد بل إن الحكومة اللبنانية بدأت في نزع سلاح الحزب في الجنوب.

سوريًّا: لعبت إسرائيل دورًا بارزًا في إسقاط نظام بشار الأسد بالمشاركة مع تركيا حتى من دون اتفاق بينهما، وبعد السقوط مباشرة تمكنت من توجيه ضربات موجعة إلى القدرات العسكرية السورية وإلغاء اتفاق فض الاشتباك عام 1974 واحتلال المزيد من الأراضي السورية خصوصًا في جبل الشيخ ومنع وجود أي تسليح عسكري سوري ثقيل خارج العاصمة دمشق. ويوم الثلاثاء الماضي أعلنت أمريكا عن اتفاق سوري إسرائيلي أمني في باريس يتضمن تبادل معلومات استخبارية والحديث عن حماية الدروز دون الإشارة إلى أي انسحاب إسرائيلي حتى من الأراضى التي احتلتها حديثًا.

إيرانيًا: نجحت إسرائيل في توجيه ضربة قوية للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو الماضى، واغتيال العديد من كبار قادة الجيش وعلماء البرنامج النووي، إضافة إلى تدمير غالبية منظومات الدفاع الجوى، والآن تكرر إسرائيل ومعها ترامب أنهم سيهاجمون إيران إذا استأنفت برنامجها النووي أو الصاروخي أو حتى قتلت المحتجين في ايران على سوء الأوضاع الاقتصادية.

إفريقيًا: نجحت إسرائيل في التسلل إلى القرن الإفريقي بالاعتراف بإقليم "أرض الصومال" المنشق. هذا ما فعلته إسرائيل بدعم أمريكى، وهناك خدمات مجانية تلقتها إسرائيل بفعل الانقسامات والصراعات والحروب الأهلية والتحديات الاقتصادية العربية، خصوصًا فى السودان وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والصومال.

مرة أخرى أكرر أن كل التحليل السابق هو مبدئي إما أن تنجح إسرائيل - لا قدر الله - في تحويل نجاحاتها العسكرية إلى حقائق سياسية أو يستفيق العرب من سباتهم العميق، ويدركون أن الخطر الإسرائيلي الترامبي لن يستثنى أحدًا حتى لو ظن نفسه معتدلًا، خصوصًا بعد حديث نتنياهو العلني عن تعاطفه وحماسه لإسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن