الفِكْرَةُ الثّانِيَةُ التي تَراءَتْ لي مِنْ جَرّاءِ مُشاهَداتي لِأَفْلامِ العُنْف، مُفادُها أَنَّ "الفَسادَ" شامِلٌ لِكُلِّ مَفاصِلِ الحَياةِ الأَميرْكِيَّة، لِهَذا تَعَدَّدَتْ مَعانيهِ بِتَعَدُّدِ المَجالاتِ التي تَطَرَّقَتْ إِلَيْها أَفْلامُ العُنْفِ الأَميرْكِيَّةِ كالفَسادِ الاجْتِماعيِّ والاقْتِصاديِّ والإِداريِّ والسِّياسيِّ والأَمْنيِّ الدّاخِليِّ والخارِجِيّ، وَهُوَ ما يَنْعَكِسُ على تَعَدُّدِ أَنْواعِ التَّشْويقِ الذي يُرافِقُ مُسَلْسَلَ الكَشْفِ عَنْ الفَسادِ والقَضاءِ عَلَيْه.
اسْتَخْلَصْتُ مِمّا سَبَقَ فِكْرَةً ثالِثَةً بَدَتْ لي غَريبَةً بَعْضَ الشَّيْء، وَهِيَ ضَرورَةُ "شَيْءٍ مِنَ الفَساد" لِبَقاءِ الدَّوْلَة، وإِلّا لَوْ اجْتُثَّ الفَسادُ بِكَيْفِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لانْتَهى وُجودُها! وَهِيَ فِكْرَةٌ قَريبَةٌ مِمّا سَبَقَ لِأَبي حامِدٍ الغَزالي أَنْ عَبَّرَ عَنْها عِنْدَما قال: "الحِكْمَةُ تَقْتَضي شُمولَ الغَفْلَة. بَل لَوْ أَكَلَ النّاسُ الحَلالَ أَرْبَعينَ يَوْمًا لَخَرِبَتْ الدُّنْيا لِزُهْدِهِمْ فيها، وَبَطُلَتْ الأَسْواقُ والمَعايِش، بَل لَوْ أَكَلَ العُلَماءُ الحَلالَ لاشْتَغَلوا بِأَنْفُسِهِم، وَلَوَقَفَتْ الأَلسِنَةُ والأَقْلامُ عَنْ كَثيرٍ مِمّا انْتَشَرَ مِنَ العُلوم!".
"أميركا أوّلًا" تعني لترامب أن لا معنى لكل قيم الحق والعدل والمساواة والسلم العالمي إذا تعارضت مع مصالح أميركا
سُقْتُ هَذِهِ الأَفْكارَ لِأُحْدث مُناسَبَة ما بَيْنَها وَبَيْنَ ما شاهَدْناهُ يَوْمَ اعْتِقالِ الرَّئيسِ مادورو بِمَعِيَّةِ زَوْجَتِهِ في عاصِمَةِ فِنِزْويلا. بَيْدَ أَنَّ فَسادَ هَذا الِاخْتِطافِ كانَ مِنْ نَوْعٍ آخَر، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ فَسادًا جُزْئِيًّا، اجْتِماعِيًّا أَوْ سِياسِيًّا أَوْ أَمْنِيًّا.. إِلَخ، بَلْ كانَ فَسادًا كُلِّيًّا، فَسادًا كَوْنِيًّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدَمِّرَ الأَساسَ الأَخْلاقِيَّ لِلقانونِ الدَّوْليِّ وَلِكُلِّ المَواثيقِ الأُمَمِيَّةِ بِشَكْلٍ فَجّ، مُهَدِّدًا بِذَلِكَ السَّلامَ العالَمِيَّ وَمُحْدِثًا أَلَمًا لِكُلِّ الإِنْسانِيَّة.
نَعَمْ، قَدْ يُقالُ بِأَنَّ هَذا الِاخْتِطافَ لا يُشَكِّلُ حَدَثًا جَديدًا بِالنِّسْبَةِ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، لِأَنَّهُ سَبَقَ لَها أَنْ قامَتْ بِالفَعْلَةِ نَفْسِها مَعَ عَدَدٍ مِنْ رُؤَساءِ دُوَلٍ أُخْرى كانَ آخِرَهُمْ صَدّام حُسَيْن وَمُعَمَّر القَذّافي. لَكِنَّ الجَديدَ في الأَمْرِ أَنَّ تْرامب بِفِعْلِهِ هَذا يَكونُ قَدْ أَعْطى المَعْنى الحَقيقِيَّ لِعِبارَةِ "أميركا أَوَّلًا"، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ "الأَوَّلِيَّة" تَعْني أَنْ لا مَعْنى لِكُلِّ قِيَمِ الحَقِّ والعَدْلِ والمُساواةِ والسِّلمِ العالَميِّ إِذا ما تَعارَضَتْ مَعَ المَصالِحِ الخاصَّةِ لِلأَمْنِ القَوْميِّ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَة.
الأمر يتعلّق بإنذارٍ لكلّ من تُسوّل له نفسه أن يحلّ محلّ أميركا في قيادة العالم
بِشِعارِ "أميركا أَوَّلًا" لَمْ تَعُدْ "الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ" تَخْشى شَيْئًا، لا حُلَفاءَها وَلا خُصومَها، لا أَنْدادَها وَلا نُظَراءَها مِنْ الدُّوَلِ العُظْمى، وَكَأَنَّها صارَتْ قُوَّةً ميتافيزيقِيَّةً مِنْ حَقِّها أَنْ تُهَيْمِنَ على العالَمِ بِرُمَّتِهِ مِنْ دونِ حَسيبٍ وَلا رَقيب. بِهَذا باتَتْ "الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ تُهَدِّدُ العالَمَ بِمَعْنَيَيْهِ الطَّبيعيِّ والسِّياسيِّ مَعًا".
نَعَمْ، تَشْعُرُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرْكِيَّةُ بِموجبِ امْتِلاكِها لِلقُوَّةِ المَعْرِفِيَّةِ والمادِّيَّةِ أَنَّ مِنْ واجِبِها فَرْضَ سَيْطَرَتِها على خَيْراتِ الأُمَمِ الأُخْرى لِضَمانِ تَفَوُّقِها. لَكِنَّها بِاخْتِطافِها لِرَئيسِ دَوْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَكونُ قَدْ ارْتَكَبَتْ ظُلْمًا كَبيرًا، لَيْسَ في حَقِّ نَفْسٍ واحِدَة، بَلْ في حَقِّ أُمَّةٍ بِأَكْمَلِها وَفي حَقِّ الإِنْسانِيَّةِ جَمْعاء.
تَنَوَّعَتِ التَّقْييماتُ لِسُلوكِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، بَيْنَ مَنْ يَقولُ إِنَّهُ تَعْبيرٌ مَحْسوبُ العَواقِبِ عَنْ قَلَقِها الجِدّيِّ إِزاءَ قُوًى عُظْمى أُخْرى باتَتْ تُنافِسُها على صِفَةِ "الأَوَّل" على مُسْتَوَياتِ الثَّوْرَةِ المَعْرِفِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ والعَسْكَرِيَّة؛ وَبَيْنَ مَنْ يَقولُ إِنَّهُ تَعْبيرٌ عَنْ ثِقَتِها الكَبيرَةِ بِنَفْسِها وَأَنَّها غَيْرُ مَعْنِيَّةٍ بِأَنْ تَأْخُذَ بِعَيْنِ الاعْتِبارِ أَيَّ جِهَةٍ كانَت، وَكَأَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِإِنْذارٍ لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ أَنْ يَحُلَّ مَحَلَّها في قِيادَةِ العالَم.
الحياة في العالم تتجه لأن تصبح جحيمًا ما يفتح شهيّة النزعة العسكرية الأميركيّة لشنّ حروب عشوائية
إِنَّ ما فَعَلَهُ تْرامب "ظُلمٌ عَظيمٌ". وَلَمّا كانَ تَعْريفُ "لِسانِ العَرَب" لِلظَّالِمِ أَنَّهُ مَنْ لا حُجَّةَ لَه، لِأَنَّهُ لا عَقْلَ لَه، فَقَدْ جاءَ تَبْريرُ عَمَليةِ الاخْتِطافِ رَكيكًا لِلغايَةِ عِنْدَما تَمَّ تَأْسيسُهُ على تَلْفيقِ جُمْلَةٍ مِنْ الأَكاذيبِ التي لا يَقْبَلُها أَيُّ عَقْل. لَكِنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ لا تَخْشى الكَذِب، لا تَخْشى أَنْ يَكونَ فِعْلُها مُضادًّا لِلحَقِّ والعَدْلِ والمُساواة، وَلا يَهُمُّها أَنْ يَتَجاوَزَ ظُلْمُها لِلآخَرِ كُلَّ الحُدودِ القانونِيَّةِ والمَعاييرِ الأَخْلاقِيَّةِ والأَعْرافِ السِّياسِيَّة. بِاخْتِصارٍ، باتَ العَمَلُ بِالحَقِّ والعَدْلِ والسِّلمِ مُضِرًّا بِالمَصالِحِ القَوْمِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، أَي يُشَكِّلُ خَطَرًا على الوُجودِ الأَميرْكِيّ.
لَمْ يُخْفِ رَئيسُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ دافِعَهُ الحَقيقِيَّ لِفَرْضِ الوِصايَةِ على فِنِزْويلا رَغْمًا عَنْ أَنْفِها، وَهُوَ انْطِواءُ أَرْضِها على مُدَّخَراتٍ نَفْطِيَّةٍ هائِلَة. وَهَذا ما يُؤْذِنُ بِأَنَّ الحَياةَ في العالَمِ اليَوْمَ تَتَّجِهُ لِأَنْ تُصْبِحَ جَحيمًا جَرّاءَ تَوْسيعِ لائِحَةِ المَطالِب الأميركية (وَعلى رَأْسِها مَطْلَبُ حِيازَةِ جَزيرَةِ غْرينْلانْد الدَّنْمارْكِيَّة) ما يَفْتَحُ شَهِيَّةَ النَّزْعَةِ العَسْكَرِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ لِشَنِّ حُروبٍ عَشْوائِيَّة. لا تُبْقي وَلا تَذَر.
لعدم القبول بالعودة إلى زمن "محاكم التفتيش" لإحصاء أنفاس الأمم والدول إن لم تُعلن الطاعة للسياسة الأميركيّة
أَمامَ هَذا الطُّغْيانِ الذي تُمارِسُهُ أَميرْكا اليَوْم، سَواءً بِفَرْضِ عُقوباتِها الجائِرَةِ على أَيِّ دَوْلَةٍ أَوْ مُؤَسَّسَةٍ عَدْلِيَّةٍ أَوْ قانونِيَّةٍ كانَتْ إِنْ خالَفَتْ إِرادَتَها، أَوْ بِتَجْويعِ الشُّعوبِ حَتّى المَوْت، سَيَكونُ مِنْ واجِبِ القُوى المُحِبَّةِ لِلسَّلامِ أَنْ تُحَوِّلَ حادِثَةَ اخْتِطافِ الرَّئِيسِ الفِنِزْويلي إلى نِضالٍ أُمَمِيٍّ مِنْ أَجْلِ احْتِرامِ القانونِ والسِّلمِ والحُرِّيَّةِ والكَرامَةِ لِلجَميع.
صَحيحٌ، مِنْ حَقِّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ أَنْ تَرْفَعَ شِعارَ "أَميرْكا أَوَّلًا"، لَكِنْ لا لِكَيْ يَتَحَوَّلَ إلى غِطاءٍ لِلعَوْدَةِ إلى ثَقافَةِ "التَّمْييزِ العُنْصُرِي"، وَتَحْويلِ الأَميرْكِيّينَ بِعامَّةٍ إلى شَعْبٍ فاقِدٍ لِلقُدْرَةِ على الإِحْساسِ بِالظُّلْم. نَعَمْ، مِنْ حَقِّنا أَلّا نَتَّفِقَ مَعَ سِياسَةِ الرَّئيسِ المَخْطوفِ إِزاءَ بِلادِهِ وَمَواقِفِهِ المُعادِيَةِ لِلكَثيرِ مِنْ البُلدان، لَكِنَّ هَذا لَنْ يَشْفَعَ لَنا القَبولَ بِالعَوْدَةِ إلى زَمَنِ "مَحاكِمِ التَّفْتيش" لِإِحْصاءِ أَنْفاسِ الأُمَمِ والدُّوَلِ وَمُحاصَرَتِها بِالعُقوباتِ الاقْتِصادِيَّةِ إِنْ لَمْ تُعْلِنْ الطّاعَةَ لِلسِّياسَةِ الأَميرْكِيَّة. إِنَّ العَوْدَةَ إلى ما قَبْلَ ميثَاقِ الأُمَمِ المُتَّحِدَة، إلى الفَوْضى والحُروبِ العالَمِيَّة، أَمْرٌ مَرْفوضٌ تَمامًا.
(خاص "عروبة 22")

