في هَذا الإِطار، يُمْكِنُ قِراءَةُ التّاريخِ بِاعْتِبارِهِ نِضالًا تاريخِيًّا مُمْتَدًّا (يَتَّسِمُ بِالصَّيْرورَةِ الصِّراعِيَّةِ التّاريخِيَّة) بَيْنَ المُواطِنينَ والأوليجارْكِيّينَ بِتَجَلِّياتِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُتَعاقِبَةِ أَزْمِنَة: الإِمْبَراطورِيّاتِ القَديمَةِ والجَديدَة، والدُّوَلِ الاسْتِعْمارِيَّةِ القَديمَةِ والجَديدَة، والقُوى القُطْبِيَّةِ المُخْتَلِفَة. فَعلى مَدى التّاريخ، ناضَلَ المُواطِنونَ ضِدَّ مُحاوَلاتِ الهَيْمَنَةِ الأوليجارْكِيَّةِ عَلَيْهِمْ داخِلَ الدَّوْلَةِ الواحِدَةِ التي تَجْعَلُهُمْ رَعِيَّةً بِشَكْلٍ مُسْتَدام، كَما قاوَموا الهَيْمَنَةَ الأوليجارْكِيَّةَ الإِمْبَراطورِيَّةَ والاسْتِعْمارِيَّةَ والقُطْبِيَّةَ التي تَفْرِضُ عَلَيْهِمُ التَّبَعِيَّة.
نَعَمْ أَثْمَرَ النِّضالُ التّاريخِيُّ لِلمُواطِنينَ في أَرْجاءِ العالَمِ الكَثيرَ مِنَ المُكْتَسَباتِ الحُقوقِيَّةِ الحاسِمَةِ في شَتّى المَجالات، لَكِنْ ظَلَّتِ الأوليجارْكِيَّةُ حاضِرَةً بِقُوَّة - لَيْسَ فَقَط - لِلحَدِّ مِنْ تِلْكَ المُكْتَسَباتِ الحُقوقِيَّة، بَل لِحِصارِها وَوَأْدِها. وَيَعودُ هَذا الحُضورُ "المُتَوَحِّشُ" حِيالَ المُواطَنَة، كَقيمَةٍ وَمُمارَسَة، إلى أَنَّ الأوليجارْكِيَّةَ الرّاهِنَةَ لَمْ تَعُدْ تُشيرُ إلى مُجَرَّدِ حُكْمِ القِلَّة، بِالمَعْنى الأَفْلاطونِيِّ الكْلاسيكِيّ، المُرْتَبِطَةِ بِحُكْمِ الأَرِسْتُقْراطِيّاتِ أَوِ النُّخَبِ الحاكِمَة، بَل أَصْبَحَتِ الأوليجارْكِيَّةُ المُعاصِرَة، في الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ والعَوْلَمَةِ النِّيوليبيرالِيَّة، طَبَقَةً عابِرَةً لِلحُدودِ تَحْظى بِمَرْكَزَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ لِلثَّرْوَة، والسُّلْطَة، والمَعْرِفَة، والتِّكْنولوجْيا. وَإِضافَةً إلى ما سَبَق، تَتَّسِمُ بِسُلوكٍ إِمْبِرْيالِيّ (يُمْكِنُ مُراجَعَةُ مَقالِنا المُعَنْوَن: "الأوليجارْكِيّونَ الجُدُدُ" وَغَزَواتُهُمْ؛ الذي نُشِرَ بجزأيه الأول و الثاني في "عَروبَة 22").
منظومة اجتماعية - سياسية مُتماسكة تُعيد إنتاج ذاتها عبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة والسياسة
لَقَدْ أَدّى الثَّراءُ الفائِق (Ultra Wealth) لِنُخْبَةِ العَوْلَمَةِ الجَديدَةِ إلى أَنْ يَحْتَكِرَ 1% مِنْ هَؤُلاءِ فاحِشِي الثَّراءِ ما يَقْرُبُ مِنْ ثُلُثَيْ جَميعِ الثَّرَواتِ الجَديدَةِ المُتَراكِمَةِ في العالَم، أَيْ حَوالَيْ ضِعْفِ الأَمْوالِ التي يَمْتَلِكُها أَفْقَرُ 99% مِنْ سُكّانِ العالَمِ الأَثْرِياء. أَدّى هَذا الاسْتِحْواذُ على كُلِّ الثَّرْوَةِ العالَمِيَّة - تَقْريبًا - إلى تَشَكُّلِ طَبَقَةٍ أوليجارْكِيَّةٍ جَديدَةٍ ذاتِ صيغَةٍ مُغايِرَةٍ بِالتَّمامِ لِتِلْكَ التّاريخِيَّة، لا مِنْ حَيْثُ تَوَجُّهُها الاحْتِكارِيّ، وإِنَّما مِنْ حَيْثُ العَناصِرُ المُكَوِّنَةُ لِتِلْكَ الصِّيغَة.
تَتَشَكَّلُ الأوليجارْكِيَّةُ الجَديدَةُ مِنْ تَحالُفٍ نُخْبَوِيٍّ يَضُمُّ أَصْحابَ الثَّرَواتِ الضَّخْمَة، المُسْتَثْمِرينَ والمُساهِمينَ والمُضارِبينَ في الشَّرِكاتِ التِّكْنولوجِيَّةِ العِمْلاقَةِ الرَّقْمِيَّةِ وَما بَعْدَ صِّناعِيَّة، والمُؤَسَّساتِ المالِيَّةِ العالَمِيَّة، وَأَسْواقِ المالِ والمَصَارِف، والِاسْتِثْمارِ العَقارِيّ، والصَّنادِيقِ الِاسْتِثْمارِيَّةِ العَابِرَةِ لِلحُدود. وَهو التَّحالُفُ الذي أَتاحَ أَنْ تُصْبِحَ أوليجارْكِيَّةُ الأَلْفِيَّةِ الثّالِثَةِ مَنْظومَةً اجْتِماعِيَّةً - سِياسِيَّةً مُتَماسِكَةً تُعيدُ إِنْتاجَ ذاتِها عَبْرَ مُؤَسَّساتِ التَّعْليم، والإِعْلام، والثَّقافَة، والسِّياسَة. وَمِنْ ثَمَّ هَيْمَنَةٌ مُرَكَّبَة: رَقْمِيَّة، واقْتِصادِيَّة/مالِيَّة، وَتِكْنولوجِيَّة، تَضْمَنُ مُراكَمَةَ الثَّرْوَةِ وَمُضاعَفَتَها غَيْرَ مُبالِيَةٍ لِما يُشيرُ إِلَيْهِ الواقِعُ بِأَنَّ عَمَلِيَّةَ مُراكَمَةِ الثَّرْوَةِ يُلازِمُها في الوَقْتِ ذاتِه، دَوْمًا، مُفاقَمَةٌ لِلّامُساواة. وَهو ما تُؤَكِّدُهُ الأَرْقام، فَهُناكَ أَفْرادٌ يَسْتَحْوِذونَ على التّْريلْيونات، وَمِلْياراتُ البَشَرِ يُعَانونَ الفَقْرَ والجوعَ والتَّهْميش.
وَفي هَذا المَقام، تَرْصُدُ التَّقاريرُ بِأَنَّ هُناكَ 4,8 مِلْياراتِ شَخْصٍ مِمَّنْ يُصَنَّفُونَ بِالأَشَدِّ فَقْرًا يُشَكِّلونَ قَوامَ العَالَمِ الأَكْثَرِ قَسْوَة، حَيْثُ يَبيتُ أَكْثَرُ مِنْ 800 مِلْيونِ شَخْصٍ جائِعين. في المُقابِل، وَفي الوَقْتِ نَفْسِه، تَضاعَفَتِ الثَّرَواتُ الفاحِشَةُ في أَيْدي قِلَّةٍ تَعيشُ بِالأَساسِ في شَمالِ الكُرَةِ الأَرْضِيَّةِ ما جَعَلَهُ مَوْطِنًا لِحَوالَيْ 70% مِنَ الثَّرْوَةِ الخاصَّة، وَ74% مِنْ ثَرَواتِ أَصْحابِ المِلْياراتِ في العالَم (الذينَ نَمَتْ ثَرَواتُهُمْ بِثَلاثَةِ أَضْعافِ مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ خِلالَ السَّنَواتِ الثَّلاثِ الأَخيرَة). وَتَجْدُرُ الإِشارَةُ هُنا إلى أَنَّ هَذا الشَّمالَ لا يَعيشُ فيهِ سِوى 21% مِنْ سُكّانِ العالَم.
هَكَذا تَتَراكَمُ الثَّرْوَةُ مِنْ جِهَة، وَتَتَفاقَمُ اللّامُساواةُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى.
وَمِنْ ثَمَّ تَتَّسِعُ الفَجْوَةُ بَيْنَ القِلَّةِ الأَرِسْتُقْراطِيَّةِ الأوليجارْكِيَّةِ الجَديدَةِ ذاتِ الثَّراءِ المُفْرِطِ والفاحِش، وَبَيْنَ الكَثْرَةِ المُواطِنِيَّةِ الفَقيرَةِ فَقْرًا مُدْقِعًا وَقاسِيًا.
وَبِالنَّتيجَة، تُصْبِحُ "الحَياةُ غَيْرَ مَيْسورَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلمُواطِنينَ في كُلِّ مَكان... Life is Becoming Unaffordable for Everyday People Everywhere، (راجِع تَقْريرُ "مُؤَسَّسَةِ أوكْسفام التَّنْمَوِيَّة" لِسَنَةِ 2026 المُعَنْوَن: "مُقاوَمَةُ حُكْمِ الأَثْرِياء: حِمايَةُ الحُرِّيَّةِ مِنْ سَطْوَةِ أَصْحابِ المِلْيارات" Resisting The Rule Of The Rich: Protecting freedom from billionaire power)، لِأَنَّ التَّراجُعَ في الشَّراكَةِ المُواطِنِيَّةِ الِاقْتِصادِيَّةِ يُواكِبُهُ - بِالتَّبَعِيَّة - تَراجُعٌ في الشَّراكَةِ المُواطِنِيَّةِ السِّياسِيَّة.
بنى أصحاب المليارات نفوذهم السياسي للتحكُّم في الحركية المواطنية ومنعها من مُساءلتهم
وَيَلْفِتُ التَّقْريرُ النَّظَرَ إلى أَنَّ البُلْدانَ ذاتَ اللّامُساواةِ الأَشَدِّ هِيَ أَكْثَرُ عُرْضَةً بِسَبْعَةِ أَضْعافٍ لِإِعاقَةِ المُواطَنَة؛ نَتيجَةً لِما أَسْماهُ التَّقْريرُ "تَآكُلَ الدّيموقْراطِيَّة" (Erosion of Democracy)؛ مُقارَنَةً "بِالبُلْدانِ التي تَتَمَتَّعُ بِمَزيدٍ مِنَ المُساواة". وَوِفْقًا لِبَياناتٍ وارِدَةٍ مِنْ 136 بَلَدًا تَأَكَّدَ أَنَّهُ "كُلَّما تَفاقَمَتِ اللّامُساواةُ في تَوْزيعِ المَوارِدِ الاقْتِصادِيَّة، أَصْبَحَتِ اللّامُساواةُ في السُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ أَشَدَّ هِيَ أَيْضًا. وَيُؤَدّي ذَلِكَ - بِالضَّرورَة - إلى إِنْتاجِ سِياساتٍ تَعْكِسُ تَفْضيلاتِ الفِئاتِ ذاتِ الدَّخْلِ المُرْتَفِعِ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الخاصَّةِ بِالفِئاتِ ذاتِ الدَّخْلِ المُنْخَفِض.
وَفي ضَوْءِ هَذِهِ البَيانات، حَلَّلَتْ دِراسَةٌ شامِلَةٌ 23 واقِعَةَ "تَآكُلٍ لِلدّيموقْراطِيَّة" في عَدَدٍ مِنَ البُلْدان، وَمِنْ ثَمَّ خَلَصَتْ إلى أَنَّ اللّامُساواةَ الِاقْتِصادِيَّةَ في ظِلِّ الأوليجارْكِيَّةِ الاحْتِكارِيَّةِ الجَديدَةِ "تُقَوِّضُ الضَّوابِطَ العَامَّة، وَتُخِلُّ بِالتَّوازُنِ بَيْنَ السُّلُطات، وَتُقَيِّدُ الحُرِّياتِ العامَّة؛ وَيَتِمُّ التَّلاعُبُ بِالِانْتِخابات... إِلَخ"، وَأَنَّ الأَمْرَ انْتَهى بِهَذِهِ البُلْدانِ بِأَنْ سادَتِ الأَرِسْتُقْراطِيَّةُ الأوليجارْكِيَّةُ الاحْتِكارِيَّةُ الجَديدَةُ على حِسابِ مُواطِنيها وَحَرَكِيَّتِهِمُ النِّضالِيَّةِ مِنْ أَجْلِ الحُقوقِ والعَدالَةِ والمُساواةِ والكَرامَةِ الإِنْسانِيَّة. وَيُؤَكِّدُ تَقْريرُ "أُوكْسفام" المَذْكورُ مِنْ واقِعِ دِراساتٍ مَسْحِيَّةٍ مَيْدانِيَّةٍ أَنَّ: "أَصْحابَ المِلْياراتِ في العالَمِ لَمْ يُراكِمُوا ثَرَواتٍ تَفوقُ ما يُمْكِنُهُمْ إِنْفاقُهُ فَحَسْب، بَلِ اسْتَخْدَموا هَذِهِ الثَّرَواتِ أَيْضًا لِضَمانِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ التي تُخَوِّلُهُمْ صِياغَةَ القَواعِدِ التي تُحَدِّدُ اقْتِصاداتِنا وَتُحْكِمُ السَّيْطَرَةَ على الدُّوَلِ وَمُواطِنيها في العالَم". هَكَذا بَنى أَصْحابُ المِلْياراتِ نُفوذَهُمُ السِّياسِيَّ لِلتَّحَكُّمِ في الحَرَكِيَّةِ المُواطِنِيَّةِ وَمَنْعِها مِنْ مُساءَلَتِهِم.
المواطنة لا تُمنح بل تُكتسب بالنضال
وَبَعْد، إِنَّ المُواجَهَةَ التّارِيخِيَّةَ بَيْنَ المُواطِنين: الكَثْرَةِ المُواطِنِيَّةِ الفَقيرَة؛ والأوليجارْكِيِين: القِلَّةِ فائِقَةِ الثَّراء؛ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَنازُعٍ على إِعادَةِ تَوْزيعِ الثَّرْوَةِ والحُضورِ الرَّمْزِيِّ في المَجالَيْنِ السِّياسِيِّ والمَدَنِيّ، بَلْ صِراعٌ على مُسْتَقْبَلِ الكَرامَةِ الإِنْسانِيَّةِ لِهَؤُلاءِ المُواطِنينَ مِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ مِنَ الاحْتِكارِ والإِخْضاعِ اللَّذَيْنِ يُمارِسُهُما الطَّوْرُ المالِيُّ - الرَّقْمِيُّ - الِاحْتِكارِيُّ لِلرَّأْسْمالِيَّةِ بِواسِطَةِ القِلَّة. إِنَّها مُهِمَّةٌ تاريخِيَّةٌ نِضالِيَّةٌ في جَوْهَرِها، على المُواطِنينَ إِنْجازُها وَصْلًا بِنِضالِهِمُ التّاريخِيّ، وأَخْذًا في الاعْتِبارِ أَنَّ المُواطَنَةَ لا تُمنَح، بَل تُكتَسَبُ بِالنِّضالِ مِنْ أَجْلِ إِبْداعِ سِياقٍ مُجْتَمَعِيٍّ - مُواطِنِيٍّ أَكْثَرَ إِنْسانِيَّةً وَعَدْلًا.
(خاص "عروبة 22")

