اقتصاد ومال

تاريخُ الجَزيرَةِ الفُراتِيَّةِ المَنْسِيَّة: كَيْفَ يُمْكِنُها تَغْييرُ مَصيرِ سورْيا الاقتِصادِي؟

تَحَوَّلَتِ الجَزيرَةُ الفُراتِيَّةُ السّورِيَّةُ إلى مِحْوَرٍ لِلأَحْداثِ بِسَبَبِ المُواجَهاتِ بَيْنَ قُوّاتِ الحُكومَةِ السّورِيَّةِ المُؤَقَّتَةِ وَ"قَسَد" بَعْدَما كانَتْ مَنْسِيَّةً لِعُقودٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِقُرونٍ. وَيَضُمُّ الشَّطْرُ السّورِيُّ لِلجَزيرَة، مُحافَظَةَ الحَسَكَة، وَشَرْقِيَّ مُحافَظَتَيِ الرَّقَّةِ وَدَيْرِ الزَّوْر، وَإِنْ كانَ أَحْيانًا يُقْصَدُ بِالجَزيرَةِ مُحافَظَةُ الحَسَكَةِ فَقَط.

تاريخُ الجَزيرَةِ الفُراتِيَّةِ المَنْسِيَّة: كَيْفَ يُمْكِنُها تَغْييرُ مَصيرِ سورْيا الاقتِصادِي؟

اللّافِتُ في الجَزيرَةِ السّورِيَّةِ بِمَفْهومِها الواسِعِ الذي يَشْمَلُ مَناطِقَ سَيْطَرَةِ قَسَد السّابِقَة، عُزْلَتُها الِاقْتِصادِيَّةُ وَضَآلَةُ عَدَدِ سُكّانِها مُقارَنَةً بِبَقِيَّةِ سورْيا (نَحْوَ 12%؜ مِنْ إِجْمالِيِّ السُّكّان) على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها تُمَثِّلُ 27% مِنْ مِساحَةِ البِلاد، وَغِناها بِالمَوارِدِ حَيْثُ تَجْمَعُ بَيْنَ الأَراضي المَرْوِيَّةِ والمَطَرِيَّةِ خاصّةً في مُحافَظَةِ الحَسَكَة.

هَذا مُعاكِسٌ لِوَضْعِها التّاريخِيِّ المُزْدَهِر، فَالجَزيرَةُ هِيَ إِحْدى أَقْدَمِ مَناطِقِ الحَضارَةِ في العالَمِ إِذْ نَشَأَتْ فيها حَضارَةُ ماري العَريقَة. كَما تَأَسَّسَتْ فيها مَمْلَكَةُ الرُّها في القَرْنِ الثّاني قَبْلَ الميلاد، إِحْدى أَوائِلِ المَمالِكِ الآرامِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَيُقالُ إِنَّها أَوَّلُ دَوْلَةٍ في العالَمِ تَتَّخِذُ المَسيحِيَّةَ دينًا رَسْمِيًّا، وَتَلَتْها مَمْلَكَةُ الحَضَرِ التي حَمَلَ مُلوكُها لَقَبَ مَلِكِ العَرَبِ في القَرْنِ الثّاني الميلادِيّ.

وَلِأَنَّ الجَزيرَةَ هِيَ إِقْليمٌ انْتِقالِيٌّ بَيْنَ العِراقِ وَسورْيا فَلَقَدِ ازْدَهَرَتْ في أَزْمِنَةِ وَحْدَةِ البَلَدَيْن، مِثْلَ العَصْرِ الإِسْلامِيِّ حَيْثُ كانَتِ الرَّقَّةُ عاصِمَةً لِلخِلافَةِ العَبّاسِيَّةِ في عَهْدِ هارون الرَّشيد.

تعامل حافظ الأسد مع المنطقة بتوَجُّس لخوفه من تقارب العشائر العربية مع العراق ولقلقه من الأكراد

وَلَكِنَّها تَعَرَّضَتْ لِضَرْبَةِ تاريخِيَّةٍ قاصِمَةٍ بِسَبَبِ غَزَواتِ المَغولِ وَتَيْمورْلَنْك التي أَفْرَغَتْها تَقْريبًا مِنَ السُّكّان، ثُمَّ هاجَرَتْ قَبائِلُ عَرَبِيَّةٌ إلى الجَزيرَةِ فَسادَتْها البَداوَةُ وَخَلَتْ مِنَ المُدُنِ الكُبْرى حَتّى نِهايَةِ العَهْدِ العُثْمانِيّ.

وَعِنْدَما احْتَلَّ الفَرَنْسِيّونَ سورْيا سَهَّلوا تَوْطينَ الأَكْرادِ الذينَ طُرِدوا مِنْ تُرْكْيا إِثْرَ فَشَلِ ثَوْرَةِ سعيد بيران عام 1925 لِيَنْضَمّوا إلى الآشورِيّينَ والسِّرْيانِ والأَرْمَنِ الذينَ سَبَقَ أَنْ هُجِّروا مِنْ تُرْكْيا في نِهايَةِ العَهْدِ العُثْمانِيّ، لِيَتَحَوَّلَ العَرَبُ مِنْ أَغْلَبِيَّةٍ في مُحافَظَةِ الحَسَكَةِ إلى أَكْبَرِ مُكَوِّن، وَلَكِنْ لَيْسوا الأَغْلَبِيَّة.

عانَتِ الجَزيرَةُ مِنَ التَّهْميشِ مُنْذُ اسْتِقْلالِ سورْيا بِسَبَبِ مَرْكَزِيّةِ الحُكْم، وَلِبُعْدِها عَنِ العاصِمَةِ دِمَشْق، وَتَأَثَّرَتْ مُحافَظَةُ دَيْرِ الزَّوْرِ تَحْديدًا بِالانْفِصالِ عَنِ العِراقِ شَريكِها التِّجارِيِّ الأَساسِيِّ وامْتِدادِها العَشائِرِيّ.

وَتَعامَلَ حافِظُ الأَسَد مَعَ المَنْطِقَةِ بِتَوَجُّسٍ لِخَوْفِهِ مِنْ تَقارُبِ العَشائِرِ العَرَبِيَّةِ مَعَ العِراق، أَوْ قَلَقِهِ مِنَ الأَكْرادِ الذينَ حُرِمَ بَعْضُهُمْ مِنَ الجِنْسِيَّة، كَما وَطَّنَ مُهَجَّرِينَ عَرَبًا مِنْ مُحافَظَتَيْ الرَّقَّةِ وَحَلَبَ فَقَدُوا أَراضِيَهُمْ بِسَبَبِ إِنْشاءِ سَدِّ الطَّبَقَة، فيما يُسَمّى بِالحِزامِ العَرَبِيّ في الحَسَكَة، وَضاعَفَ ذَلِكَ التَّوَتُّرَ بَيْنَ العَرَبِ والأَكْراد.

بَعْدَ انْدِلاعِ الثَّوْرَةِ السّورِيَّة، سَيْطَرَتِ المُعارَضَةُ على أَغْلَبِ الجَزيرَةِ بِاسْتِثْناءِ المَناطِقِ الكُرْدِيَّة، ثُمَّ سَقَطَتِ المَنْطِقَةُ بِيَدِ تَنظيمِ "داعِش" الذي نَكَّلَ بِالأَقَلِّياتِ وَسَحَقَ فَصائِلَ المُعارَضَة، وَفَرَضَ حُكْمًا مُتَشَدِّدًا إلى أَنْ انْهارَ أَمامَ هُجومِ "قَسَد" التي سَيْطَرَتْ بِدَعْمٍ أَميرْكِيٍّ وَقَبولٍ مِنْ روسْيا والنِّظامِ على الجَزيرَة، وَأَسَّسَتْ حُكْمًا تُسَيْطِرُ فيهِ نُخْبَةٌ مِنَ اليَسارِيّينَ الأَكْرادِ على أَغْلَبِيَّةٍ عَرَبِيَّة.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الأَوْضاعَ الاقْتِصادِيَّةَ والإِنْسانِيَّةَ في مَناطِقِ "قَسَد" كانَتْ أَفْضَلَ مِنْ مَناطِقِ النِّظام، وَلَكِنَّها لَمْ تَتَناسَبْ مَعَ مَوارِدِ المَنْطِقَةِ الكَبيرَةِ التي تَضُمُّ نَحْوَ 90%؜ مِنْ نَفْطِ سورْيا وَ50% مِنْ غازِها والنِّسْبَةَ الأَكْبَرَ مِنْ زِراعَةِ القُطْن، إِضافَةً إلى المُساعَداتِ الأَميرْكِيَّةِ الكَبيرَة، كَما لَمْ تَخْضَعْ لِلعُقوباتِ التي فُرِضَتْ على نِظامِ الأَسَد.

والنَّتيجَة، وَضْعٌ خِدْمِيٌّ واقْتِصادِيٌّ سَيِّئٌ وَتَهْميشٌ لِلعَرَب، حَسَبَ تَقاريرَ غَرْبِيَّة.

وَمَعَ أَنَّ سَيْطَرَةَ الحُكومَةِ المُؤَقَّتَةِ يُفْتَرَضُ مَعَها تَغَيُّرُ الوَضْعِ الاقْتِصادِيِّ والسِّياسِيِّ لِلجَزيرَةِ وَسورْيا بِرُمَّتِها، إِلّا أَنَّ هَذِهِ الفُرْصَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى أَزْمَة.

من الخطأ أن تتعامل الحكومة مع المنطقة باعتبارها مصدرًا للثروة فقط من دون مراعاة التنمية المحلية

أولى المَخاطِرِ احْتِمالُ تَجَدُّدِ النِّزاع، خاصَّةً أَنَّ "قَسَد" تَتَحَصَّنُ في المَناطِقِ الكُرْدِيَّة، وَإِنْ تَجَدَّدَ القِتالُ قَدْ يَكونُ أَداؤُها مُخْتَلِفًا وَلَنْ تُكَرِّرَ الانْهِياراتِ التي حَدَثَتْ في مَناطِقِ سَيْطَرَتِها العَرَبِيَّة، كَما يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الصِّراعُ إلى حَرْبِ عِصاباتٍ طَويلَة، قَدْ تَشْهَدُ انْتِهاكاتٍ مِنْ قِبَلِ القُوّاتِ السّورِيَّة، مِثْلَما حَدَثَ في السّاحِلِ والسُّوَيْداء، مِمّا قَدْ يَرْفَعُ الغِطاءَ الأَميرْكِيَّ عَنِ الحُكومَةِ السّورِيَّةِ وَيُجَدِّدُ التَّعاطُفَ الغَرْبِيَّ مَعَ الأَكْراد.

وَهُناكَ احْتِمالٌ لِتَحَوُّلِ الاتِّفَاقِ إلى مُحاصَصَةٍ بَيْنَ "قَسَد" وَدِمَشْقَ وَتَهْميشٍ لِلعُنْصُرَيْنِ المَسيحِيِّ والعَرَبِيِّ المَحَلِّيَيْنِ والقُوى السِّياسِيَّةِ الكُرْدِيَّةِ الأُخْرى. وَبِالفِعْلِ هُناكَ تَقاريرُ عَنْ فَصْلِ "قَسَد" لِمُقاتِليها العَرَبِ في الحَسَكَةِ قَبْلَ الدَّمْجِ مَعَ الحُكومَةِ السّورِيَّةِ لِتَقْتَصِرَ الأَلْوِيَةُ التي سَتُضَمُّ لِلجَيْشِ على العُنْصُرِ الكُرْدِيّ.

وَمِنَ الخَطَأِ أَنْ تَتَعامَلَ الحُكومَةُ مَعَ المَنْطِقَةِ بِاعْتِبارِها مَصْدَرًا لِلثَّرْوَةِ فَقَطْ مِنْ دونِ مُراعاةِ التَّنْمِيَةِ المَحَلِّيَّة، وَأَنَّها تَضُمُّ أَغْلَبَ مَوارِدِ سورْيا النَّفْطِيَّةِ مِمّا سَيُؤَجِّجُ مَشاعِرَ المَظْلومِيَّةِ التّاريخِيَّة.

كَما أَنَّ إِعْلانَ دِمَشْقَ بِسُرْعَةٍ عَنْ امْتِيازاتٍ نَفْطِيَّةٍ لِشَرِكاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ يُثيرُ تَساؤُلاتٍ بِشَأْنِ ضَماناتِ سَلامَةِ هَذِهِ التَّعاقُدات.

وَيُخْشى أَيْضًا أَنْ تُؤَدِّيَ سَيْطَرَةُ الحُكومَةِ المُؤَقَّتَةِ على النَّفْطِ والغازِ إلى إِبْقائِها لِدَعْمِ الطَّاقَةِ (بِسَبَبِ الغَضَبِ الشَّعْبِيِّ مِنْ رَفْعِ أَسْعارِ الكَهْرَباء)، مَعَ زِيادَةِ ساعاتِ التَّغْطِيَة، وَهُوَ ما قَدْ يُؤَدّي إلى زِيادَةٍ انْفِجارِيَّةٍ في الِاسْتِهْلاكِ وَتَفاقُمِ العَجْز.

سوريا تحتاج حُكمًا محليًا يُراعي سكان كل منطقة في ظلّ دولة مركزية

إِنَّ سَيْطَرَةَ الحُكومَةِ على الجَزيرَةِ بِمَوارِدِها يُمْكِنُ إِذا أُحْسِنَ اسْتِخْدامُها أَنْ تُوَفِّرَ فُرْصَةً لِسورْيا لِرَفْعِ إِنْتاجِها النَّفْطِيِّ مِنْ نَحْوِ 80 أَلْفَ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا حالِيًّا إلى مُسْتَواه السّابِقِ البالِغِ نَحْوِ 400 أَلْفٍ خِلالَ بِضْعِ سَنَوات، مِمّا يُغَطّي الاسْتِهْلاكَ البالِغَ نَحْوِ 150 أَلْفَ بَرْميل وَيَخْلُقُ فائِضًا وَلَوْ مَحْدودًا لِلتَّصْدير، وَبِالتّالي تَخْفيفُ أَزْماتِ البِلاد، وَلَكِنْ شَرْطَ الالتِزامِ بِالقَواعِدِ السِّياسِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ السَّليمَة، وَعلى رَأْسِها الشَّفافِيَّةُ وَمُشارَكَةُ سُكّانِ الجَزيرَةِ في إِدارَةِ مُقَدِّراتِهِمْ والتَّحَوُّلُ إلى نِظامٍ يُتيحُ لِكُلِّ مُكَوِّناتِ الشَّعْبِ السّورِيِّ المُشارَكَةَ في الحُكْمِ مَرْكَزِيًّا ومَحَلِّيًّا.

لَكِنَّ اسْتِمْرارَ الوَضْعِ الحالِيِّ الذي تُسَيْطِرُ فيهِ مَجْموعَةٌ صَغيرَةٌ على اتِّخاذِ القَرارِ مِنْ دِمَشْقَ سَيُصَعِّدُ المَطالِبَ المَحَلِّيَّة، بِما فيها مَطَالِبُ عَرَبِ الجَزيرَةِ التي كانَتْ مُؤَجَّلَةً بِسَبَبِ مَسْأَلَةِ "قَسَد"، كَما أَنَّ طَبيعَةَ الحُكْمِ الانْتِقالِيِّ تُعَرْقِلُ الاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّة.

إِنَّ هَذا لا يَعْني الدَّعْوَةَ إلى فيدِرالِيَّة، وَلَكِنَّ سورْيا تَحْتاجُ حُكْمًا مَحَلِّيًّا يُراعي سُكّانَ كُلِّ مِنْطَقَة، في ظِلِّ دَوْلَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ تَسْتَنِدُ إلى الشَّرْعِيَّةِ الدُّسْتورِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن