السَّيْطَرَةُ الحُكومِيَّةُ شَرْقًا وَجَنوبًا، وَبِقَدْرِ ما أَجْهَضَتِ المُحاوَلَةَ الانْفِصالِيَّة، فَإِنَّها جَعَلَتِ الوَضْعَ في تِلْكَ المُحافَظاتِ مَفْتوحًا على جَميعِ الاحْتِمالات، لا سِيَّما عَقِبَ قَرارِ إِسْقاطِ عُضْوِيَّةِ عَيْدَروس الزُّبَيْدي، رَئيسِ المَجْلِسِ الانْتِقالِيّ، مِنْ مَجْلِسِ القِيادَةِ الرِّئاسِيّ، واحالَتِهِ إلى المُحاكَمَةِ بِتُهْمَةِ الخِيانَةِ العُظْمى، وَإِعْلانِ غالِبِيَّةِ قِياداتِ المَجْلِسِ حَلَّه، مُقابِلَ رَفْضِ هَذِهِ الخُطْوَةِ مِنَ الجَناحِ الآخَر.
وَفي ظِلِّ غِيابِ أَيِّ رُؤْيَةٍ واضِحَةٍ لِما بَعْدَ حَلِّ المَجْلِسِ الانْتِقالِيّ، وَعَدَمِ وُضوحِ مَصيرِ التَّشْكيلاتِ العَسْكَرِيَّةِ التّابِعَةِ لَه، والتي تَضُمُّ عَشراتِ الآلافِ مِنَ المُقاتِلين، فَإِنَّ أَقْرَبَ تَوْصيفٍ لِما جَرى هُوَ أَنَّ الرِّياضَ أَزاحَتِ الجَناحَ المُؤَيِّدَ لِلإِماراتِ داخِلَ المَجْلِس، وَدَفَعَتْ بِالجَناحِ المُوالي لَها إلى صَدارَةِ المَشْهَد. وَتَعْمَلُ حالِيًّا على إِعادَةِ تَفْكيكِ وَرَسْمِ المَشْهَدِ السِّياسِيّ، في خُطْوَةٍ إِذا نَجَحَتْ فَقَدْ تُسْهِمُ في إِعادَةِ إِحْياءِ المَسارِ السِّياسيِّ لِلسَّلامِ مَعَ الحوثِيّين، الذينَ يُسَيْطِرونَ على أَجْزاءٍ واسِعَةٍ مِنْ شَمالِ البِلاد، بِما في ذَلِكَ العاصِمَةُ صَنْعاء.

وَمَعَ خُروجِ الصِّدامِ على النُّفوذِ بَيْنَ الرِّياضِ وأَبو ظَبي إلى العَلَنِ مُؤَخَّرًا، بَعْدَ سَبْعَةِ أَعْوامٍ على بِدايَتِهِ بَيْنَ العاصِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قادَتا تَحالُفًا عَسْكَرِيًّا في مُواجَهَةِ الحوثِيّينَ والحَدِّ مِنَ النُّفوذِ الإِيْرانيِّ في المِنْطَقَة، يَرى مُراقِبونَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدْفَعُ مَلَفَّ الانْفِصالِ في جَنوبِ اليَمَنِ نَحْوَ مَساراتٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا.
وَإِذا كانَ واضِحًا أَنَّ نُفوذَ الحُكومَةِ المُعْتَرَفِ بِها دَوْلِيًّا قَدْ تَعَزَّزَ خِلالَ الشَّهْرِ الجاري، بَعْدَ سَبْعِ سَنَواتٍ مِنْ تَآكُلِهِ لِصالِحِ المُطالِبينَ بِانْفِصالِ الجَنوب، فَإِنَّ المُؤَشِّراتِ تُفيدُ بِأَنَّ اليَمَن، الذي يُعاني مِنْ تَغْليبِ الانْتِماءِ الجَهَويِّ على حِسابِ الانْتِماءِ الوَطَنِيّ، يَتَّجِهُ نَحْوَ نَموذَجِ الدَّوْلَةِ الاتِّحادِيَّة. وَتَتَبَدّى مَلامِحُ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ تَعْزيزِ حُضورِ التَّشْكيلاتِ الأَمْنِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ في مُحافَظاتِ حَضْرَمَوْتَ وَشَبْوَةَ والمَهْرَةِ.
السُّعودِيَّة، التي تَوَلَّتْ إِعادَةَ تَشْكيلِ المَسارِ السِّياسيِّ في اليَمَنِ عَبْرَ التَّصَدّي لِمُحاوَلَةِ المَجْلِسِ الانْتِقاليِّ الجَنوبيِّ المُطالِبِ بِالِانْفِصال، تَتَحَمَّلُ اليَوْمَ عِبْءَ إِدارَةِ حِوارٍ بَيْنَ مُمَثِّلي القُوى النّافِذَةِ في جَنوبِ وَشَرْقِ البِلاد، لِلخُروجِ بِتَصَوُّرٍ مَقْبولٍ لِمُسْتَقْبَلِ هَذِهِ المَناطِقِ ضِمْنَ إِطارِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّة. غَيْرَ أَنَّ الوَقائِعَ على الأَرْض، واسْتِمْرارَ الحَرْبِ مَعَ الحوثِيّين، لا تُشيرُ إلى أَنَّ ذَلِكَ سَيَتَحَقَّقُ بِسُهولَةٍ.
وَيُجْمِعُ قادَةُ أَحْزابٍ وَمُسْتَشارونَ رِئاسِيّونَ على أَنَّ تَجْرِبَةَ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ وَسِياسَةَ الإِقْصاءِ التي مورِسَتْ عَقِبَ إِجْهاضِ مُحاوَلَةِ الانْفِصالِ الأولى، لِصالِحِ التَّحالُفِ الذي كانَ قائِمًا بَيْنَ الرَّئيسِ اليَمَنيِّ الشَّماليِّ عَلي عَبْد الله صالِح والرَّئيسِ الجَنوبيِّ الأَسْبَقِ عَلي ناصِر مُحَمَّد، قَدْ أَدَّتْ إلى بُروزِ مَظالِمَ وَأَبْعَدَتِ الطَّرَفَ الجَنُوبِيَّ "الحِزْبَ الاشْتِراكِيَّ" الذي شارَكَ في تَأْسيسِ دَوْلَةِ الوَحْدَةِ عَنِ السُّلطَة، وأَنَّ إِقامَةَ دَوْلَةٍ اتِّحادِيَّةٍ وَإِنْهاءَ المَرْكَزِيَّةِ الشَّديدَةِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُحَقِّقَ العَدالَةَ والإِنْصاف.

هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كانَتِ القُوى السِّياسِيَّةُ اليَمَنِيَّةُ قَدْ تَبَنَّتْها خِلالَ مُؤْتَمَرِ الحِوارِ الوَطَنيِّ الذي انْعَقَدَ عامَ ٢٠١٣ وَنَصَّ على إِقامَةِ دَوْلَةٍ اتِّحادِيَّةٍ مِنْ أَقاليمَ عِدَّة، قَبْلَ أَنْ يَجْتاحَ الحوثِيّونَ صَنْعاء، وَتَدْخُلَ البِلادُ في حَرْبٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ لا تَزالُ قائِمَةً نَظَرِيًّا حَتّى اليَوْم، لَكِنَّ بَعْضَ الفَصائِلِ الجَنوبِيَّةِ عارَضَتْ ذَلِكَ وَطالَبَتْ بِتِكْرارِ نَموذَجِ انْفِصالِ جَنوبِ السّودانِ مِنْ خِلالِ فَتْرَةٍ انْتِقالِيَّةٍ لِمُدَّةِ خَمْسَةِ أَعْوامٍ تَنْتَهي بِاسْتِفْتاءٍ على الانْفِصال.
وَفي انْتِظارِ ما سَتُسْفِرُ عَنْهُ نَتائِجُ مُؤْتَمَرِ الحِوارِ الذي تَرْعاهُ السُّعودِيَّة لِحَلِّ قَضِيَّةِ جَنوبِ اليَمَن، والتي ارْتَكَزَتْ على مُخْرَجاتِ حَرْبِ صَيْفِ ١٩٩٤، وَإِخْراجِ الحِزْبِ الاشْتِراكِيِّ مِنَ السُّلطَةِ وَتَسْريحِ قُوّاتِه، سَيَظَلُّ أُفُقُ اليَمَنِ مُلَبَّدًا بِالغُيومِ وَمَفْتوحًا على جَميعِ الاتِّجاهات.. وَمَعَهُ سَيَتَحَدَّدُ مَسارُ العَلاقاتِ بَيْنَ السُّعودِيَّةِ والإِمارات، وَكَذَلِكَ مُسْتَقْبَلُ السَّلامِ مَعَ الحوثِيّينَ بَعْدَ حَرْبٍ مُتَواصِلَةٍ مُنْذُ أَحَدَ عَشَرَ عامًا!.
(خاص "عروبة 22")

