تقدير موقف

مِصْر... عَقيدَةُ "الرَّيْع" تُفاقِمُ الظُّلمَ وَتَدْعَمُ الاستِبْداد!

لَعَلَّ مِصْرَ بِاعْتِبارِها القُطْرَ العَرَبِيَّ الأَكْبَرَ وَالأَضْخَمَ حَجْمًا سُكانًا وَاقْتِصَادًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِها الأَوْسَعَ تَأْثيرًا في أُمَّتِها خُصوصًا على الصَّعيدَيْنِ السِّياسيِّ وَالثَّقافِيّ، هِيَ بِهَذا الثِّقْلِ تُقَدِّمُ الآنَ نَموذَجًا سَلبِيًّا خَطيرًا لِكَيْفَ تَكونُ السِّياساتُ التي تَكادُ تَعْتَمِدُ "الرَّيْعَ" وَسيلَةً مُدَمِّرَةً وَوَحيدَةً لِلدَّخْلِ على حِسابِ "العَمَلِ المُنْتِج"، إِنْ على صَعيدِ الدَّوْلَةِ أَوْ على صَعيدِ أَفْرادِ المُجْتَمَع.

مِصْر... عَقيدَةُ

رُبَّما نَعْلَمُ جَميعًا حَقيقَةَ أَنَّ الاقْتِصادَ القائِمَ على الرَّيْعِ أَساسًا هُوَ ظاهِرَةٌ مُتَفَشِّيَةٌ جِدًّا في الوَطَنِ العَرَبِيّ، لَكِنَّ بَلَدًا بِضَخامَةِ مِصْرَ وَتَنَوُّعِ إِمْكاناتِها المادِّيَّةِ وَالبَشَرِيَّة، مِنَ السَّلبيِّ وَالخَطيرِ جِدًّا أَنْ تَقَعَ حَبيسَةً لِسِياساتٍ هَوْجاءَ تُمَجِّدُ "الرَّيْعَ" في صورَتِهِ البِدائِيَّةِ السّاكِنَة، وَرُبَّما يَضَعُهُ صُنّاعُها مَوْضِعَ التَّقْديسِ وَلا يُبْدونَ أَدْنى اهْتِمامٍ بِالعَمَلِ المُنْتِجِ الذي يُضيفُ إلى الاقْتِصادِ الوَطَنيِّ قِيَمًا وَثَرْوَةً مادِّيَّةً مَلْموسَةً تَتَحَقَّقُ عَبْرَ سِياساتٍ تَنْمَوِيَّةٍ رَشيدَةٍ تَجُرُّ خَلفَها تَطَوُّراتٍ وَقِيَمًا اجْتِماعِيَّةً إِيْجابِيَّةً مَلموسَةً، غَيْرَ أَنَّ ما حَدَثَ وَيَحْدُثُ فِعْلًا أَنَّ المُجْتَمَعَ المِصْرِيَّ دَفَعَ ثَمَنًا باهِظًا جِدًّا وَغَيْرَ مَسْبوقٍ بِسَبَبِ تَفاقُمِ وَاسْتِفْحالِ السِّياسَةِ الرَّيْعِيَّةِ في الِاقْتِصادِ وَانْخِراطِ الدَّوْلَةِ تَمامًا في هَذِهِ السِّياسَة حالِيًّا.

طَبْعًا غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ أَنَّ اسْتِفادَةَ الدَّوْلَةِ مِنْ رَيْعِ الثَّرَواتِ الطَّبيعِيَّةِ لِلبِلادِ وَما يُمَيِّزُها مِنْ خَصائِص، لَيْسَ مَمْنوعًا أَبَدًا إِنَّما واجِبٌ دائِمٌ عَلَيْها أَنْ تُنَمِّيَ هَذِهِ الثَّرَواتِ وَتُعَظِّمَ عَوائِدَها، غَيْرَ أَنَّ اعْتِبارَها مَصْدَرًا وَحيدًا لا يَنْضُبُ لِلرِّزْقِ وَإِهْمالَ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ لِإِنْتاجِ وَخَلْقِ مَصادِرَ مُسْتَحْدَثَةٍ أُخْرى لِلثَّرْوَة، إِنَّما يُلْحِقُ أَشَدَّ الضَّرَرِ بِالمُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ مَعًا في الحاضِرِ وَالمُسْتَقْبَل.

صارت الدولة المصرية كسمسار أراضٍ يُبدّد إمكانات وثروات البلاد في مشاريع لا تدرّ أي عوائد تنموية

إِنَّ أَقْوى الأَدِلَّةِ على تَحَوُّلِ "الرَّيْعِ" في مِصْرَ على مَدى السِّنينَ العَشْرِ الأَخيرَةِ بِالذّاتِ إلى بَقَرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَعَقيدَةٍ رُبَّما تَرْقى إلى مُسْتَوى الإِيمانِ الدّينِيّ، هُوَ اعْتِمادُ الحُكْمِ وَصُنّاعِ سِياساتِهِ شِبْهَ المُطْلَقِ على مَصادِرِ دَخْلٍ كُلِّها رَيْعِيَّةٌ صِرْفَةٌ خُصوصًا تِلكَ المُقَوَّمَةَ بِالعُمُلاتِ الأَجْنَبِيَّة، مِنْ نَوْعِ مَداخيلِ قَناةِ السُّوَيْس (٥ - ٦ مِلياراتِ دولارٍ سَنَوِيًّا) وَتَحْويلاتِ المِصْرِيّينَ العامِلينَ في الخارِجِ (بَلَغَتِ العامَ الماضي نَحْوَ ٣٤ مِليارَ دولار) وَالسِّياحَةِ التي وَصَلَتْ عَوائِدُها إلى ١٨ مِليارَ دولار، فَضْلًا عَنِ الاعْتِمادِ شِبْهِ الكُلّيِّ على القُروضِ قَصيرَةِ الأَجَلِ باهِظَةِ الكُلْفَة (وَصَلَ إِجْمالِيُّها العامَ الماضي إلى ما يَرْبو على ٤٢ مِليارَ دولار) ذَهَبَتْ كُلُّها لِخِدْمَةِ أَعْباءِ الدَّيْنِ الخارِجيِّ الضَّخْم (دُيونٌ تَخْدُمُ دُيونًا) إِذْ قَفَزَ حَجْمُ الدُّيونِ الخارِجِيَّةِ بِشَكْلٍ جُنونِيٍّ على مَدى سَنَواتِ العَقْدِ الأَخيرِ فَقَطْ إلى أَكْثَرَ مِنْ ١٦٥ مِليارَ دولارٍ تَبَدَّدَتْ كُلُّها في مَشاريعَ عَقارِيَّةٍ غَيْرِ إِنْتاجِيَّةٍ مِنْ شاكِلَةِ "العاصِمَةِ الإِدارِيَّة" وَمُدُنٍ أُخْرى عَديدَةٍ تَتَمَدَّدُ على كامِلِ خَريطَةِ البِلاد، خُصوصًا على السَّواحِلِ مِثْلَ مَدينَةِ "العَلَمَيْنِ الجَديدَة" على ساحِلِ البَحْرِ المُتَوَسِّط، وَمَدينَةِ وَمُنْتَجَعِ "جَبَلِ الجَلالَة" على ساحِلِ البَحْرِ الأَحْمَر، وَمَشْروعِ القِطارِ السَّريعِ الرّابِطِ بَيْنَ مُنْتَجَعاتِ البَحْرَيْنِ الأَبْيَضِ وَالأَحْمَر... ثُمَّ اللَّجوءِ أَخيرًا إلى بَيْعِ أَجْزاء مُتَمَيِّزَة مِنْ أَراضي إِقْليمِ الدَّوْلَة!.

لَقَدْ صارَتِ الدَّوْلَةُ المِصْرِيَّةُ في ظِلِّ هَذِهِ السِّياساتِ الرَّعْناءِ تَبْدو كَسِمْسارِ أَراضٍ أَوْ "مُطَوِّرٍ عَقارِيٍّ" هائِلٍ يُبَدِّدُ إِمْكاناتِ وَثَرْواتِ البِلادِ الطَّبيعِيَّةَ وَالبيئِيَّةَ في مَشارِيعَ كُلُّها تَقْريبًا تَجَمُّعَاتٌ سَكَنِيَّةٌ فارِهَةٌ وَفَخْمَةٌ جِدًّا وَلا تُدِرُّ أَيَّ عَوائِدَ تَنْمَوِيَّةٍ وَلا تَتَناسَبُ بِالمَرَّة مَعَ الواقِعِ شَديدِ المَرارَةِ الذي تَتَرَدّى فيهِ حالِيًّا الأَغْلَبِيَّةُ السّاحِقَةُ مِنْ أَعْضاءِ المُجْتَمَعِ المِصْرِي.

أغلب المصريين يفترسهم "الفقر المدقع" بينما تُقاسي أقليّتهم "الفقر العادي"

إِنَّ الآثارَ المُدَمِّرَةَ لِلتَّوَسُّعِ الأَخْرَقِ في اتِّباعِ سِياسَةِ "الرَّيْعِ" لَمْ تَقْتَصِرْ على الِاقْتِصادِ فَحَسْب، بَل طالَتْ بِالتَّخْريبِ المُسْتَوَيَيْنِ الاجْتِماعِيَّ وَالسِّياسِيَّ أَيْضًا، فَفي حينِ أَدّى إِلحاقُ الأَذى واسِع النِّطاقِ بِقُدْرَةِ الِاقْتِصادِ الوَطَنيِّ على إِنْتاجِ المَزيدِ مِنَ الثَّرْوَة، فَإِنَّ نَتائِجَ ذَلِكَ ظَهَرَتْ بِشَكْلٍ تِلقائِيٍّ على قِطاعاتٍ واسِعَةٍ جِدًّا مِنْ شَرائِحَ وَطَبَقاتِ المُجْتَمَعِ التي تَئِنُّ حالِيًّا تَحْتَ وَطْأَةِ إِفْقارٍ شَديدٍ مُتَسارِعِ الوَتيرَة، فَقَدِ انْزَلَقَتْ أَغْلَبِيَّةُ هَذِهِ الطَّبَقاتِ إلى قاعِ هُوَّةٍ سَحيقَةٍ مِنَ الفَقْرِ المُدْقِعِ بَعْدَما كانَ أَفْرادُها يَتَمَتَّعونَ بِبُحْبوحَةٍ نِسْبِيَّةٍ يُوَفِّرُها لَهُمْ وُجودُهُمُ الأَصيلُ ضِمْنَ شَرائِحِ طَبَقَةٍ وُسْطى تَكادُ الآنَ أَنْ تَضْمَحِلَّ تَمامًا.

تَقولُ أَحْدَثُ تَقاريرِ "البَنْكِ الدَّوْلي" أَنَّ نِسْبَةَ وَمُعَدَّلاتِ الفَقْرِ في مِصْرَ تَفاقَمَتْ بِسُرْعَةٍ شَديدَةٍ حَتّى بَلَغَتْ حالِيًّا نَحْوَ ٦٦.٢% مِنْ إِجْماليِّ عَدَدِ السُّكّان!، غَيْرَ أَنَّ هُناكَ فَريقًا آخَرَ وَكَبيرًا مِنَ الِاقْتِصادِيّينَ المِصْرِيّينَ يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ التي يَقولُها البَنْكُ الدَّوْلِيُّ مُتَواضِعَةٌ جِدًّا قِياسًا على الحَقيقَةِ القائِمَةِ في الواقِعِ حَيْثُ لا تَقِلُّ هَذِهِ النِّسْبَةُ عَنْ ٨٦% مِنَ المِصْرِيّينَ أَغْلَبُهُمْ يَفْتَرِسُهُمْ حالِيًّا "الفَقْرُ المُدْقِعُ" بَيْنَما تُقاسي أَقَلِّيتُهُم "الفَقْرَ العادِي"!.

على كُلِّ حَالٍ فَقَدْ أَدَّتْ عَقيدَةُ "تَمْجيدِ الرَّيْع" إلى صُعودٍ صاروخِيٍّ لِعَوائِدِ المِلْكِيَّةِ على حِسابِ العَمَل، وَهُوَ أَمْرٌ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِبَلاغَةٍ هُبوطُ نِسْبَةِ الأُجورِ في إِجْماليِّ الدَّخْلِ القَوْميِّ إلى ٢٥% مِنْ نَحْوِ ٤٠%!.

في ظلّ عقيدة "الرّيع" أصبح الاستبداد أشدّ قسوة وأعمق تمترسًا في بنية الحكم الحالي في مصر

وَما يُؤَكِّدُ أَنَّ تَمْجيدَ المِلْكِيَّةِ وَتَعْميمَ سِياسَةِ الرَّيْعِ على المُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ وَلَيْسَ فَقَطْ ما يَخُصُّ الِاقْتِصادَ العُمومِيّ، وَيُشيرُ كَذَلِكَ إلى أَنَّ صُنّاعَ هَذِهِ السِّياسَةِ يُنْزِلونَها مَنْزِلَةَ العَقيدَةِ الدّينِيَّة، هُوَ المَوْقِفُ الحُكومِيُّ الأَرْعَنُ وَغَيْرُ الرَّشيدِ مِنْ قَضِيَّةِ قانونِ الإِيجاراتِ القَديمَة، إِذْ أَصَرَّتْ لَيْسَ فَقَطْ على مُضاعَفَةِ قيمَةِ الإيجاراتِ وَالقَفْزِ بِها ـ قانونًا ـ إلى قِيَمٍ جُنونِيَّة، وَإِنَّما أَيْضًا مَنْحَ مُلّاكِ العَقاراتِ ميزَةَ إِنْهاءِ كُلِّ عُقودِ الإيجارِ في وَحَداتِهِم المُؤَجَّرَةِ مَرَّةً واحِدَةً وَفي زَمَنٍ واحِد! وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ مَثيلٌ في كُلِّ دُوَلِ العالَمِ التي تَصَدَّتْ لِعِلاجِ آثارِ تَغَيُّرِ الظُّروفِ الِاقْتِصادِيَّةِ بِمُرورِ الزَّمَنِ وَمِنْ ثَمَّ تَراجَعَتِ القيمَةُ الحَقيقِيَّةُ لِلإيجارات... بَعْضُها دُوَلٌ غَرْبِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ جِدًّا وَرَأْسْمالِيَّةٌ تَمامًا مِثْلَ فَرَنْسا وَأَلمانِيا!.

إِنَّهُ نَموذَجٌ فاضِحٌ لِلمَدى الذي ذَهَبَ إِلَيْهِ الحُكْمُ الحالِيُّ في مِصْرَ في مَسْأَلَةِ الالتِزامِ المُطْلَقِ بِالِاقْتِصادِ الرَّيْعيِّ عُمومًا وَالعَقاريِّ مِنْهُ بِالذّات، وَهُوَ الآنَ يُمارِسُ دَوْرَهُ كَشَرِكَةٍ عَقارِيَّةٍ تَسْعى لِتَعْظيمِ رِبْحِها عَنْ طَريقِ مُمارَسَةِ أَسْوَأ صُوَرِ الاحْتِكار... هُنا يَبْدو الأَثَرُ السِّياسِيُّ جَلِيًّا واضِحًا، فَهُوَ كانَ حاضِرًا بِقُوَّةٍ قَبْلَ اعْتِمادِ وَحْدانِيَّةِ سِياسَةِ "الرَّيْعِ" في الِاقْتِصاد، لَكِنَّهُ في ظِلِّ عَقيدَةِ "الرَّيْعِ" هَذِهِ أَصْبَحَ الاسْتِبْدادُ أَشَدَّ قَسْوَةً وَأَعْمَقَ تَمَتْرُسًا في بُنْيَةِ الحُكْم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن