هَذا التَّفْكيرُ الإِنْسانِيُّ المُنْتِجُ لِلفِكْرِ النَّظَرِيِّ وَالعَمَلِيِّ مَعًا، باتَ في العَقْدِ الأَخيرِ يَتَفاعَلُ مُباشَرَةً مَعَ مُنْتَجِهِ الآلِيِّ الذَّكِيّ، بشَكْلٍ واسِع. الأَمْرُ الذي يَعْني أَنَّهُ قابِلٌ لِلتَأَثُّرِ بِه، وَقَدْ يَسْتَحْوِذُ عَلَيْهِ في تَمَثُّلاتٍ فِكْرِيَّةٍ صُنْعِيَّةٍ عِدَّة، كَما عَرَضْنا في المَقالِ السّابِق. الخُطورَةُ هُنا، هِيَ أَنَّ التَّفْكيرَ البَشَرِيَّ خاصَّةً غَيْرَ الفاعِلِ والضَّعيفَ أو غيرَ المُنْتِجِ لِلمَعْرِفَة، أو الذي لا يَعي كَيْفَ يَتَعامَلُ جَيِّدًا مَعَ التَّفْكيرِ الآلِيّ؛ يَقَعُ في مَغَبَّةِ التَّبَعِيَّةِ لِآلِيَّةِ تَفْكيرِ الخَوارِزْمِيّات، وَيَتَنَمْذَجُ ضِمْنَ تَوْجيهاتِها، خُصوصًا حينَ يتّكِلُ عَلَيْها كُلِّيًّا في السِّياقاتِ وَالمَرْجِعِيّاتِ المَعْرِفِيَّة. لِذا، يَتَنامى الخَوْفُ لَدى كثيرٍ مِنَ الباحِثينَ وَالمُهْتَمّينَ بِمَصيرِ العَقْلِ وَالتَّفْكيرِ البَشَرِيِّ الطَّبيعِيِّ جرّاءَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ المُحْتَمَلَة، عِنْدَ اسْتِخْدامِنا لِذَكائِنا الاصْطِناعِيّ...
كَيْفَ نَحْمي تفكيرَنا البَشَرِيَّ الطَّبيعِيّ، إذًا؟ وَهُوَ الذي فُطِرْنا عَلَيْه، وَتَنْمو قُدُراتُهُ حَسَبَ تَجارِبِنا اليَوْمِيَّةِ وَاهْتِماماتِنا الشَّخْصِيَّة، وَتَتَطَوَّرُ وِفْقَ تَحاوُرِنا العَقْلِيِّ مَعَ مُخْتَلَفِ مُتَعَلِّقاتِ الحَياةِ سَلْبًا وَإيجابًا... كَيْفَ نُسْلِمُ وَعْيَنا الإِنْسانِيَّ الطَّبيعِيَّ لِآلَةٍ مُبَرْمَجَةٍ رَقْمِيًّا؟!... وَهِيَ مَهْما ادَّعَتْ مِنْ "ذَكاءٍ" وَإِمْكاناتٍ عَقْلِيَّةٍ بَرْمَجِيَّة، تَظَلُّ آلَةً صَمّاءَ مِنْ صُنْعِ الإِنْسان.
لا يمتلك الذكاء الاصطناعي شيئًا من قدرات الإنسان البحتة غير أنه يتفوّق عليه في خصائصه الآلية البرمجية
إِنَّ التَّفْكيرَ البَشَرِيَّ السَّليمَ يَقومُ بِطَبْعِهِ على أُسُسِ الفَهْمِ الطَّبيعِيّ، وجُهْدِ التَّعَلُّمِ بِالتَّجْرِبَةِ وَالقَصْدِ وَالاخْتِيار، بِما يَشْمَلُ ذَلِكَ مِنْ مَخاضِ العَلاقَةِ بَيْنَ الطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ وَطَبيعَةِ الأَشْياءِ الأُخْرى؛ فَالإِنْسانُ مَصْحوبٌ عادَةً بِمَشاعِرِهِ وَأَحاسيسِه، وقَلَقِه، وانْشِغالِهِ الذّاتيّ، إلى جانِبِ إِيحاءاتِ خَيالِهِ وَعاطِفَتِه. كَما أنّهُ يَرْتَبِطُ وَثيقًا بِمَبادِئِه وَقِيَمِهِ وعاداتِهِ وتَقاليدِهِ وَأَعْرافِه، وَعُمومِ ثَقافَتِهِ التي تُجَسِّدُ شَخْصِيَّتَهُ وَهُوِيَّتَهُ وَمَكانَتَهُ في الحَياة. يَقومُ إِبْداعُ الإِنْسانِ أَساسًا على مَلَكَتِهِ العَقْلِيَّةِ واسْتِعْدادِهِ النَّفْسِيّ؛ فِطْنَتِه، وَشَكِّه، وَنَقْدِه، وَحَدْسِه، فَيُمْكِنُ للفَرْدِ المَوْهوبِ والمُثابِرِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلى الإِبْداعِ الحَقيقِيِّ غيرِ المُصَنَّعِ مِنْ قِبَلِ الآخَرين، فَيَكونُ لَهُ السَّبْقُ في الابْتِكارِ وَالتَّنْظيرِ وَالتَّأْويلِ وَالفَصْلِ في قَضايا شائِكَة، وَالتَّوَصُّلِ إلى أَحْكامٍ نهائيّةٍ وِفْقَ مُقَرَّراتٍ إِنْسانِيَّةٍ أَوْ حَقائِقَ عِلْمِيَّةٍ أَوْ أَنْماطٍ أَخْلاقِيَّة...
في المُقابِل، لا يَمْتَلِكُ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ القُدراتِ الإِنْسانِيَّةِ البَحْتَة. غيرَ أنّه يَتَفَوَّقُ على الإِنْسانِ في خَصائِصِهِ الآلِيَّةِ البَرْمَجِيَّة؛ إذْ يَقومُ تَفْكيرُهُ على العَمَلِيّاتِ الرِّياضِيَّة، والإِحْصائِيَّة، ومُعالَجَةِ البَياناتِ بِسُرْعَةٍ فائِقَةٍ جِدًّا، ويُحَلّلُ المُعْطَياتِ بِدِقّةٍ مُتَناهِيَة، وَيَكْتَشِفُ الأَنْماطَ بِسُرْعَة... وَلَوْ أَنَّهُ لا يَعي مِمّا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلا يَفْهَمُ بِالمَعْنى الإِنْسانِيِّ لِلفَهْم. بَل نَجِدُهُ يُقَلِّدُ الإِنْسان، ويُحاكي فَهْمَهُ لِلأَشْياء...
حينَ نُفَكِّرُ في التَّفْكيرِ الإِنْسانِيّ، نَحْنُ نُفَكِّرُ في العُمْقِ وَالمَعْنى الحَقيقِيِّ للنَّظَرِ وَالنَّتيجَة، بَيْنَما حينَ نُفَكِّرُ في الآلَةِ الذَّكِيَّةِ فَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنِ الحَوْسَبَةِ والذَّكاءِ الرِّياضِيِّ المُمَيْكَن.
منطلق العمل الذكي يبدأ من الإنسان وينتهي به
على ذَلِك، فالعَلاقَةُ هِيَ تَعاوُنِيَّةٌ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، حَيْثُ إِنَّ العُنْصُرَ البَشَرِيَّ يُحَدِّدُ المَطْلوبَ ويُوَجِّهُ السِّياق، بَيْنَما العُنْصُرُ الآلِيُّ الذَّكِيُّ يُحَلِّلُ البَياناتِ في شتّى أَشْكالِها نَصًّا وصَوْتًا وصورَةً وحَرَكَة... ويُعْطي النَّتائِجَ لِلإِنْسانِ الذي بِدَوْرِهِ يَتَّخِذُ قَراراتِهِ النِّهائِيَّة. وَقَدْ يُقارِنُ وَيُكوِّنُ فَهْمَهُ الخاصّ، ويُقَيِّمُ التَّجْرِبَة، إلخ... الإِنْسانُ يَصوغُ الأَسْئِلَةَ وَيَضَعُ الافْتِراضات، وَالذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ يُعالِجُ ويُحلِّلُ وَيُنَمْذِج، لِيَأْتِيَ الإِنْسانُ المُسْتَخْدِمُ أَوِ الباحِثُ فيُفسِّرَ النَّتائِج، ويَصِلَ إلى الحُكْمِ على المَوْضوعاتِ قيْدَ البَحْث.
إِنَّ الإِنْسانَ يَقْوى بِاسْتِخْدامِهِ الأَمْثَلِ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ؛ يَتَكامَلُ عمَلُه بِه، ويُثْمِرُ الجُهْدُ بَيْنَ العُنْصُرَيْنِ الذَّكِيَّيْنِ العَقْلِ البَشَرِيِّ وَالعَقْلِ الآلِيِّ (الخوارزميّة)، فَتَظْهَرُ القُوَّةُ الحَقيقِيَّةُ والميزَةُ المُتَطَوِّرَةُ لَهُما مَعًا. تَتَّسِعُ قُدراتُ التَّفْكيرِ البَشَرِيِّ حينَ يَكونُ الإِنْسانُ مُدْرِكًا لِكَيْفِيَّةِ اسْتِخْدامِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيُّ إيجابيًّا، وَلا يَتَنَمَّطُ في تَفْكيرِهِ بِنَماذِجِهِ ومُعْطَياتِهِ مِنْ دونِ اتِّخاذِ قَراراتِهِ بِنَفْسِه، بَلْ يُعَزِّزُ عَمَلَهُ مُسْتَفيدًا مِنْ سُرْعةِ الآلَةِ الذَّكِيَّةِ في البَحْثِ عَنِ المَعْلوماتِ وَأَنْماطِ المَعْرِفَةِ وَكَشْفِ العَلاقاتِ الخَفِيَّة، فيُقلّلُ مِنْ بَذْلِ الجُهْدِ ويُحقِّقُ غاياتِهِ بدِقّة. إِنَّ مُنْطَلَقَ العَمَلِ الذَّكِيِّ يَبْدَأُ مِنَ الإِنْسانِ وَيَنْتَهي بِهِ أَيْضًا. فَهُوَ الذي يُحَدِّدُ الأَهْدافَ ويَضْبُطُ القِيَمَ ويَضَعُ الحُدودَ الأَخْلاقِيَّة، وَلَيْسَ على الآلَةِ الذَّكِيَّةِ سِوى تَنْفيذِ الأَوامِرِ الإِنْسانِيَّةِ وِفْقَ بَرْمَجِيّاتٍ مُحْكَمَة، في النَّماذِجِ وَالأُطُرِ وَالقَواعِدِ الحَوْسَبِيَّة.
يجب أن نفكّر مع الذكاء الاصطناعي لا به
على ما تَقَدَّم، وَلِأَجْلِ حِمايَةِ تَفْكيرِنا البَشَرِيِّ مِنْ هَيْمَنَةِ الآلَةِ الذَّكِيَّة، عَلَيْنا ما يَلي:
1 - الاعْتِزازُ بِعَقْلِنا الطَّبيعِيّ، وَأَلّا نَسْتَهينَ بِهِ أَمامَ القُدْرَةِ الذَّكِيَّةِ المُصَنَّعَة.
2 - أَلّا نَجْعَلَ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ يفكِّرُ بدَلًا عَنّا. بَل نَشْحَذُ ذِهْنَنا قَدْرَ الإِمْكان.
3 - أَنْ نَسْتَخْدِمَ التَّطْبيقَ الذَّكِيَّ وَسيلَةً للاستعانَةِ بِهِ فَحَسْب؛ مَعَ إخضاعِ نَتائِجِهِ لِلمُراجَعَةِ وَالتَّأَكُّدِ مِنْ صِحَّتِها، ما أَمْكَن.
4 - تَحْديدُ الأَهْداف، وَمُراعاةُ المَبادِئِ وَالقِيَمِ الأَخْلاقِيَّة وقِيَمِ المُجتمعِ الإيجابِيَّة.
5 - أَنْ نَتَّخِذَ قَراراتِنا بِأَنْفُسِنا، ونُقارِنَ النَّتائِجَ الآلِيَّة، وَنَسْتَخْدِمَ المَرْجِعِيّاتِ المُعْتَمَدَة.
أَخيرًا، لا يَنْبَغي أَنْ نَجْعَلَ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ يَعْمَلُ نائِبًا عَنّا، وَيَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ مَعَهُ لا بِه، بِمَعْنى نَسْتَخْدِمُهُ كَوَسيلَةٍ فقط، لِتَوْسيعِ الأُفُقِ المَعْرِفِيّ، بِاكْتِسابِ المَعْلوماتِ وَالقِيامِ بِالمُقارَنات، وَعَرْضِ التَّحْليلاتِ ذاتِ العَلاقَةِ بِسُرْعَةٍ وَدِقَّة. وَيَظَلُّ الاعْتِمادُ النِّهائِيُّ على القَرارِ وَالحُكْمِ الإِنْسانِيّ، وَلَيْسَ الآلِيّ.
(خاص "عروبة 22")

