مراجعات

"سِلاحُ الكَلِمَة" في زَمَنِ الإِبادَةِ الجَماعِيَّة: لينا مَرْواني نَموذَجًا!

منعم دائخة

المشاركة

في حِوارٍ جَمَعَ بَيْنَ الفَنِّ والأَدَبِ والذّاكِرَةِ في العاصِمَةِ التّشيلِيَّةِ سانْتِياغو، وَقَّعَتِ الكاتِبَةُ التّشيلِيَّةُ مِنْ أَصْلٍ فِلَسْطيني لينا مَرْواني كِتابَها الصّادِرَ حَديثًا "قَتْلُ كُلِّ شَيْء: كِتاباتٌ في زَمَنِ الإِبادَةِ الجَماعِيَّة"، حَيْثُ تَسْتَعْرِضُ في هَذا الكِتابِ جُمْلَةً مِنَ النُّصوصِ الأَدَبِيَّةِ والتَّقاريرِ والقِصَصِ القَصيرَةِ والقَصائِدِ والمَقالاتِ التي تَحْكي مَأْساةَ فِلَسْطينَ تَحْتَ وَقْعِ الحِصارِ والقَصْفِ وَمَشاهِدِ الدَّمارِ وَمُقاوَمَةِ النّاسِ في حَياتِهِم اليَوْمِيَّة.

الكِتابُ الذي نَشَرَتْهُ "دارُ الشَّوْك" وَوَقَّعَتْهُ مَرْواني في مُنْتَصَفِ نوفَمْبِر/تِشْرين الثّاني 2025 في سانْتِياغو، افْتَتَحَتْ مَرْواني مُقَدِّمَتَهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَأْساوِيَّة: "إِنَّهُمْ يُبيدونَهُمْ جَميعًا. إِنَّهُمْ يُبيدونَ كُلَّ شَيْء".

وَعَبْرَ صَفَحاتٍ يَتَناوَبُ فيها الخِطابُ النَّقْدِيُّ مَعَ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّة، تَكْشِفُ مَرْواني عَنِ الآلِيَّةِ التي هَيْمَنَ بِها العَدُوُّ على حَياةِ النّاس، وَكَيْفَ جَرَّدَهُمْ مِنْ كُلِّ القِيَمِ الإِنْسانِيَّةِ وَتمّ إسكاتُهُم وتَهميشُهُم عَبْرَ الخِطاباتِ الاسْتِعْمارِيَّةِ التي سَوَّغَتْ وَبَرَّرَتْ لِلِاحْتِلالِ إِبادَتَهُ الجَماعِيَّةَ في "حَفْلَةِ شِواء" صاخِبَةٍ شَهِدَها العالَمُ بِأَسْرِه، على الرَّغْمِ مِنْ فَرْضِ الرِّقابَةِ على وَسائِلِ الإِعْلامِ في الغَرْب.

إبادة الوجود الإنساني في أبعاده الرمزية والثقافية والجسدية والأخلاقية

"حَفْلَةُ الشِّواء" التي أَقامَها الاحْتِلالُ على شَرَفِ الدَّمِ الفِلَسْطيني وُصِفَتْ في أَدَبِيّاتِ المُقاوَمَةِ بِالإِبادَةِ الجَماعِيَّة، لَكِنَّ الكاتِبَةَ مَرْواني تَسْتَعيضُ عَنْ هَذا المُصْطَلَحِ الذي اجْتَرَحَهُ وَصاغَهُ المُحامِيُّ البولَنْدِيُّ رافايِل ليمْكين (Raphaël Lemkin) بِمُصْطَلَحٍ آخَرَ هُوَ: "ominicidio" وَمَفادُهُ أَنَّ إِبادَةَ الوُجودِ الإِنْسانيِّ في أَبْعادِهِ الرَّمْزِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ والأَخْلاقِيَّةِ تَتَجاوَزُ المَعْنى اللَّصيقَ بِمَفْهومِ الإِبادَةِ الجَماعِيَّةِ الكْلاسيكِيّ. يُشيرُ هَذا المُصْطَلَحُ إلى تَقْويضِ الوُجودِ الإِنْسانيِّ في أَرْضٍ وَمَكانٍ ما، ماحِيًا كُلَّ أَثَرٍ بَشَرِيٍّ وَثَقافِيٍّ وَرَمْزِي، وَمُلْغِيًا بِذَلِكَ كُلَّ القِيَمِ الإِنْسانِيَّةِ والأَخْلاقِيَّةِ لَدى شَعْبٍ أَوْ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَم.

وَبِحَسَبِ هَذا المُصْطَلَح، لَمْ تَقْتَصِرْ عَمَلِيّاتُ الاحْتِلالِ على قَتْلِ الأَفْرادِ وَعائِلاتِهِمْ فَحَسْب، بَلِ اتَّسَعَتْ لِتَشْمَلَ القَضاءَ على مُجْمَلِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ التي تَقومُ عَلَيْها حَياتُهُم، مِنْ مَنازِلِهِمْ وَبُيوتِهِم، وَمُؤَسَّساتِهِمُ السِّياسِيَّةِ والتَّعْليمِيَّةِ والثَّقافية، وَذاكِرَتِهِمْ وَتارِيخِهِم، وَأَراضيِهِمُ الزِّراعِيَّةِ وَمِياهِهِمْ وَهَوائِهِم.

وَمِنْ بَيْنِ القَضايا التي تَتَناوَلُها مَرْواني، مُقابَلَةٌ مُثيرَةٌ لِلْجَدَلِ أَجْرَتْها "هَيْئَةُ الإِذاعَةِ البَريطانِيَّةُ" (بِي. بِي. سِي) مَعَ السَّفيرِ الفِلَسْطينيِّ لَدى المَمْلَكَةِ المُتَّحِدَةِ حُسام زُمْلُط، واسْتِجْواباتٌ وُصِفَتْ بِـ"المَكارْثِيَّة" لِرَئيساتِ جامِعاتٍ أَميرْكِيَّة، إِضَافَةً إلى اعْتِقالِ ناشِطينَ في جامِعَةِ كولومْبيا كَما حَدَثَ مَعَ الكاتِبِ العِراقيِّ والبْروفيسور سِنان أَنْطون وَمَجْموعَةٍ مِنَ المُتَضامِنينَ مَعَ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة.

كَما لَمْ تَغْفَلْ لينا مَرْواني في مُقارَبَتِها النَّقْدِيَّةِ عَنِ البُعْدِ الكولونْيالي؛ لِتَشْمَلَ قارَّةَ أَميرْكا اللّاتينِيَّة، مُسْتَحْضِرَةً التَّحالُفاتِ التّاريخِيَّةَ بَيْنَ إِسْرائيلَ وَدُوَلٍ مِثْلَ غْواتيمالا، التي ارْتَكَبَتْ إِبادَةً جَماعِيَّةً بِحَقِّ شَعْبِ المايا.

وَيُوَثِّقُ الكِتابُ أَيْضًا صُوَرًا فَنِّيَةً جَسَّدَها الفَنّانُ التّْشيلي راوول سالاثار أَغيليرا عَنْ مَشاهِدَ مِنَ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ في غَزَّة: أُسَرٌ تَعودُ إلى بُيوتٍ مُهَدَّمَة، أَطْفالٌ يَلْعَبونَ بَيْنَ الأَنْقاض، جُنودٌ يُضَيِّقونَ على المَدَنِيّين، وَفَلّاحُونَ يَغْرِسونَ أَشْجارَ الزَّيْتونِ بِوَصْفِها فِعْلًا رَمْزِيًّا لِلْمُقاوَمَة. هَذِهِ الصُّوَرُ في نَظَرِ لينا مَرْواني لا تَكْتَفي بِمُرافَقَةِ النُّصوصِ وَتَوْضيحِها، بَلْ تُسْهِمُ في الكَشْفِ عَنْ زَوايا أُخْرى مِنَ الحَياةِ في ظِلِّ إِبادَةٍ كَهَذِه، كَما تُجَسِّدُ الأَمَلَ في أَنْ يُوضَعَ لِهَذا التَّوَحُّشِ حَدٌّ أَمامَ صَمْتِ وَتَخاذُلِ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ.

وَفي حِوارٍ أُجْرِيَ مَعَها في مَوْقِعِ "latercera" الثَّقافيِّ في 22 نوفَمْبِر/تِشْرين الثّاني بَعْدَ حَفْلِ تَوْقيعِ الكِتابِ والنَّدْوَةِ الثَّقافِيَّةِ التي صاحَبَتِ الحَفْل، سُئِلَتْ مَرْواني عَنْ هُجومِ حَرَكَةِ "حَماس" في 7 أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّل 2023 والدَّوْرِ الذي لَعِبَتْهُ في هَذِهِ الأَزْمَة، أَجابَتْ مَرْواني بِأَنَّ هَذا الهُجومَ اسْتَخْدَمَتْهُ إِسْرائيلُ لِتَبْريرِ هُجومِها الوَحْشيِّ وارْتِكابِ أَسْوَأَ إِبادَةٍ جَماعِيَّةٍ عَرَفَها التارِيخُ المُعاصِر. وَهُوَ الأَمْرُ الذي دَفَعَ القُوَى الاسْتِعْمارِيَّةَ إلى دَعْمٍ لا مَحْدودٍ لِلْكَيانِ الصُّهْيونيِّ في تَجاهُلٍ تامٍّ لِقَراراتِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ في تَقْريرِ المَصيرِ وَمُقاوَمَةِ الِاحْتِلال. تَرَى مَرْواني أَنَّهُ سَواءٌ أَعْجَبَتْنا أَساليبُ "حَماس" أَمْ لَمْ تُعْجِبْنا فانَّهُ فَصيلٌ سِياسِيٌّ ــ داخِلَ العالَمِ العَرَبي ــ مُنْخَرِطٌ في حَرَكَةِ التَّحَرُّرِ الوَطَنيِّ الفِلَسْطينِيّ.

تناقُض صارِخ في نقد مثقفين هجوم "حماس" لكنهم لم يتحدثوا عن الإبادة والجثث والأشلاء المدنية

كَما وَضَعَتْ مَرْواني في عَيْنِ الِاعْتِبارِ مَواقِفَ المُثَقَّفينَ والكُتّاب، خُصوصًا اليَسارِيونَ مِنْهُمُ الذينَ صَمَتوا عَنْ جَرائِمِ الاحْتِلال، حَيْثُ لَجَأَ بَعْضُ الصَّحافِيّينَ والمُثَقَّفينَ لِحيلَةِ عَدَمِ فَهْمِ الوَضْعِ داخِلَ الأَراضي الفِلَسْطينِيَّةِ مُتَنَصِّلينَ مِنْ مَواقِفِهِمُ التي تَعَوَّدوا على تَرْديدِها وَتِكْرارِها في مَواطِنَ أُخْرى، رُبَّما كانَتْ مَواقِفُهُمْ خَجولَةً وَصادِمَةً خَشْيَةً مِنْ قَطْعِ التَّمْويلِ عَنْهُمْ مِنَ المُؤَسَّساتِ التي يَتْبَعونَها، وفق مَرْواني، التي تَتَساءَلُ في الآنِ نَفْسِه: أَيْنَ هِيَ حُقوقُ الإِنْسانِ التي كانوا يُدافِعونَ عَنْها؟.

وَتُشيدُ مَرْواني بِمَواقِفِ المُؤَرِّخِ الإِسْرائيلي إِيلان بابيه وَفَضْحِهِ لِسَرْدِيّاتِ الاحْتِلالِ تاريخِيًّا وَثَقافِيًّا، الأَمْرُ الذي فَضَحَ لَفيفًا مِنَ المُثَقَّفينَ في تَناقُضِهِمُ الصّارِخِ في نَقْدِهِمْ لِهُجومِ حَرَكَةِ "حَماس" الذي خَلَّفَ قَتْلى وَجَرْحى وَمُحْتَجَزِين، لَكِنَّ هَؤُلاءِ المُثَقَّفينَ لَمْ يَتَحَدَّثوا عَنِ الأَطْفالِ والنِّساءِ المُحْتَجَزِينَ في سُجونِ الاحْتِلالِ مُنْذُ سَنَواتٍ طِوال، وَلَمْ يَتَحَدَّثوا أَيْضًا عَنِ الإِبادَةِ الشّامِلَةِ والجَماعِيَّةِ وَعَنِ الجُثَثِ والأَشْلاءِ المَدَنِيَّةِ تَحْتَ الأَنْقاض. تَخْتِمُ مَرْواني قَوْلَها: "لا عُذْرَ لِلصَّمْت، بَيْنَما تَعِجُّ مَواقِعُ التَّواصُلِ الاجْتِماعيِّ بِهَذِهِ المَشاهِد".

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن