بصمات

عن مَسْأَلَةِ "النِّفايات" في المَدينَةِ العَرَبِيَّة!

لا يَنْبَغي النَّظَرُ إلى إِشْكالِيَّةِ النِّفاياتِ والتَّلَوُّثِ الحَضَرِيِّ في المُدُنِ العَرَبِيَّةِ نَظْرَةً حَوْكَمِيَّةً فَقَط، تَتَعَلَّقُ بِمُسْتَوى تَدْبيرِ الحُكوماتِ لَها وَتَخْطيطِها المُرْتَبِطِ بِالمَوْضوع، وَإِنَّما يَنْبَغي النَّظَرُ إلى هَذِهِ الإِشْكالِيَّةِ نَظْرَةً فَلسَفِيَّةً تُصَحِّحُ نَظْرَتَنا إلى أَنْفُسِنا والى العالَمِ الذي يُحيطُ بِنا.

عن مَسْأَلَةِ

بِمُجَرَّدِ مُلاحَظَةٍ أَوَّلِيَّةٍ في ما يُنَظِّمُ المَدينَةَ العَرَبِيَّةَ الحَديثَة، نَسْتَخْلِصُ أَنَّ فَضاءَها لا يَتَشَكَّلُ بِالعُمْرانِ وَحَرَكِيَّةِ قَاطِنِيهِ فَقَط، بَلْ يَتَشَكَّلُ أَيْضًا، مِنْ عَمَلِيّاتٍ مُتَقَابِلَةٍ تَمْنَحُ لِنَمَطِ الحَياةِ فيهِ وَجْهَيْنِ مُتَناقِضَيْن. وَجْهٌ يَضُمُّ فائِضَ المَوادِّ والسِّلَع، وَفائِضَ الاسْتِهْلاك، وَوَجْهٌ مُناقِضٌ يَحْتَوي على فائِضِ التَّبْذير، وَفائِضٍ مِنَ السُّلوكِيّاتِ غَيْرِ البيئِيَّة، وَفائِضِ النِّفايات. وَبِذَلِكَ لا يَكونُ الوَجْهُ السَّلبِيُّ في فائِضِ الانْبِعاثاتِ والنِّفايات، مُجَرَّدَ بَقايا مِنْ فائِضِ التَّبْذيرِ النّاتِجِ عَنْ فائِضِ الاسْتِهْلاك، وَإِنَّما تَعْبيرًا عَنْ نَمَطٍ ثَقَافِيٍّ يَعْكِسُ عَلاقَةَ الفَرْدِ العَرَبِيِّ بِمَعْنى المَدَنِيَّةِ وَبِالسُّلوكِ الحَضارِيّ.

أزمة النفايات أزمة فرد في علاقته بذاته وبفضاء المدينة الأمر الذي يُـمهّد لأزمة أخرى تتحدّد في علاقة الأخلاق بالبيئة

إِنَّ العَمَلِيّاتِ التي تُلْقى بِها الأَزْبالُ والنِّفايات، فَضْلًا عَنْ تَعْبيرِها عَنْ نَوْعِيَّةِ الاسْتِهْلاكِ وَتَدْبيرِ العَيْشِ بِدَلالَتِهِ الاقْتِصادِيَّة، تُعَبِّرُ في العُمْقِ عَنْ هُوِيَّةِ المُجْتَمَعِ وَعَنِ المَعْنى الذي يُنَظِّمُ بِهِ الأَفْرادُ عَلاقَتَهُمْ بِالأَشْياءِ والرُّموز. صَحيحٌ أَنَّ المَنْظورَ اللّيبيرالِيَّ المُتَوَحِّشَ جَعَلَ مِنَ السِّلَعِ أَشْياءَ لِلِاسْتِهْلاكِ والرَّمْي، غَيْرَ أَنَّ تَفْكيرَهُ في عَمَلِيَّةِ الرَّمْيِ هَذِه، مَقْرونةٍ بِخُطَّةِ تَدْويرِ الإِنْتاجِ السَّريعِ والحَفْزِ على الاسْتِهْلاكِ المُفْرِطِ والاسْتِبْدالِ الذي لا يَتَوَقَّف. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَضْخيمِ الرِّبْحِ وَتَسْريعِه.

بِهَذَا المَنْطِقِ يَتَحَوَّلُ الفَرْدُ العَرَبِيُّ جُزْءًا مِنْ نِظامِ الاسْتِبْدالِ والرَّمْي. يَتَدَرَّجُ وُجودُهُ في المَدينَةِ بِإِيقاعاتٍ مُتَسارِعَةٍ ضابِطَةٍ لِكُلِّ حَرَكِيّاتِه. إِيقاعٌ سَريعٌ في الشُّغْل، وَإيقاعٌ سَريعٌ في الاسْتِهْلاك، وَإيقاعٌ سَريعٌ في التَّخَلُّصِ مِنْ بَقَايا اسْتِهْلاكِه، وَهَكَذا...

يَبْدو الزَّمَنُ السَّريعُ هُنا كَأَنَّهُ امْتِيازٌ مَشْروطٌ بِسُرْعَةِ الإِنْتاج، وَأَنَّ الاسْتِهْلاكَ والتَّبْذيرَ زَمَنٌ طَبيعِيٌ يَنْدَرِجُ في الزَّمَنِ العامِّ "لِفَضيلَةِ السُّرْعَة" بِالدَّلالَةِ التي تَعْنيها الفِكْرَةُ اللّيبيرالِيَّةُ المُتَوَحِّشَة. مِنْ هُنا تُصْبِحُ أَزْمَةُ النِّفاياتِ أَزْمَةَ فَرْدٍ في عَلاقَتِهِ بِذاتِهِ أَوَّلًا، وَبِفَضاءِ المَدينَةِ ثانِيًا. الأَمْرُ الذي يُمَهِّدُ لِأَزْمَةٍ أُخْرى تَتَحَدَّدُ في عَلاقَةِ الأَخْلاقِ بِالبيئَةِ وَبِشُروطِ الحَياةِ العادِيَّة. ذَلِكَ أَنَّ رَمْيَ النِّفاياتِ وَتَكْديسَها عَشْوائِيًّا في قُماماتِ الشَّوارِعِ والمَطارِحِ الخارِجِيَّة، فَضْلًا عَنِ الازْدِحامِ الطُّرُقِيِّ وَدُخانِ المَصانِع، يَجْعَلُ مِنَ الهَواءِ الذي يُفْتَرَضُ فيهِ أَنْ يَكونَ مِلْكًا مُشْتَرَكًا، مَجالاً لِلمَيْزِ بَيْنَ الأَفْرادِ فيما يَخُصُّ شُروطَ الحَياة. بِمَعْنى أَنْ لَيْسَ كُلَّ الأَفْرادِ بِتَفاوُتاتِهِمُ الطَّبَقِيَّةِ وَمَواقِعِ إِقاماتِهِمْ يَتَساوَوْنَ مِنْ حَيْثُ تَأْثير التَّلَوُّثِ على صِحَّتِهِم. فالأَفْرادُ الأَكْثَرُ هَشاشَةً هُمُ الذينَ يَدْفَعونَ فاتورَةَ صِحَّتِهِمْ غالِيًا. وَهَذَا بُعْدٌ آخَرُ مِنَ الأَزْمَةِ الاجْتِماعِيَّةِ والمَدَنِيَّةِ التي باتَ واقِعُها يُهَدِّدُ شُروطَ حَياةِ الأَفْرادِ الأَقَلِّ حَظًا. وَمِنْ خِلالِ هَذَا البُعْدِ يُطْرَحُ سُؤالٌ أَخْلاقِيٌ وَسِياسِيٌ حَوْلَ مَعْنى العَيْشِ في مَدينَةٍ لا تَحْمي أَفْرادَها مِنَ التَّلَوُّثِ وَلا تَمْنَحُهُمُ الحَقَّ في مَدينَةٍ صِحِّيَّة.

الاستهلاك السريع يُعيد تشكيل علاقة الفرد العربي بالزمن وبدلالة القيمة والمعنى

إِنَّ الخُطورَةَ هاهُنا، لا تَكْمُنُ في فائِضِ الفِعْلِ الاسْتِهْلاكِيِّ وَفائِضِ التَّبْذيرِ والرَّمْيِ فَقَط، وَإِنَّما في البُنْيَةِ الرَّمْزِيَّةِ التي تُرَسِّخُها هَذِهِ العَقْلِيّاتُ والسُّلوكِيّات. ذَلِكَ أَنَّ الاسْتِهْلاكَ السَّريعَ لا يُعيدُ تَكْوينَ عَلاقَةِ الإِنْسانِ بِالسّوق، كَما هُوَ مَنْظورٌ إِلَيْهِ ليبيرالِيًّا، بِالقَدْرِ الذي يُعيدُ تَشْكيلَ عَلاقَةِ الفَرْدِ العَرَبِيِّ بِالزَّمَنِ وَبِدَلالَةِ القيمَةِ والمَعْنى. إِذْ إِنَّهُ بِموجَبِ هَذا الاسْتِهْلاك، تُخْتَزَلُ الأَشْياءُ في مُرورٍ خاطِف، لا تَكونُ فيهِ المَنْفَعَةُ بِدَوْرِها إِلّا لَحْظَةً شَديدَةَ المُرور. لَكِنَّ الذي يَبْقى ثابِتًا هُوَ فَرْطُ الاسْتِهْلاكِ وَفَرْطُ الرَّمْي.

وَمَعَ تَوارُدِ هَذِهِ السُّلوكِيّات، يَنْطَبِعُ الوَعْيُ الجَمْعِيُّ تَحْتَ تَأْثيراتِ الإِعْلامِ اللّيبيرالِيّ، بِفِكْرَةِ اعْتِبارِ الاسْتِهْلاكِ مَقْرونًا بِاللَّذَّةِ وَمُتَعِ العَيْش، وَبِأَنَّ رَمْيَ النِّفاياتِ والإِكْثارَ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنْها، هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَجْديدِ الرَّغْبَةِ في أَشْياءَ جَديدَةٍ بُلوغًا لِلَذَّةٍ مُخْتَلِفَة، وَهَكَذا!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن