تأسست الولايات المتحدة رسميا عام 1776 كجمهورية مستقلة جديدة، إلا أنها على مدى تاريخها الممتد لـ250 عامًا تتعامل كإمبراطورية، على الرغم من أنها ليست إمبراطورية بالمعنى الرسمي أو الكلاسيكي. تقليديًا وتاريخيًا، تجنح الإمبراطوريات إلى التوسع الإقليمي بضم المزيد من الأراضي إليها لتصبح جزءًا منها. وعلى مدى تاريخها وحاضرها، توسعت الولايات المتحدة منذ نشأتها من 13 ولاية فقط بجوار الساحل الشرقي المطل على المحيط الأطلنطي بمساحة قدرها 1.1 مليون كيلومتر مربع، لتصبح اليوم 9.8 مليون كيلومتر مربع، أي أكثر من تسعة أضعاف مساحتها الأصلية.
وتملك الولايات المتحدة حوالي 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 80 دولة حول العالم، يوجد بها ما يقرب من 170 ألف جندي أمريكى، يتمركزون بشكل رئيسي في اليابان وألمانيا وبريطانيا وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربية. كإمبراطورية، تهيمن الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال منظمات دولية أسستها كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إضافة إلى الدولار وقوته وتبعات ذلك. كما تهيمن الولايات المتحدة على الشأن العالمي إلى حد كبير من خلال نفوذها السياسي النابع من قوتها العسكرية والاقتصادية، وسياسة التحالفات والعقوبات. ولا يختلف الأمر كثيرًا في الجوانب الثقافية والإعلامية والتكنولوجية، على الرغم من الصعود والتهديدات الصينية الواضحة لهذه الهيمنة الأمريكية.
لا تتوقف الإمبراطورية الأمريكية عن شن الحروب والتدخل في دول خارجية؛ فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية منتصف القرن الماضي، تدخلت واشنطن عسكريا فىيعشرات الدول حول العالم في حالات وظروف مختلفة، من أشهرها الحرب الكورية في الخمسينيات، والحرب الفيتنامية في الستينيات والسبعينيات، وجرينلاند وبنما وإيران والكويت والعراق والصومال في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ومع بدء الألفية الثالثة، غزت واشنطن أفغانستان والعراق في تصرفات أحادية غير مكترثة بقواعد القانون الدولي. وكما ادعت الإمبراطوريات عبر التاريخ وجود هدف أخلاقي يحركها، إذ ادعت الإمبراطورية الرومانية مبدأ "سلام روما"، وادعت الإمبراطورية البريطانية حديثًا "المهمة الحضارية" لتبرير توسعها وحروبها، تدعي الإمبراطورية الأمريكية "نشر الحرية" كهدف أخلاقي لتحركاتها.
إلا أن أهم ما ميز الإمبراطورية الأمريكية على مدار تاريخها هو نقطتان هامتان: أولاهما عدم وجود "إمبراطور"، وثانيتهما أنها "إمبراطورية في الخارج وجمهورية في الداخل". وأكدت نصوص الدستور الأمريكي على وجود حكومة مركزية قوية لا تهيمن على شئون الولايات في نظام فيدرالي فريد، إضافة إلى توزيع السلطات والصلاحيات بدقة بين السلطة المركزية وسلطة الولايات، وضمن عدم توغل سلطة على أخرى من خلال توازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وأكد الدستور على ضرورة إبقاء الجيش محايدا بعيدا عن الشأن السياسي الداخلي، ووضع عدة عقبات أمام أي سعي للاستبداد.
ومقت الآباء المؤسسون للنظام السياسي الأمريكي مفهوم "الملك"، ولم يتصرف أي رئيس كملك حتى بدا على الرئيس السابع، أندرو جاكسون، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر محاولة فاشلة للحكم كملك؛ إذ حاول جاكسون اتخاذ عدة إجراءات بدت وكأنها تضع إرادة الرئيس فوق القانون والحدود الدستورية، منها الاستخدام المتكرر لحق الفيتو الرئاسي لعرقلة القوانين التي عارضها شخصيًا، وتحدي المحكمة العليا، والعمل على تقوية السلطة التنفيذية.
هكذا أصبحت أمريكا إمبراطورية مستقرة دون أن يحكمها رئيس أو إمبراطور (بالمعنى المطلق)؛ إذ تُعقد انتخابات رئاسية كل أربع سنوات، ويحكم الرئيس فترتين كحد أقصى مدتهما ثمانى سنوات. وضمن ذلك تداول الحكم بين 46 شخصًا من الأحزاب المتنافسة، وأهمهما الحزبان الجمهوري والديمقراطي. ولم يهز تغير الرئيس، أو طبيعة ميوله الأيديولوجية أو الدينية أو الأخلاقية أو رؤيته للعالم، من وضعية أمريكا كإمبراطورية، وإن كانت بلا إمبراطور.
منذ عودته إلى البيت الأبيض لبدء فترة حكمه الثانية والأخيرة، يُظهر الرئيس دونالد ترامب عدم الالتزام بقواعد المنصب الرئاسي وحدوده، ويتعامل وكأنه إمبراطور، سواء فيما يتعلق بالخارج العالمي أو الداخل الأمريكي، على حد سواء. ويعد سلوك ترامب خروجًا على العرف والخصوصية الأمريكية، بما يهدد استقرار قوة الإمبراطورية الأمريكية التي اعتمدت على عدم وجود "إمبراطور". حتى على الصعيد الخارجي، تعامل "الإمبراطور" ترامب تبعًا لنزواته وتفضيلاته الشخصية دون حساب مصلحة الإمبراطورية الاستراتيجية. وظهر ذلك بوضوح في حالة السعى لضم جزيرة جرينلاند، أو الرغبة في السيطرة على قناة بنما ونفط فنزويلا أو ما يقوم به من تهديد لحلف الناتو، ناهيك عن رغبته في أن تصبح الجارة كندا الولاية الأمريكية الـ51.
داخليًا، تظهر رغبة ترامب الواضحة والمباشرة في الحكم كإمبراطور، مثله مثل قادة منتخبين مستبدين في أماكن أخرى حول العالم؛ إذ يتحرك بسرعة لحشد مؤسسات الدولة الأمريكية ثم استخدامها في محاولات متنوعة لإضعاف أو ترهيب منافسيه وخصومه السياسيين. بعد ما يقرب من عام فى الحكم، استهدف ترامب مؤسسات الدولة الأمريكية، خاصة وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ومصلحة الضرائب، لاستخدامها ضد خصومه والانتقام من أعدائه السياسيين. وقام ترامب بما يقوم به أي حاكم مستبد، من الادعاء بتطهير مؤسسات الدولة وتعبئتها بأنصاره. ويعمل ترامب على التخلص من الموظفين البيروقراطيين المحترفين في وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالات حكومية رئيسية أخرى.
إلا أن أخطر ما يقوم به ترامب يتعلق بنقطتين: أولاهما توسيع استخدام صلاحياته التنفيذية، وثانيتهما الرغبة في استخدام القوات المسلحة في الشأن الداخلي. ووقع ترامب عددًا غير معتاد من الأوامر التنفيذية، بما يتجاوز الكونغرس وينقل سلطة صنع السياسات إلى البيت الأبيض. وفي حين يُعد استخدام القوات العسكرية داخل المدن من المحرمات الأمريكية، إلا أن ترامب اقترح دورًا أكثر نشاطًا للجيش داخل الأراضي الأمريكية. وقام ترامب بنشر الحرس الوطني فى مدن مثل لوس أنجلوس، بورتلاند، شيكاغو، وواشنطن العاصمة، تحت غطاء مواجهة الاضطرابات والمظاهرات أو لضبط ارتفاع مستوى الجرائم. ولا يتردد ترامب في القول إنه قد يستخدم قوات الجيش لقمع الاحتجاجات أو الاضطرابات الداخلية.
على الرغم من عدم ذكر ترامب لرغبته في أن يكون إمبراطورًا لإمبراطورية بلا إمبراطور، فإنه لم يخفِ رغبته فى امتلاك سلطات بلا حدود، بما يهدد وجود الإمبراطورية في حد ذاتها. ذات يوم مزح ترامب وعبر عن رغبته في أن يكون ديكتاتورًا ليوم واحد، ويبدو أنه لم يكن يمزح، بل يمهد لما هو أكثر من يوم واحد.
(الشروق المصرية)

