في عالَمٍ غَنِيٍّ بِالمَعْلومات، تَعْني وَفْرَةُ المَعْلوماتِ نُدْرَةَ شَيْءٍ آخَر: نُدْرَةَ ما تَسْتَهْلِكُهُ هَذِهِ المَعْلومات، وَما تَسْتَهْلِكُهُ المَعْلوماتُ واضِحٌ تَمامًا: إِنَّها تَسْتَهْلِكُ انْتِباهَ وَوَقْتَ مَنْ يَتَلَقّى المَعْلوماتِ وَيَتَفاعَلُ مَعَها بِعَلاماتِ الإِعْجابِ وَإِعادَةِ التَّقاسُمِ والتَّعْليق. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ وَفْرَةَ المَعْلوماتِ تَخْلُقُ فَقْرًا في الانْتِباه (هيرْبِرْت سايْمون)، وَيَرْجِعُ السَّبَبُ في ذَلِكَ إلى أَنَّ كَمِّيَّةَ الانْتِباهِ لَدى كُلِّ فَرْدٍ تَبْقى ثابِتَة، إِلّا أَنَّهُ حالَما يَتِمُّ تَوْزيعُها على كَمِّيّاتٍ غَيْرِ مَحْدودَةٍ مِنَ المَعْلومات - التي تَجْهَدُ خَوارِزْمِيّاتُ البيئَةِ الرَّقْمِيَّةِ في إِتاحَتِها واسْتِدامَةِ تَدَفُّقاتِها مِنْ دونِ انْقِطاع - تَتَضاءَلُ تَدْريجِيًّا، وَقَدْ تَصِلُ حَدَّ النُّدْرَة، وَلِلْأَسَفِ يُواجِهُ المُواطِنُ العَرَبِيُّ هَذِهِ النُّدْرَةَ خاصَّةً الأَجْيالِ الأَصْغَرِ مِنْ دونِ حَواجِزَ وَبَوّاباتِ غَرْبَلَةٍ وَتَرْشيح.
والنَّتيجَةُ المُحَصَّلَةُ مِنْ ذَلِك، أَنَّ انْتِباهَ المُواطِنِ العَرَبيِّ يُصْبِحُ مُشَتَّتًا بَيْنَ القَضايا الوُجودِيَّةِ الكُبْرى (الأَوْضاعِ السِّياسِيَّةِ والاِقْتِصادِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ العَرَبِيَّة) مِنْ جِهَة، وَبَيْنَ مُحْتَوًى اسْتِهْلاكِيٍّ تافِهٍ وَضَحْلٍ لا يُقَدِّمُ أَيَّ إِضافَةٍ لِلْواقِع (غِناء، تَرْفيه، فُكاهَة) مِنْ جِهَةٍ ثانِيَة، الأَمْرُ الذي يَنْتَهي بِإِضْعافِ قُدْرَتِهِ على الانْتِقاءِ العَقْلانيِّ والرَّصينِ لِما يَخْدُمُ حاجاتِهِ وَبِيئَتَه.
خوارزميات التواصل الاجتماعي تستهلك انتباه المواطن العربي ووقته بدل أن يستهلكها لمصلحة مشاريع نهضوية وتنموية
وَبِما أَنَّ الانْتِباهَ مَوْرِدٌ نادِرٌ أَصْلًا في البيئَةِ العَرَبِيَّة، فَإِنَّ التَّنافُسَ عَلَيْهِ يَزْدادُ حِدَّةً وَضَراوَةً مَعَ زِيادَةِ المُسْتَرْزِقينَ مِنْ "اِقْتِصادِ الانْتِباه" سَواءٌ أَكانوا الشَّرِكاتِ أَوِ الأَفْرادَ (المُؤَثِّرين)، وَغالِبًا ما يَميلُ هَؤُلاءِ نَحْوَ المُحْتَوَياتِ الجاذِبَةِ بَصَرِيًّا وَلا شُعُّورِيًّا، مِنْ قَبيلِ الإِثارَةِ والاسْتِقْطاب (الإيدْيولوجِيّ، الطَّائِفِيّ، القَبَلِيّ، والفِكْرِيّ...)، الأَمْرُ الذي يُهْدِرُ الإِمْكاناتِ والفُرَصَ التي تُتيحُها الشَّبَكاتُ الرَّقْمِيَّة، وَيَنْقُلُها مِنْ أَدَواتٍ وَتِقْنِيّاتٍ قادِرَةٍ على الفِعْلِ وَتَغْييرِ الواقِعِ العَرَبيِّ المُتَرَدِّي والمُفَكَّك، إلى مُجَرَّدِ مادَّةٍ أَوَّلِيَّةٍ يَسْتَثْمِرُها الرَّأْسْمالُ المِنَصّاتِيُّ واقْتِصادُ الانْتِباهِ لِزِيادَةِ الرِّبْحِ والثَّرْوَة. وَيَنْتَهي الأَمْرُ بِخَلْقِ وَعْيٍ عامٍ زائِفٍ يُوَجَّهُ نَحْوَ مَعارِكَ وَهْمِيَّةٍ وَزائِفَة، يَخوضُ فيها المُواطِنُ العَرَبِيُّ حُروبًا "دونْكيشوتِيَّة" ضِدَّ طَواحينَ هَوائِيَّة، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَسْتَجيبُ بِدافِعِ عَصَبِيّاتِ النُّصْرَةِ القَبَلِيَّةِ أَوِ الوَطَنِيَّةِ أَوِ الطَّائِفية.
تَأْكيدًا لِما سَبَق، وَبِحَسَبِ تَقْريرِ "التَّوَجُّهاتِ الرَّقْمِيَّةِ لِعامِ 2025: نَظْرَةٌ عامَّةٌ عالَمِيَّة"، يُشيرُ المَشْهَدُ الرَّقْمِيُّ العَرَبِيُّ إلى وُجودِ بيئَةٍ تُشَجِّعُ على اسْتِهْلاكِ المَعْلوماتِ بَدَلَ إِنْتاجِها، وَوُجودِ طَفْرَةٍ كَبيرَةٍ في مُعَدَّلاتِ الاسْتِخْدام، وَصَلَتْ إلى حَوالَيْ 228 مِلْيونَ مُسْتَخْدِم، وَتَشْمَلُ هَذِهِ النِّسْبَةُ حَوالَيْ نِصْفِ سُكّانِ العالَمِ العَرَبِيّ، بَيْنَما تَتَجاوَزُ النِّسْبَةُ 90% في بُلْدانِ الخَليج، حَيْثُ تَتَجاوَزُ مُدَّةُ الاسْتِخْدامِ عَرَبِيًّا الثَّلاثَ ساعاتٍ يَوْمِيًّا، في حينِ يَبْلُغُ مُتَوَسِّطُ الاسْتِخْدامِ العالَميِّ حَوالَيْ السّاعَتَيْنِ وَ20 دَقيقَةً بِحَسَبِ "تَقْرِيرِ الحالَةِ الرَّقْمِيَّةِ لِلْعامِ 2025-2026" (DataReportal)، حَيْثُ يُهَيْمِنُ المُحْتَوى المَرْئِيُّ السَّريعُ (Reels, Shorts) على أَكْثَرَ مِنْ 60% مِنْ وَقْتِ المُسْتَخْدِمينَ العَرَب، إِضافَةً إلى تَصَفُّحِ المُنْتَجاتِ الاسْتِهْلاكِيَّةِ والشِّراءِ عَبْرَ تَطْبيقاتٍ مِنْ قَبيلِ "تيك توك" و"إنْسْتَغْرام".
والمُحَصَّلُ مِنْ ذَلِكَ وُقوعُ المُواطِنِ العَرَبيِّ في نَوْعٍ مِنَ "الاسْتِلابِ الرَّقْميّ" يَجْعَلُ خَوارِزْمِيّاتِ شَبَكاتِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ تَسْتَهْلِكُ انْتِباهَهُ وَتَرْكيزَهُ وَوَقْتَه، بَدَلَ أَنْ يَسْتَهْلِكَها هُوَ لِمَصْلَحَةِ مَشاريعَ نَهْضَوِيَّةٍ وَتَنْمَوِيَّةٍ تَهُمُّ واقِعَهُ وَبيئَتَه. والأَخْطَرُ في ظِلِّ هَذا الوَضْعِ أَنَّ قَضاءَ ساعاتٍ في مُشاهَدَةِ "التّْرِنْد" و"الرّيلْز" أَوِ "الشّورْت" يُؤَدّي إلى اسْتِنْزافِ الطّاقَةِ الذِّهْنِيَّةِ المَحْدودَةِ أَصْلًا لَدى الكائِنِ البَشَرِيّ، مِمّا يَجْعَلُهُ في حالَةِ إِرْهاقٍ وإِعْياءٍ مَعْرِفِيّ، تَمْنَعُهُ مِنَ التَّفْكيرِ النَّقْديِّ والاطِّلاعِ على النُّصوصِ والمُحْتَوَياتِ وَمُعالَجَةِ المَعْلوماتِ الرَّصينَةِ التي تَهُمُّ واقِعَه.
نحتاج إلى ساعات "صمت رقمي" من أجل استعادة القدرة على التفكير العميق والتركيز الهادئ
مِنْ دونِ انْتِباهٍ وَتَرْكيز، لا يُمْكِنُنا قِراءَةُ كِتاب، وَلا مَقالات، وَلا مُحْتَوَياتٍ هادِفَة، وَلا فَهْمُ تَعْقِيداتِ السِّياسَةِ والاقْتِصادِ والظُّروفِ الجِيوسِياسِيَّةِ التي تُحيطُ بِنا، وَلا تَرْبِيَةُ جيلٍ يَمْتَلِكُ حَصانَةً مَعْرِفيةً وَوَعْيًا مُسْتَقِلًّا، يَحْفَظُهُ مِنَ الاسْتِلابِ والتَّبَعِيَّة، وَأَنْ يُصْبِحَ بِضاعَةً تُباعُ وَتُشْتَرى في يَدِ الشَّرِكاتِ والمُسْتَرْزِقينَ مِنِ اقْتِصادِ الانْتِباه. وَلِبُلوغِ ذَلِك، نَحْتاجُ إلى تَرْبِيَةٍ مِنْ نَوْعٍ خاصّ: تَرْبِيَةٍ تَقومُ على تَخْصيصِ ساعاتِ "صَمْتٍ رَقْمِيّ" تَبْدَأُ مِنَ البُيوتِ إلى المَدارِسِ والفَضاءاتِ العُمومِيَّة، يُمارِسُها الكِبارُ قَبْلَ الصِّغار، مِنْ أَجْلِ اسْتِعادَةِ القُدْرَةِ على التَّفْكيرِ العَميق، والتَّرْكيزِ الهادِئِ الذي يَسْتَهْلِكُ المَعْلوماتِ بِانْتِقائِيَّةٍ وَعَقْلانِيَّة، بَدَلَ أَنْ تَسْتَهْلِكَ هِيَ انْتِباهَنا وَوَقْتَنا، وَهُوَ النَّوْعُ الوَحيدُ مِنَ التَّفْكيرِ الذي يَسْمَحُ بِمُواجَهَةِ المُشْكِلاتِ المُعَقَّدَةِ في واقِعِنا العَرَبيِّ راهِنًا وَمُسْتَقْبَلًا.
وَخُلاصَةُ القَوْل: نَحْنُ بِحاجَةٍ إلى الانْتِقالِ مِنْ بيئَةٍ "تَسْتَهْلِكُنا" إلى بيئَةٍ "نَنْتَقي" فيها ما يَبْني مُسْتَقْبَلَنا.
(خاص "عروبة 22")

