فلسطين... القضية والبوصلة

عَرَبُ الـ48... المُضْطَهَدونَ والمَنْسِيّون!

فِلَسْطينِيّو الدّاخِل، أَوْ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ عَرَبُ الـ1948، هُمُ الَّذينَ أَصَرّوا على البَقاءِ والتَّمَسُّكِ بِالوَطَنِ والأَرْض، على الرَّغْمِ مِنَ المَذابِحِ التي ارْتُكِبَتْ في حَرْبِ الإِبادَةِ الأولى التي شَنَّتْها العِصاباتُ الصُّهْيونِيَّةُ في ذاكَ العام. كانَ عَدَدُ هَؤُلاءِ آنَذاكَ نَحْوَ 165 أَلْفَ شَخْص، انْحَنَوْا قَليلًا لِلْعاصِفَة، وَباتوا بِحُكْمِ الأَمْرِ الواقِعِ جُزْءًا مِنْ سُكّانِ دَوْلَةِ الاحْتِلالِ التي مَنَحَتْهُمْ "جِنْسِيَّتَها" وَحَمَلوا جَوازاتِ سَفَرِها، غَيْرَ أَنَّ الأَغْلَبِيَّةَ مِنْهُمْ تَماهَتْ مَعَ التُّراثِ الثَّقافِيِّ واللُّغَوِيِّ العَرَبِيِّ والهُوِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، في ظِلِّ ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنِ ارْتِباطٍ بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ كَلُغَةِ التَّعَلُّمِ والارْتِقاءِ الوَظيفِيّ.

عَرَبُ الـ48... المُضْطَهَدونَ والمَنْسِيّون!

يَبْلُغُ عَدَدُ هَؤُلاءِ الآنَ نَحْوَ 2.1 مِلْيونَ شخصٍ وَيُمَثِّلونَ ما يُقارِبُ 21% مِنْ إِجْمالِيِّ عَدَدِ سُكّانِ دَوْلَةِ الاحْتِلال. فَإِسْرائيلُ التي تُعَرِّفُ نَفْسَها قانونِيًّا كَـ"دَوْلَةٍ يَهودِيَّة"، لا كَدَوْلَةٍ لِجَميعِ مُواطِنيها، تُمارِسُ على خَلْفِيَّةِ ذَلِكَ تَفاضُلِيَّةً في المُواطَنَة. فاليَهود، مُهاجِرونَ أَوْ أَبْناءُ مُهاجِرين، يُعْتَبَرونَ مُواطِنينَ مِنَ الدَّرَجَةِ الأولى، والعَرَبُ الفِلَسْطينِيّون، وَهُمْ سُكّانُ البِلادِ الأَصْلِيّون، مُواطِنونَ مِنَ الدَّرَجَةِ الثّانِيَّة، بِلا حُقوقٍ جَماعِيَّةٍ مُعْتَرَفٍ بِها تَعامَلَتِ الدَّوْلَةُ مَعَهُمْ مُنْذُ النَّكْبَة، شأنَها شأنَ الأَغْلَبِيَّة، بِاعْتِبارِهِمْ أَعْداءً وُجودِيّين.

من أخطر ما واجهته هذه الأقليّة العربية هي ظاهرة ارتفاع العنف الماديّ وانتشار الجريمة المُنظّمة

وَتِبْعًا لِذَلِك، جابَهَتِ الأَقَلِّيَّةُ العَرَبِيَّةُ وَتُجابِهُ تَمْييزًا عُنْصُرِيًّا شامِلًا وَمُتَنَوِّعًا يَمَسُّ أَغْلَبَ الفِئاتِ الاجْتِماعِيَّةِ وَمَجالاتِ الحَياة، فَكانَ مِنْ نَتائِجِهِ انْتِشارُ الفَقْرِ والبَطالَةِ بِنِسَبٍ مُرْتَفِعَةٍ مُقارَنَةً بِوَضْعِ العَناصِرِ اليَهودِيَّة، كَما يُمنَعُ على شَبابِ الأَقَلِّيَّةِ العَرَبِيَّةِ العَمَلُ في العَديدِ مِنَ القِطاعاتِ الاقْتِصادِيَّةِ والأَمْنِيَّة، الأَمْرُ الذي يُؤَدّي إلى انْسِدادِ الآفاقِ أَمامَهُم. وَلَعَلَّ مِنْ أَخْطَرِ ما واجَهَتْهُ هَذِهِ الأَقَلِّيَّةُ العَرَبِيَّةُ خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَةِ هِيَ ظاهِرَةُ ارْتِفاعِ العُنْفِ المادِّيِّ وانْتِشارِ الجَريمَةِ المُنَظَّمَة. إِذْ تُشيرُ البَياناتُ مِنَ الدّاخِلِ الفِلَسْطينِيِّ إلى سُقوطِ نَحْوِ 693 قَتيلًا في الفَتْرَةِ المُمتَدَّةِ ما بَيْنَ 2019 وَ2023، وَنَحْوَ 252 قَتيلًا عامَ 2025، أَمّا بِدايَةُ عامِ 2026 فَكانَ عَدَدُ القَتْلى مِنْهُمْ في حَوادِثَ مُرْتَبِطَةٍ بِالجَريمَةِ نَحْوَ 25 قَتيلًا.

وَتَنْتَشِرُ مَظاهِرُ العُنْفِ في زَوايا وَمَناطِقَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ القُرى والمُدُنِ العَرَبِيَّة: في العائِلَةِ وَفي الشّارِعِ وَبَيْنَ البالِغينَ وَفي المَدارِسِ وَتَمَسُّ شَرائِحَ اجْتِماعِيَّةً مُخْتَلِفَةً مِنَ الشَّبابِ والأَطْفالِ والنِّساءِ والشُّيوخ. وَيَتَعَرَّضُ السُّكّانُ العَرَبُ إلى عُنْفٍ مُمَنْهَجٍ مُتَعَدِّدِ الأَبْعادِ والغاياتِ سَواءً بَيْنَ شَبابِهِمْ أَوْ مِنْ قِبَلِ السُّكّانِ اليَهودِ الصَّهايِنَةِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الإِدارَةِ والجِهازِ الأَمْنِيّ. وَيَتَّخِذُ هَذا العُنْفُ طابَعَ الحِدَّةِ والشُّمولِيَّةِ أَحْيانًا، وَلَكِنَّهُ في الغالِبِ يَسْري في ثَنايا الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ لِلسُّكّانِ الأَصْلِيّينَ في عَلاقاتِهِمْ مَعَ الآخَر، بَلْ في كُلِّ الأَشْياءِ المَفْروضَةِ ضِدَّ إِرادَتِهِمْ وَكَرامَتِهِمْ وَثَقافَتِهِم، الأَمْرُ الذي يُؤَدّي إلى انْتِقالِ تِلْكَ المُمارَسَةِ الاسْتِعْمارِيَّةِ العُنْصُرِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ اليَوْمِيَّةِ العَنيفَة، في اللّاوَعْيِ العَرَبِيِّ الجَماعِيِّ بِالضَّرورَة.

السياسة العنصرية الرسمية هي نتاج الإيديولوجية الصهيونية

قَدْ يَبْدو تَفْسيرُ تَصاعُدِ الجَريمَةِ وَتَوَسُّعِها في الوَسَطِ العَرَبِيِّ بِالأَسْبابِ الاقْتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ التي نَتَجَتْ عَنِ التَّحَوُّلاتِ التي أَحْدَثَها النِّظامُ الاسْتِعْمارِيُّ العُنْصُرِيُّ سَليمًا، لَكِنَّهُ يَبْدو تَفْسيرًا جُزْئِيًّا وَمَحْدودًا، وَهو العُنْفُ الذي يُمارِسُهُ جُزْءٌ مِنَ الشَّبابِ العَرَبِيِّ المُحْبَطِ والتّائِه، عُنْفٌ مُنْزاحٌ يُخْطِئُ الهَدَف، وَهو ما يُشَكِّلُ نَوْعًا مِنَ التَّنْفيسِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِمَصْدَرِ الإِحْباطِ الحَقيقِيِّ مِنْ جِهَة، وَرَدِّ فِعْلِ المُؤَسَّساتِ الرَّدْعِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ لِلنِّظامِ العُنْصُرِيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، بَدْءًا مِنَ القَوانِينِ المُعْتَمَدَةِ وُصولًا إلى العامِلينَ في مُخْتَلِفِ أَجْهِزَةِ الضَّبْطِ والعِقابِ مِنْ أَعْوانِ الشُّرْطَةِ وَرِجالِ القَضاءِ وَسُلوكِ كُلِّ هَؤُلاءِ تُجاهَ العَرَبِ الفِلَسْطينِيّينَ الخارِجِينَ عَنِ "القانون" وَتُجاهَ مُمارَساتِهِم، وَهِيَ أَحَدُ العَوامِلِ اللّاواعِيَةِ المُحِثَّة، بِشَكْلٍ مُباشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُباشِر، على ارْتِكابِ المُخالَفات.

غَيْرَ أَنَّ السِّياسَةَ العُنْصُرِيَّةَ الرَّسْمِيَّةَ تُعَدُّ السَّبَبَ الرَّئيسِيّ، وَهِيَ في الأَصْلِ نِتاجُ الإِيدْيولوجِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ المُسْتَنِدَةِ على التَّمْييزِ العُنْصُرِيِّ على أَساسٍ قَوْمِيٍّ وَدينِيّ؛ لِذَلِكَ تَتَحَمَّلُ الدَّوْلَةُ بِكامِلِ أَجْهِزَتِها مَسْؤولِيَّةً مُباشِرَةً في تَناسُلِ مَظاهِرِ العُنْفِ وانْتِشارِهِ في الأَوْساطِ العَرَبِيَّة. فَفي الوَقْتِ الذي يَنْصَبُّ اهْتِمامُ الإِدارَةِ على أَمْنِ اليَهودِ وأحْيائِهِم، يُهْمَلُ أَمْرُ الأَمْنِ الِاجْتِماعِيِّ لِلْمَدينَةِ والأَحْياءِ العَرَبِيَّةِ وَلا تَهْتَمُّ إِلّا بِما يَتَعَلَّقُ بِالنَّشاطِ السِّياسِيِّ في ذاكَ الفَضاء، فَتَرَكَتْ مَجالَ هَذِهِ المَدينَةِ مَرْتَعًا لِلرُّعاعِ والعاطِلينَ والمُهَمَّشينَ لِيَعيثوا فَسادًا بِالأَرْضِ والعِباد، الأَمْرُ الذي أَدّى إلى تَكاثُرِ الجَرائِمِ والتَّعَدِّيات، خاصَّةً أَنَّ الأَجْهِزَةَ الأَمْنِيَّةَ الإِسْرائيلِيَّةَ لا تُعالِجُ عادَةً قَضايا الإِجْرامِ والعُنْفِ في البَلْداتِ والمُدُنِ العَرَبِيَّةِ بِالأُسْلوبِ نَفْسِهِ والطَّريقَةِ نَفْسِها التي تَتِمُّ فيها مُعالَجَةُ هَذِهِ القَضايا في البَلْداتِ والمُدُنِ اليَهودِيَّة. كَما تَتَهاوَنُ الشُّرْطَةُ في مُعاقَبَةِ المُجْرِمينَ والمُنْحَرِفينَ مِنَ العَرَب، وَغالِبًا ما تُغْلِقُ المَلَفّاتِ وَتُقَيِّدُ الجَرائِمَ ضِدَّ مَجْهول. وَيَنْطَبِقُ السُّلوكُ نَفْسُهُ على أَجْهِزَةِ القَضاءِ التي تَتَعامَلُ بِعُنْصُرِيَّةٍ صارِخَةٍ في تَطْبيقِ القانونِ على الأَفْرادِ مِنَ العَرَب، إِذْ لا تُبْدي المَحاكِمُ الحَزْمَ نَفْسَهُ في اقْتِلاعِ الجَريمَةِ في الوَسَطِ العَرَبِيّ.

من المؤسف عدم التضامن العربي والدولي مع قومية أصلانية تخضع لنظام فصل عنصري استيطاني إحلالي

وَعلى خَلْفِيَّةِ تَفاقُمِ هَذِهِ الظّاهِرَةِ واسْتِفْحالِها، شَهِدَ وَيَشْهَدُ المُجْتَمَعُ العَرَبِيُّ في أَراضي 48 احْتِجاجاتٍ وَمُظاهَراتٍ وَإِضْراباتٍ واسِعَةً في العَديدِ مِنَ البَلْداتِ العَرَبِيَّةِ والقُدْس، وَحَتّى في تَل أَبيب، تَنْديدًا بِتَواطُؤِ السُّلُطاتِ والشُّرْطَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ مَعَ مُقْتَرِفي العُنْف. وَمِنَ المُؤْسِفِ أَلّا يَجِدَ حَراكُ هَذِهِ الأَقَلِّيَّةِ الشَّرْعِيُّ الحَدَّ الأَدْنى مِنَ التَّضامُنِ مِنْ قِبَلِ الأَحْزابِ وَمُنَظَّماتِ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ والإِعْلامِ العَرَبِيِّ والدَّوْلِيِّ مَعَ قَوْمِيَّةٍ أَصْلانِيَّةٍ تَخْضَعُ لِنِظامِ فَصْلٍ عُنْصُرِيٍّ اسْتيطانِيٍّ إِحْلالِيّ.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن