صحافة

رجل آسيا المريض… عن إيران وإمبراطوريتها

وسام سعادة

المشاركة
رجل آسيا المريض… عن إيران وإمبراطوريتها

إيران من البلدان الآسيوية التي لم تتعرض لاستعمار أوروبي مباشر مديد. أعفيت من "الإدارة الكولونيالية"، بخلاف ما حل بالهند أو بأندونيسيا أو بالجزائر. وحتى عندما جرى احتلال إيران خلال الحرب العالمية الثانية، فاجتاحها السوفيات من الشمال، وأتاها الإنكليز من الجنوب الغربي، وأجبر الشاه رضا بهلوي – المتعاطف مع ألمانيا النازية – على التنحي لنجله، وهو لم يعد إلى البلاد بل توفي في جوهانسبرغ جنوب أفريقيا – فإن هذا الاحتلال التقاسمي لها بقي ظرفياً، مرتبطاً بخطوط الإمداد خلال الحرب العالمية وبهاجس إبعاد المصادر النفطية عن الألمان. حتى إذا حاول السوفيات التلكؤ عن الانسحاب عام 1946 والإبقاء على كيانات أوجدوها في المنطقتين الأذرية والكردية – مهاباد – من إيران، نشبت واحدة من أولى الأزمات التمهيدية للحرب الباردة.

في تجربة بلاد فارس مع الاستعمار الحديث ما يذكّر بالصين. سوى أن الاستعمار تغلغل في الصين أكثر. إذ قاست الصين بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر ما يُتعارف على تسميته بـ"قرن الإذلال": من حربي الأفيون واقتطاع جزء من أراضيها كمستعمرات، بدءا من هونغ كونغ وماكاو، إلى تقسيم شنغهاي بين منطقة دولية وفرنسية وبين منطقة تخضع لإدارة الحكومة الصينية، إلى السياسة الاستعمارية اليابانية في منشوريا والاحتلالية لتيانجين وشنغهاي الساحليتين.

ينطبق توصيف "شبه المستعمرة" على الصين حتى منتصف القرن الماضي أكثر مما ينطبق على إيران. يشترك البلدان في المقابل بأنهما واجها ليس فقط الاستعمار الأوروبي والغربي العابر للمحيطات، بل الاستعمار القاري التوسعي الروسي – "الأوراسي" – في حالة إيران، وانقلاب العلاقة بين الأرخبيل الياباني وبين الصين لصالح تسيّد الأول، مستندا الى تجربة محمومة في التحديث والتصنيع، وإلى قناعة تملّكت النخب القيادية اليابانية منذ نهاية القرن التاسع عشر، بأن الصراع بين الأمم "دارويني" بامتياز ومحكوم بمعادلة صفرية ليس منها مناص، فأما تستَعْمِر سواك أو يتسلَّط عليك سواك.

لم تعرف إيران في نهاية حكم الأسرة الإمبراطورية القاجارية عمق القطيعة نفسها التي أحدثت النقلة عند جارتها، من زمن "السلطنة العثمانية" إلى الزمن الجمهوري. فالعثمانية، كانت إمبراطورية متمحورة حول مدائنها ونخبها البلقانية. وقادة النقلة من الزمن السلطاني إلى الزمن القومي كانوا بلقانيين، إنما توجب عليهم في خاتمة المطاف، مع مصطفى كمال، إدارة الظهر لهذا العمق البلقاني المفقود، وتنبيت "دولة أمة" إثنوقراطية في الأناضول. أما إيران، فحاولت جهدها التوفيق بين سمات "الدولة الإمبراطورية" وبين سمات "الدولة الأمة". حصل ذلك بطبعتين، بهلوية وخمينية.

إذ لم يعلن الضابط الانقلابي رضا خان بهلوي الجمهورية يوم أنهى حكم الأسرة القاجارية. على رغم إعجابه بتجربة مصطفى كمال التحديثية، الا أنه آثر إبدال سلالة شاهنشاهية بأخرى، هو الآتي من أصول طبقية متواضعة. وما كان سهلاً على إيران استيعاب مفارقة الشاه الآتي من أصول "عامية". ويبدو أن الأخير المتحدر من أصول مازندرانية وجيورجية عوّل على الرابطة العرقية المتخيلة الآرية، في مقابل سلالة قاجارية سالفة، تركمانية، مثلما عوّل نجله محمد لاحقاً، على السردية القومية الإمبراطورية المديدة، المتوارثة "من زمن الأخمينيين"، وإن كان النجل وقبل أن تطيح به الثورة عام 1979 أقل جذرية في التوجه العلماني مقارنة بوالده، ومستثمراً غير مرة في القوى الدينية، مرة ضد مصدق، ومرة ضد البهائيين، ومرة ضد الشيوعيين، قبل أن تخرج الأمور بينه وبين قسم متعاظم من علماء الدين عن السيطرة.

لم يكن بإمكان آل بهلوي التعويض بالمحصلة عن غياب السردية الملحمية التأسيسية لملكهم. أراد رضا خان إعادة توحيد البلاد في العشرينيات من القرن الماضي بعد عقود من ارتباط استمرار حكم السلالة القاجارية بالانقسام والتضعضع، بما في ذلك على خلفية الانشطار بين أنصار النموذج الدستوري المقيد وبين دعاة الحكم المطلق. أعتقد بأن لديه مفاتيح حل هذه المعضلة: بدل دعاة الحداثة الدستورية، والحكم المطلق النافي للحداثة، يأتي بتحديث على قاعدة الدولة المركزية والنظام التسلطي. افتقد كل ذلك لمعمودية الدم وقد سمحت بها في تجربة مصطفى كمال، وقائع وهالة حرب الاستقلال التركية 1920-1922. وكان ذلك عطبا تأسيسيا في التجربة البهلوية ظل يعتمل حتى أطاح بها.

في المقابل، التجربة الخمينية جاءت تحمل في طياتها مشروع توفيق من نوع آخر بين السمات الإمبراطورية لإيران وبين كينونتها الواجبة في الزمن الحديث كدولة أمة. جاءت تقترح حل "المسألة الشيعية" لإيران. فمنذ أشهر الشاه إسماعيل تشيعه مطلع القرن السادس عشر والصراع قائم في إيران لجهة من "يرث" الأنبياء والأئمة ويسهر على الجماعة في زمن الغيبة. الملوك أم الفقهاء. الملك المهدوي؟ الفقيه الملك؟ كحدين قصويين في هذا الأخذ والرد العابر لخمسة قرون. اختلط هذا الكباش لاحقا ومنذ نهايات القرن التاسع عشر وبالأخص بعد ثورة 1905 مع الاستقطاب الدستوري بين المستبدة أو المشروطة. بين فقه التقييد أم فقه الحكم؟ فرادة الخميني في أنه حاول دمج صورة الفقيه الملك بالملك الفيلسوف الأفلاطونية.

أما حرس الجمهورية، البوليتيا، عند أفلاطون فقد جاء الحرس الثوري ليفرق عنه في الكثير. لكن حرس جمهورية أفلاطون "الشيوعية الهرمية" كانوا، بخلاف الملك الفيلسوف، حراس الحقيقة لا ملاكها. أما الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية فحماة للنظام وشركاء في تعريف الحقيقة ذاتها. يذكرون في مكان ما في القيزلباش مطلع القرن السادس عشر. انما القيزلباش قاتلوا باسم حضور المهدي في إسماعيل بوصفه مظهرا للإمام. أما الباسدران فيقاتلون باسم إدارة الغياب. التجربة الخمينية مع مؤسسها لم تكن هي نفسها في نهاية المطاف مع خلفه السيد علي خامنئي. هنا تراجعت تماما صورة "الملك الفيلسوف" وتعزز الطابع الحرسي للنظام بعد أكثر.

البعد الإمبراطوري لإيران لم يصل في المقابل ومنذ قرون في أي يوم لمدى النفوذ الذي حصدته الجمهورية الإسلامية في العقدين الأخيرين وشمل العراق وسوريا وقطاع غزة والهضبة اليمنية. كل هذا بعد سنوات ليست كثيفة بمعيار التاريخ، من بعد هزيمة إيران أمام العراق بقيادة صدام حسين. وحصل أن إحياء البعد الإمبراطوري بهذا المدى، وبلوغ النفوذ زخما ومدى لم تعتده إيران منذ أيام الأخمينيين والساسانيين، ارتبط بمسارات متناقضة من الوحدوية الإسلاموية تارة ومن التناحرية المذهبية السنية الشيعية تارة أخرى، كل هذا ومركز الإمبراطورية، إيران نفسها، والتي عمادها الحرس الثوري وامتداداته في الإقليم، يعتمد على مشروعه النووي بشكل محموم، إلى أن جرى ضرب المنشآت في الحرب الأخيرة. وما نشهده اليوم هو قبل كل شيء حصيلة ربط هذا النظام شرعية استمراره بمشروع نووي يبدو أنه ضرب بشكل من الصعب إعادة ترميمه.

فهل أنها لحظة الاختيار بين أن تكون إيران دولة أمة وبين أن تكون دولة بسمات إمبراطورية؟ أم هي لحظة تواجه فيها الإمبراطورية كما الدولة الأمة مطبات تكوينية عسيرة؟ المشكلة في إيران أن سحب السمة الإمبراطورية منها يمكن أن يعطل آليات تؤكدها كدولة أمة وليس العكس. وربما كان لهذا عنوان رمزي آخر: اتخاذ إيران من الآن فصاعداً وضعية "رجل آسيا المريض" الذي يتلاعب "الاستكبار الأمريكي" مرة بجماهيره، ومرة بأعصاب أركان نظامه.

(القدس العربي)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن