حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التبشير شخصياً باقتراب موعد الإعلان عن أسماء أعضاء "مجلس السلام"، الذي سوف يترأسه بنفسه، وذهب في إطرائه إلى درجة القول بأنه سوف يضمّ أفضل العقول في العالم، وسيكون "أعظم وأعرق مجلس تمّ تشكيله على الإطلاق، في أي زمان ومكان". ولقد تكشف أن بين "عظماء العقول" هؤلاء أسماء ستيف ويتكوف مساعد ترامب المقرّب، وجاريد كوشنر صهر الرئيس وعراب اتفاقيات أبراهام، ثمّ توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق؛ على أن ينتظر العالم إماطة اللثام عن أسماء أخرى ارتأى البيت الأبيض تأجيل الكشف عنها، لأسباب شتى لا يغيب عنها حرج اعتذار هنا أو تملّص هناك، كما للمنطق السليم أن يرجح.
وليس الإعلان منفصلاً عن، بل هو يتمم أو حتى يتوّج، إجراءات أخرى تخصّ المقاربة الأمريكية في قطاع غزّة، أو على وجه أدقّ: المسعى الأمريكي لإنقاذ دولة الاحتلال من المستنقع الذي يواصل تحالف بنيامين نتنياهو الحاكم إغراقها فيه؛ حيث باتت دماء الأطفال والنساء والشيوخ أبناء القطاع تلطخ سلسلة الوجوه الإسرائيلية التي دأبت الإدارات الأمريكية على غسلها وتجميلها، أياً كانت مقادير الافتضاح والزيف والخداع في طرائق التنظيف. ففي السياقات ذاتها أتى تعيين الدبلوماسي الدبلوماسي البلغاري المخضرم نيكولاي ميلادينوف، أو لجنة التكنوقراط الفلسطينية، والتلميحات المتعاقبة إلى الدول التي وافقت على المشاركة في ما يسمى قوة حفظ السلام…
وإذا لم يكن اختيار الأسماء الثلاثة مفاجئاً، حتى عند بسطاء العقول، فإنّ حكاية بلير تلوح منفردة عن ويتكوف وكوشنر، من زاوية أولى تخص تقلبات رأي ترامب في المهمة التي سوف تُسند إلى رجل الإدارات الأمريكية في المملكة المتحدة. صحيح أنه صاحب التاريخ الحافل في السير خلف جميع رؤساء أمريكا على منوال التابع، الشريك المستزيد في المخادعة والكذب وجرائم الحرب، أو حتى التغطية على فضائح بعضهم الجنسية (كما في نموذج تبرئة بيل كلنتون من أي إثم مع المتدربة مونيكا لوينسكي). صحيح، في المقابل، أنّ تاريخه ذاك، وتاريخ علاقته المشين بالقضية الفلسطينية عبر الرباعية الشهيرة التي ولدت عجفاء أصلاً؛ أكسب بلير سمعة هابطة وإشكالية، وجلبت عليه اعتراضات جدية توجّب أن يأخذها ترامب بعين الاعتبار.
بذلك فإنّ بلير هبط من وظيفة المفوّض السامي، أو القائمقام المتصرف في القطاع، كما شاء له ترامب في البدء؛ إلى عضو تنفيذي في المجلس، لن تكون صلاحياته مساوية لما سوف يفوّض به ويتكوف أو كوشنر، غنيّ عن القول. وبالتالي سوف يعمد ترامب، رئيسه في المجلس العتيد، إلى التعكز على ما تبقى من صيت انحياز بلير إلى السردية الإسرائيلية ضد الحقوق الفلسطينية، حتى تلك المنبثقة عن القانون الدولي والقرارات الأممية.
متعكز مثل ترامب لن يجد مشكلة في تبديل منصب المندوب السامي إلى وظيفة عكاز بين مجموعة عكاكيز، ما دام الأصل في الحالتين لن يخرج عن ترجيع أصداء الرئيس الأمريكي؛ تلك التي لن تختلف، إلا في معدّل الديماغوجيا غالباً، عن اشتراطات نتنياهو وجملة المحرمات والخطوط الحمر الإسرائيلية بصدد مستقبل القطاع، فضلاً عن ملفات الانسحاب الإسرائيلي، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، ونزع سلاح "حماس"، وسواها.
وضمن خلفية أبعد في التاريخ، وأقرب إلى منظور محلي بريطاني، للمرء أن يستعيد تساؤل المعلّق البريطاني بول فوت: أهذا هو بلير نفسه الذي صعد من صفوف الحزب إلى هرم القيادة، على أساس مناهضة سياسات مارغريت ثاتشر الاجتماعية ـ الاقتصادية، والدفاع عن حقوق الضمان الصحي، والنقابات، واقتصاد السوق؟ واستطراداً، أليس هذا هو بلير أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية، ومندوب الاحتلال المقنّع لدى الرباعية، والفاشل سابقاً والعكاز القاصر لاحقاً واليوم؟
(القدس العربي)

