تَنْطَلِقُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ مِنْ أَوْضاعٍ تَنْمَوِيَّةٍ تَخْتَلِفُ جَوْهَرِيًّا عَنْ تِلْكَ التي كانَتْ عَلَيْها الاقْتِصاداتُ المُتَقَدِّمَةُ عِنْدَ شُروعِها في تَبَنّي مُسْتَهْدَفاتِ الاسْتِدامَةِ البيئِيَّة. فَهَذِهِ الاقْتِصاداتُ لَمْ تَنْخَرِطْ في سِياساتٍ بيئِيَّةٍ صارِمَة، إِلّا بَعْدَ أَنْ قَطَعَتْ شَوْطًا واسِعًا في التَّصْنيعِ والتَّراكُمِ الرَّأْسْمالِيّ، وَحَقَّقَتْ مُسْتَوَياتٍ مُرْتَفِعَةً مِنَ الدَّخْلِ والتَّشْغيلِ وَتَوْفيرِ الخِدْماتِ الأَساسِيَّة، بِما أَتاحَ لَها تَحَمُّلَ كُلْفَةِ التَّحَوُّلِ مِنْ دونِ تَهْديدٍ مُباشِرٍ لِأَوْلَوِيّاتِ التَّنْمِيَة. أَمّا الدُّوَلُ العَرَبِيَّة، فَتَجِدُ نَفْسَها مُطالَبَةً بِالِالْتِزامِ بِأَجَنْدَةٍ بيئِيَّةٍ مُماثِلَةٍ في مَرْحَلَةٍ لا تَزالُ فيها فَجَواتُ النُّمُوِّ والإِنْتاجِ والتَّشْغيلِ قائِمَة، وَهُوَ ما يَجْعَلُ المُقارَنَةَ بَيْنَ المَوْقِفَيْنِ البيئِيَّيْنِ مُقارَنَةً بَيْنَ نُقْطَتَيْ انْطِلاقٍ غَيْرِ مُتَماثِلَتَيْن.
وَيَزْدادُ هَذَا التَّبايُنُ وُضوحًا عِنْدَ النَّظَرِ إلى خَريطَةِ الاسْتِثْماراتِ العالَمِيَّةِ في التَّحَوُّلِ الطّاقَوِيّ. فَبِحَسَبِ بَياناتِ الوَكالَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلطَّاقَةِ المُتَجَدِّدَة (IRENA)، بَلَغَ إِجْمالِيُّ الاسْتِثْماراتِ العالَمِيَّةِ في هَذَا المَجالِ نَحْوَ 2.4 تْريلْيونِ دولارٍ في 2024، تَرَكَّزَ مُعْظَمُها في الصّينِ والاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة، بَيْنَما ظَلَّتْ حِصَّةُ الدُّوَلِ النّامِيَة، وَمِنْها الدُّوَلُ العَرَبِيَّة، مَحْدودَةً على الرَّغْمِ مِنِ اتِّساعِ احْتِياجاتِها التَّنْمَوِيَّة. وَتَعْكِسُ هَذِهِ المُفارَقَةُ اخْتِلالًا بُنْيَوِيًّا في نِظامِ التَّمْويلِ الدَّوْلِيّ، حَيْثُ تُوَجَّهُ التَّدَفُّقاتُ الاسْتِثْمارِيَّةُ إلى البيئاتِ الأَقَلِّ مَخاطِرَة، في الوَقْتِ الَّذِي يُطْلَبُ فيهِ مِنْ دولٍ لَمْ تَسْتَكْمِلْ بَعْدُ قَواعِدَها الإِنْتاجِيَّةَ أَنْ تَتَحَمَّلَ أَعْباءَ انْتِقالٍ مُرْتَفِعَةَ التَّكْلِفَةِ بِأَدَواتِ تَمْويلٍ أَقَلَّ مُلاءَمَة، ما يُفاقِمُ الفَجْوَةَ بَدَلًا مِنْ رَدْمِها.
في ظلّ ارتفاع المديونية يصبح تمويل انتقال الطاقة منافسًا مباشرًا للإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية
وَتُشيرُ بَياناتُ "IRENA" إلى أَنَّ 807 مِلْياراتِ دولارٍ فَقَطْ وُجِّهَتْ مُباشَرَةً إلى الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة، وَأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ التَّمْويلِ جاءَ في صورَةِ دُيونٍ تِجَارِيَّة، بَيْنَما لَمْ تَتَجاوَزِ المِنَحُ 1% مِنَ الإِجْمالِيّ. وَفي ظِلِّ ارْتِفاعِ المَدْيونِيَّةِ وَضَعْفِ أَسْواقِ رَأْسِ المالِ المَحَلِّيَّة، يُصْبِحُ تَمْويلُ مُتَطَلَّباتِ انْتِقالِ الطّاقَةِ مُنافِسًا مُباشِرًا لِلْإِنْفاقِ على التَّعْليمِ والصِّحَّةِ والبُنْيَةِ الأَساسِيَّة، لا مُكَمِّلًا لَه.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ 91% مِنَ المَشْروعاتِ الجَديدَةِ لِلطّاقَةِ المُتَجَدِّدَةِ باتَتْ أَقَلَّ تَكْلِفَةً مِنْ بَدائِلِ الوُقودِ الأَحْفورِيّ، فَإِنَّ هَذا الانْخِفاضَ يَعْكِسُ التَّكاليفَ التَّشْغيلِيَّةَ لا الأَعْباءَ الرَّأْسْمالِيَّةَ الأَوَّلِيَّةَ وَلا مُتَطَلَّباتِ الشَّبَكاتِ والتَّخْزين، وَهِيَ عَناصِرُ لا تَزالُ تُمَثِّلُ تَحَدِّيًا حَقيقِيًّا في كَثيرٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.
وَتَتَضاعَفُ أَزْمَةُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة (خاصَّةً تِلْكَ التي تَنْتَمي إلى مَجْموعَةِ الدُّوَلِ ذاتِ الدَّخْلِ المُنْخَفِضِ والمُتَوَسِّطِ المُنْخَفِضِ) عِنْدَ الانْتِقالِ إلى القِطاعاتِ الصِّناعِيَّةِ الثَّقيلَة. إذ بِحَسَبِ الوَكالَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة (2024)، فَإِنَّ القِطاعاتِ الأَكْثَرَ صُعوبَةً في خَفْضِ الانْبِعاثات - مِثْلَ الإِسْمَنْتِ والصُّلْبِ والكيماوِيّاتِ والنَّقْلِ الثَّقيلِ والطَّيَرانِ - مَسْؤُولَةٌ عَنْ نَحْوِ 20% مِنَ الانْبِعاثاتِ العالَمِيَّة. وَهَذِهِ القِطاعاتُ لا يُمْكِنُ نَزْعُ الكَرْبونِ عَنْها عَبْرَ الكَهْرَباءِ المُتَجَدِّدَةِ وَحْدَها، بَلْ تَتَطَلَّبُ حُلولًا ابْتِكارِيَّةً مُكْلِفَة، وَغَيْرَ ناضِجَةٍ تِجارِيًّا في مُعْظَمِها.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ بُطْءِ التَّقَدُّمِ في هَذِهِ القِطاعات، تُشيرُ "IRENA" إلى أَنَّ التَّحَسُّنَ في تَنافُسِيَّةِ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَةِ والتِّقْنِيّاتِ المُمَكِّنَةِ بَدَأَ يَفْتَحُ مَساراتٍ جَدِيدَة. فَقَدْ أَسْهَمَتِ التَّحْسيناتُ في أَداءِ وَتَكْلِفَةِ البَطّارِيّاتِ في تَوْسيعِ فُرَصِ اسْتِخْدامِ الشّاحِناتِ الكَهْرَبائِيَّةِ في النَّقْلِ البَرِّيّ، كَما أَنَّ تِقْنِيّاتِ تَوْفيرِ الطّاقَة - مِثْلَ المَراوِحِ عالِيَةِ الكَفاءَة، والدَّفْعِ المُعَزَّزِ بِالرِّياح، وَأَنْظِمَةِ اسْتِعادَةِ الحَرارَةِ المُهْدَرَة - يُمْكِنُ أَنْ تُحَقِّقَ تَخْفيضاتٍ مُعْتَبَرَةً في انْبِعاثاتِ قِطاعِ الشَّحْن، قَدْ تَصِلُ إلى 20% مِنَ التَّخْفيضاتِ المَطْلوبَةِ بِحُلولِ 2050.
كَذَلِك، يَشْهَدُ التَّحَوُّلُ الكَهْرَبائِيُّ تَقَدُّمًا داخِلَ بَعْضِ العَمَلِيّاتِ الصِّناعِيَّةِ بِطُرُقٍ لَمْ تَكُنْ مُتَوَقَّعَةً قَبْلَ سَنَواتٍ قَلِيلَة. غَيْرَ أَنَّ الجَدْوى الاقْتِصادِيَّةَ لِهَذِهِ الحُلول، لا تَزالُ مَحَلَّ قَدْرٍ كَبيرٍ مِنْ عَدَمِ اليَقين، خاصَّةً مَعَ اضْطِرابِ قَنَواتِ نَقْلِ التِّكْنولوجِيا إلى الدُّوَلِ الأَقَلِّ تَقَدُّمًا، في ظِلِّ التَّوَتُّراتِ الجْيوسِيّاسِيَّةِ وَتَقْييدِ التِّجارَةِ العالَمِيَّة، وَمَعَ احْتِكارِ الابْتِكاراتِ في الدُّوَلِ المُتَقَدِّمَةِ وَفَرْضِ حِمايَةٍ لِحُقوقِ المِلْكِيَّةِ الفِكْرِيَّة.
ليست المشكلة في الانتقال الطاقوي بل في عزله عن الأولويات التنموية الشاملة
في هَذا السِّياق، يَبْرُزُ الهيدْروجينُ الأَخْضَرُ بِوَصْفِهِ مِثالًا كاشِفًا لِتَعْقيداتِ انْتِقالِ الطّاقَة. فَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّرْويجِ لَهُ كَحَلٍّ مُحْتَمَلٍ لِبَعْضِ هَذِهِ القِطاعات، فَإِنَّ إِنْتاجَهُ يَعْتَمِدُ على اسْتِثْماراتٍ كَثيفَةٍ في الكَهْرَباءِ المُتَجَدِّدَةِ والمِياهِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، فَضْلًا عَنْ أَسْواقِ طَلَبٍ غَيْرِ مُسْتَقِرَّة. وَتُشيرُ بَياناتُ "IRENA" إلى أَنَّ الِاسْتِثْمارَ العالَمِيَّ في مَرافِقِ تَصْنيعِ تِقْنِيّاتِ الطّاقَةِ النَّظيفَة، بِما فيها الهيدْروجين، تَراجَعَ بِنَحْوِ 21% في 2024، وَهُوَ ما يَعْكِسُ هَشاشَةَ سَلاسِلِ القيمَةِ المُرْتَبِطَةِ بِهَذا المَسار. وَتَزْدادُ حَساسِيَّةُ القَرارِ الاسْتِثْمارِيِّ في دُوَلٍ تُعاني شُحًّا مائِيًّا وَضُغوطًا كَهْرَبائِيَّة، حَيْثُ يُصْبِحُ تَخْصيصُ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَةِ لِإِنْتاجِ هيدْروجينٍ مُوَجَّهٍ لِلتَّصْدير، بَدَلًا مِنْ دَعْمِ الصِّناعَةِ المَحَلِّيَّةِ أَوْ تَحْسينِ إِتاحَةِ الطّاقَة، مُفاضَلَةً تَنْْمَوِيَّةً دَقيقَةً لا يَجوزُ التَّعامُلُ مَعَها كَخِيارٍ تِقْنِيٍّ مَحْض.
في النِّهايَة، لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ في الانْتِقالِ الطّاقَوِيِّ بِحَدِّ ذَاتِه، بَلْ في عَزْلِهِ عَنِ الأَوْلَوِيّاتِ التَّنْمَوِيَّةِ الشّامِلَة. وَيَظَلُّ الهيدْروجينُ الأَخْضَر، مِثْلُ غَيْرِهِ مِنْ أَدَواتِ الانْتِقالِ الأَخْضَرِ المُسْتَدام، فُرْصَةً مَشْروطَةً وَلَيْسَتْ حَلًّا سِحْرِيًّا؛ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلى رافِعَةٍ تَنْْمَوِيَّةٍ حَقيقِيَّةٍ إِلّا إِذَا أُدْمِجَ ضِمْنَ رُؤْيَةٍ إِنْتاجِيَّةٍ واضِحَة، تَجْعَلُ مِنَ الطّاقَةِ أَداةً لِلنُّمُوِّ وَداعِمًا لِلتَّنْمِيَة، لا عِبْئًا إِضَافِيًّا يُفاقِمُ تَحَدِّياتِها.
(خاص "عروبة 22")

