تشير التطورات السريعة التي جرت خلال الأسبوع الماضي في سوريا، مرة أخرى، إلى تصميم إدارة دونالد ترامب على مواصلة دعم إدارة الشرع في سوريا. ففي حين كانت التوقعات الأولية تشير إلى توافق أمريكي ـ تركي على إبعاد قوات قسد إلى شرق نهر الفرات، انتهى الأمر إلى إخراجها من كامل محافظتي دير الزور والرقة الواقعتين هناك، إضافة إلى المواقع الواقعة غربي النهر، لتبقى لها فقط محافظة الحسكة.
وعمل المبعوث الأمريكي توماس براك بنشاط على خط أربيل ـ دمشق ليصل إلى اتفاق لوقف النار جبّ بمضمونه اتفاق العاشر من آذار 2025، وقع عليه مظلوم عبدي في أربيل وأحمد الشرع في دمشق. كان لافتاً عدم اجتماع الرجلين في العاصمة السورية للتوقيع بصورة مشتركة، كما كان متوقعاً، وقال عبدي، في تصريح مقتضب، إنه سيصل إلى دمشق لاحقاً "لاستكمال" الاتفاق، مضيفاً إنه وافق على الاتفاق "حقناً للدماء" وإنه سيدافع عن "مكتسبات الشعب الكردي" بعدما ظهر في نص الاتفاق أن كل ما يتعلق بالإدارة الذاتية أو اللامركزية الإدارية قد بات شيئاً من الماضي.
الواقع أن هذه التطورات قد كشفت تفاصيل إضافية مما جرى في اجتماع باريس، أوائل الشهر الجاري، بين الوفدين الإسرائيلي والسوري بإشراف أمريكي، ومشاركة غير مباشرة من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. بات واضحاً الآن تقاسم النفوذ على الأراضي السورية بين تركيا وإسرائيل، بما يتضمن تغيير خرائط النفوذ في الشمال الشرقي بما يرضي أنقرة، مقابل إقرار الأخيرة بنفوذ إسرائيلي على المنطقة الجنوبية. لا نعرف، إلى الآن، ما الذي ينتظر محافظة السويداء في هذا الإطار، هل تبقى الأمور على حالها وفق اتفاق عمان، أم ستدعم واشنطن إعادة سيطرة سلطة دمشق على المحافظة ولكن من غير تواجد لجيشها كما تصر إسرائيل.
من المحتمل أن قيادة قوات سوريا الديمقراطية لم تقرأ جيداً مدى التحول في الموقف الأمريكي في غير مصلحتها، ولا يمكن استبعاد التفسير القائل بأن سبب ذلك يعود إلى نفوذ قيادة حزب العمال الكردستاني لدى قسد، لحسابات تخص العملية السياسية الجارية بينها وبين الحكومة التركية، وبموجبها حل الحزب نفسه، وكان يعول على تعويض ذلك بالحصول على مكتسبات كبيرة في سوريا، الأمر الذي أدى إلى تلكؤ قيادة قسد في عملية الاندماج وفقاً لاتفاق العاشر من آذار. لم تفهم قيادة قسد التحول الأمريكي إلا بعد سيطرة قوات سلطة دمشق على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، فاستجابت بسرعة في دير حافر ومسكنة، لتفاجأ بعد ذلك بانقلاب قوات العشائر العربية ضدها في الرقة ودير الزور، لتصل إلى الإذعان لاتفاق جديد أعلنه الشرع في دمشق من طرف واحد.
واستبق الشرع هذا الاتفاق بإصدار مرسوم يعترف فيه بالحقوق الثقافية للكرد في سوريا، بما في ذلك اعتبار اللغة الكردية "لغة وطنية"! وعيد النوروز عطلة رسمية. قد يمكن اعتبار مضمون هذا المرسوم إيجابياً بهذا المعنى، لكنه يبقى من نوع "المكرمة" التي يتفضل بها قائد كلي القدرة، ويمكنه أن يتراجع عنها في أي وقت، في حين يتطلع الكرد إلى ضمانات دستورية بهذا الاعتراف لا يمكن التراجع عنها إلا بتغيير الدستور أو تعديله من قبل سلطة تشريعية منتخبة تمثل الشعب بكل فئاته. من هذا المنظور كانت لافتة استقالة نائب وزير الدفاع في حكومة الشرع فهيم عيسى احتجاجاً على ما اعتبره امتيازات خص بها المرسوم المكون الكردي وحده.
وهو احتجاج محق بالنظر إلى انتماء الرجل إلى المكون التركماني. ففي سوريا المتنوعة قومياً ودينياً وطائفياً يحتاج الأمر إلى توافقات وطنية تنظم حقوق الأفراد والجماعات وواجباتها، في مؤتمر وطني عام يتمثل فيها كل السوريين. وهي فرصة فوتتها سلطة الشرع حين عقدت ما أسمته "مؤتمر حوار وطني" لم ترض أحداً إلا السلطة نفسها. بل إن الإعلان الدستوري الذي أقرته السلطة لا يمنح الرئيس صلاحية إصدار مرسوم من هذا النوع الذي من الواضح أن إصداره كان بدوافع تكتيكية تهدف إلى الفصل بين الكرد وقوات قسد.
هل سينجح هذا الفصل كما تريد السلطة؟ هذا يتوقف على كيفية تعاطيها مستقبلاً مع مطالب القوى السياسية الكردية من خارج إطار قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي. فثمة عدد كبير من القوى السياسية الكردية، بعضها مؤطر في "المجلس الوطني الكردي" ومعروف أنها تطالب بنظام فيدرالي لكل سوريا، مقابل مطالبة قسد بنظام لامركزي. طبعاً لا تملك هذه الأحزاب السياسية قوة عسكرية تسند مطلبها الفيدرالي، ومن المحتمل، بعد التطورات الأخيرة، أن تتراجع عن هذا المطلب لتكتفي بمطلب الحقوق الثقافية. لكن هذا في طور الاحتمال فقط. فلا يمكن المصادرة من الآن على ما يمكن أن يفرزه الوعي القومي الكردي الذي قد يتجاوز هذه الأحزاب. المغزى أن تحجيم قسد لا يعني انتهاء المسألة الكردية، ولا بالطبع مجرد إصدار مرسوم جمهوري قد يبدو "بالغ السخاء" من منظور سلطة مركزية تعي نفسها كذات عربية سنية، ومنظورها لبناء الدولة شديد الضيق تجاه التنوع المجتمعي القومي والديني والطائفي، يقوم على وجوب خضوع الجميع للسلطة القائمة.
في عودة إلى عنوان المقال، يمكن القول من الآن أن واشنطن التي أشرفت على تحويل "قوات حماية الشعب" الكردية إلى "قوات سوريا الديمقراطية" بضم قوات عربية إليها، في 2015، قد دفعتها الآن إلى التفكك بعد انفصال قوات العشائر عنها، لتعود إلى أصلها كقوات كردية، على تناقض هذا المسار مع ما أراده الشرع من مرسومه بالفصل بين قسد وقاعدته الكردية. غير أن اتفاق وقف إطلاق النار يتضمن حل هذه القوات وانضمامها "بصورة فردية" إلى الجيش التابع لدمشق. من المحتمل أن هذا مسار سينطوي على آلام إضافية في مقبل الأيام.
(القدس العربي)

