العودة إلى لبنان!

لا يفيد في شيء اتهام "حزب الله" اللبناني شكلاً، والإيراني أصلاً وفصلاً، بالحمق وقلة الحكمة أو الجهل بالمآلات. فهذه الصواريخ التي عاد لإطلاقها هي بقايا ترسانة كانت تحتوي على عشرات الألوف من مختلف الأنواع والأجناس المطوَّرة في إيران. وشأنه في ذلك شأن "حماس" التي منذ عام 2007 خاضت 4 أو 5 حروب خسرتها كلها، حتى فقدت آلاف القتلى قبل واقعة أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وما أقصده أن هؤلاء وأولئك لا يبحثون فيما يبدو عن النصر أو الردع، بل يبحثون دائماً عن مبرراتٍ للاستمرار. لأنهم محترفون، ومن أنشأوهم وطوَّروهم بالسلاح والقدرات يطلبون منهم ذلك.

فالهجمات لا يحدد زمانها ومكانها القائمون بها، بل الجهة المستفيدة التي تسيِّرهم حسب احتياجاتها. لكنّ حالة الحزب مختلفة بعض الشيء هذه المرة مع بقائها حالةً إيرانية. في عام 2015، وعندما كان نائب قائد "الحرس الثوري" يشكر الجهات التي ساعدت في الوصول إلى الاتفاق النووي بين إيران وإدارة أوباما، كان "حزب الله" في طليعة الذين شكرهم. فقد شنّ الحزب هجماتٍ بعد عام 2000 (تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان) وبخاصةٍ عام 2006، واخترعوا لذلك عِلَلاً بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي تمتلكها سوريا وتحتلها إسرائيل. لقد كان المسوِّغ الحقيقي للحرب التساوُم مع الولايات المتحدة على العراق، والاستحثاث على التفاوض والتسليم بـ"النووي". ففي العراق ساعدت الميليشيات التي سُمّيت "الحشد الشعبي" فيما بعد، إلى جانب "حزب الله".

أما في الملف النووي، فقد تهاودت الولايات المتحدة (وإسرائيل) بشأن المكاسب الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وبإنتاج الباليستي، وكلُّ ذلك من أجل تفاوضٍ مُلائمٍ على "النووي". وكأنما كان يراد التسليم للإيرانيين بهذا الامتداد في المجال العربي البري والبحري لاستيعاب مسألة "النووي" أو الاستبدال، وهو الأمر الذي لم يفد في إخماد السعي نحو القنبلة رغم الاتفاق، ولا في الخروج من البلدان التي كانت تتساقط وتنقسم تحت الوطأة الإيرانية.

منذ عام 2023، خاض الحزب حرب الإسناد لـ"حماس". ولأنّ العبء السوري كان قد تضاءل حتى اختفى عام 2024، فإنّ قسماً كبيراً من الجمهور الشيعي ما استحبّ تحمل الخراب والقتل والتهجير بحجة دعم "حماس" والقضية. حتى المصلحة الإيرانية ما كانت ظاهرة، وحسن نصر الله نفسه كان متضايقاً، وهو يعلِّل مشاركته في الحرب. لكنّ الإيرانيين كانوا منذ بداية عام 2023 يخططون لحربٍ شاملةٍ جديدة، اعتقدوا أن "وحدة الساحات" صارت قادرةً على القيام بها. وقد بدأها "تنظيم الجهاد الإسلامي" بالضفة الغربية، وتأخرت "حماس" كثيراً حتى انضمت، ولكي تستطيع إيران الإفادة من مصائب الآخرين، كان لا بد من مشاركة "حزب الله"، رغم أن الساحة صارت كلها خسائر، ليس على "حماس" فقط، بل على الحزب أيضاً.

في إدارة الرئيس ترمب أتت فرصة إسرائيل النادرة. فما عادت تنتظر حتى تُشنَّ عليها الحرب، بل صارت هي التي تبادر لذلك؛ إنهاء غزة والقضية الفلسطينية، وإنهاء التحدي الإيراني. وهي دائماً على ثقة أن ترمب وراءها. لماذا تأخر الحزب؟ لكنه هاجم أخيراً، لأنه صار ضعيفاً جداً بعد حرب الإسناد وتوابعها، ولأن الشيعة اللبنانيين الذين قُتل آلافٌ منهم وتهجر مئات الألوف ما عادوا داعمين ولا مؤيدين ولا ساكتين عما ينزل بهم. حتى الشخصية الكارزمية لحسن نصر الله زالت.

وبنية الحزب تحطمت، والتحجج بضعف الدولة ما عاد مقنعاً، فقد صار الحزب أضعف منها. لكنّ إيران أرادت من الحزب ومن الميليشيات العراقية ومن الحوثيين أن يتدخلوا، لأنها كما قالت تريد إحداث حريق هائل بالمنطقة. هي المرة الأخيرة التي تستطيع، ولو على ضعف، استخدام الأذرع التي أنفقت عليها طويلاً. وفي حسبانها؛ التأثير في أمن الطاقة بالضرب في دول الخليج، والتأثير في الممرات البحرية (مضيق هرمز وما وراءه).

أخيراً، يرفع الحزب إلى جانب الآيديولوجيا المذهبية شعار الثأر للولي الفقيه. لكنّ الجمهور ما عاد كبيراً، والعدوّ القاتل لا يموت من أفراده أحدٌ تقريباً. فما هذه النهاية المأساوية لمسيرةٍ توشك ألا تُنهي الأذرُع فقط، بل نظام الولي الفقيه نفسه! لقد بدأ الولي الفقيه كفاحه للامتداد في لبنان، وهو يعود الآن لينتهي في لبنان!

(الشرق الأوسط)

يتم التصفح الآن