اقتصاد ومال

فنزْويلا.. ثرْوَةٌ نَّفْطِيَّةٌ هائلة ومُشْكِلاتٌ اقْتِصادِيَّةٌ عَميقَة!

بَلَغَ النّاتِجُ الْمَحَلِّيُّ الإِجْمالِيُّ لِفِنِزْويلا لِعامِ 2025، ما قيمَتُهُ 82.7 مِلْيارَ دولارٍ مَعَ نُمُوٍّ 0.5%، في حينِ بَلَغَ في عامِ 2015 ما قيمَتُهُ 125.4 مِلْيارَ دولارٍ اسْتِنادًا إلى "صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيّ"، بَعْدَما تَمَتَّعَتْ فِنِزْويلا، التي كانَتْ لاعِبًا رَئيسِيًّا في أَسْواقِ النَّفْط، بِأَحَدِ أَعْلى مُعَدَّلاتِ دَخْلِ الْفَرْدِ في أَميرْكا اللّاتينِيَّةِ وَوَضْعٍ اقْتِصادِيٍّ قَوِي.

فنزْويلا.. ثرْوَةٌ نَّفْطِيَّةٌ هائلة ومُشْكِلاتٌ اقْتِصادِيَّةٌ عَميقَة!

أَصْبَحَتْ فِنِزْويلا تُواجِهُ أَزْمَةً اقْتِصادِيَّةً حادَّةً وَبُنْيَةً تَحْتِيَّةً مُتَدَهْوِرَة، وَتَعودُ جُذورُ الْأَزمةِ إلى سِياساتٍ اقْتِصادِيَّةٍ خاطِئَة، حَتّى إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ سِعْرِ الصَّرْفِ الرَّسْميِّ 270 بوليفارًا لِلدّولار والسّوقِ الْمُوازِيَة 480 بوليفارًا لِلدّولار بَلَغَ 210 بوليفاراتٍ. وَتَمْتَلِكُ فِنِزْويلا أَكْبَرَ احْتِياطِيّاتٍ مُؤَكَّدَةٍ مِنَ النَّفْطِ في الْعالَم، حَيْثُ إِنَّهُ بِحَسَبِ تَقْديراتِ "أُويل آند غاز" جورْنال، تَمْلِكُ ما يَزيدُ على 300 مِلْيارِ بَرْمِيل، أَيْ ما يُعادِلُ 17% تَقْريبًا مِنَ الِاحْتِياطيِّ النَّفْطيِّ الْعالَميِّ الْمَعْروف (بَرْنامَجُ الْأَغْذِيَةِ الْعالَمِيُّ التّابِعُ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ وَصُنْدوقُ النَّقْدِ الدَّوْلِيّ).

بَعيدًا عَنِ الْوَضْعِ السِّياسيِّ وَعَمَلِيَّةِ انْتِقالِ السُّلْطَة، فَإِنَّ إِصْلاحَ الْوَضْعِ الاقْتِصاديِّ في فِنِزْويلا، يُواجِهُ تَحَدِّياتٍ جَسيمَةً مَعَ الْحاجَةِ الْعاجِلَةِ لِتَوْفيرِ الْغِذاءِ والْوُقودِ والْأَدْوِيَةِ والْأَمْن، وَإِعادَةِ هَيْكَلَةِ الدُّيون، وَمُعالَجَةِ أَزْمَةِ تَدَهْوُرِ سِعْرِ الصَّرْف، والاسْتِثْمارِ في الْبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ بِما يَشْمَلُ شَبَكاتِ الْمِياهِ والْكَهْرَباءِ والْعَوْدَةِ لِتَقْديمِ بَياناتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مَوْثوقَةٍ عَنِ التَّضَخُّمِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُؤَشِّراتِ الرَّئيسِيَّةِ حَتّى تَتَّضِحَ الرُّؤْيَةُ بِشَأْنِ دَخْلِ الْبِلادِ والْتِزاماتِها والاسْتِفادَةِ مِنْ ثَرَواتِها.

نحو 85% من الاحتياطيات الفنزويلية نفط شديد الثقل مُكلف الاستخراج والتكرير

وَقَدْ رَبَطَ النَّفْطُ فنزويلا بأميركا اقْتِصادِيًّا واسْتِراتيجِيًّا، إِذْ كانَ جُزْءٌ كَبيرٌ مِنَ النَّفْطِ الْفِنِزْويليِّ يُصَدَّرُ إلى أَميرْكا لِمُعالَجَتِهِ في مَصافيها، وَلا سِيَّما على ساحِلِ الْخَليج، التي صُمِّمَتْ لِلتَّعامُلِ مَعَ الْخاماتِ الثَّقيلَة، لَكِنَّ مَكاسِبَ هَذِهِ الْعَلاقَةِ لَمْ تَكُنْ مُوَزَّعَةً بِالتَّساوي. وَكَما تُشيرُ لامْبوغْلِيا (Lamboglia)، فَإِنَّ الشَّرِكاتِ والْعُمّالَ الْأَميرْكِيِّينَ غالِبًا ما حَصَلوا على حِصَّةٍ غَيْرِ مُتَكافِئَةٍ مِنَ الْعَوائِد، بِما يَعْكِسُ التَّفاوُتَ الْأَوْسَعَ الذي طَبَعَ الْمُجْتَمَعَ الْفِنِزْويلِي.

وَتُشيرُ بَياناتُ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ إلى أَنَّ الْفَقْرَ في فِنِزْويلا تَراجَعَ مِنْ نَحْوِ 50% في أَواخِرِ التِّسْعينِيّاتِ إلى قُرابَةِ 30% بِحُلولِ عامِ 2006 مَعَ تَمَكُّنِ مَلايينِ الْفِنِزْويليِّينَ مِنَ الْوُصولِ إلى الْخِدْماتِ الْأَساسِيَّةِ بِشَكْلٍ أَفْضَل. في الْوَقْتِ نَفْسِه، سَعَتِ الْحُكومَةُ الْفِنِزْويلِيَّةُ إلى إِعادَةِ صِياغَةِ عَلاقَةِ الدَّوْلَةِ بِصِناعَةِ النَّفْط، مُطالِبَةً بِدَوْرٍ أَكْبَرَ لِعائِداتِ النَّفْطِ في تَمْويلِ أَوْلَوِيّاتِ الْحُكومَة.

تَزامَنَتْ هَذِهِ الْفَتْرَةُ مَعَ تَسْجيلِ أَرْقامِ احْتِياطِيّاتِ فِنِزْويلا مِنَ النَّفْطِ تَحَوُّلًا كَبيرًا، فَمَوارِدُ فِنِزْويلا الْكَبيرَةُ مِنَ النَّفْطِ كانت مَعْروفَةً مُنْذُ زَمَن، لَكِنَّ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الْخامِ الثَّقيلِ لَمْ يَكُنْ يُعَدُّ مُجْدِيًا اقْتِصادِيًّا، لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يُحْتَسَبُ ضِمْنَ احْتِياطِيّاتِ الْبِلادِ الْمُؤَكَّدَةِ مِنَ الْخام. وَمَعَ ارْتِفاعِ الْأَسْعارِ في الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَلْفِيَّةِ وَتَقَدُّمِ تَقْنِيّاتِ الاسْتِخْراج، أُعيدَ تَصْنيفُ كَمِّياتٍ ضَخْمَةٍ مِنَ الْمَوارِدِ كاحْتِياطِيّاتٍ مُثْبَتَة، ما جَعَلَ فِنِزْويلا صاحِبَةَ أَكْبَرَ احْتِياطِيٍّ في الْعالَم.

فنزويلا تُنتج حاليًا أقل من 1% من النفط المستخدَم عالميًا

وَفي ظِلِّ غِيابِ إِصْلاحاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَهَيْكَلِيَّةٍ كُبْرى، لَجَأَتِ السُّلْطاتُ إلى سِياساتِ تَمْويلٍ بِالْعَجْزِ وَطِباعَةِ النُّقودِ لِسَدِّ الْفَجَوات، ما أَطْلَقَ مَوْجَةَ تَضَخُّمٍ مُفْرِطٍ غَيْرِ مَسْبوقَة. وانْكَمَشَ الاقْتِصادُ عامًا بَعْدَ عامٍ، فيما واصَلَ الْإِنْتاجُ النَّفْطِيُّ تَراجُعَهُ حَتّى مَعَ تَعافٍ جُزْئِيٍّ لِلْأَسْعارِ لاحِقًا. وَمَعَ تَفاقُمِ الْأَزْمَة، دَخَلَتْ فِنِزْويلا مَرْحَلَةَ انْهِيارٍ اقْتِصادِيٍّ حاد، دَفَعَتْ مَلايينَ الْمُواطِنينَ إلى مُغادَرَةِ الْبِلادِ بَحْثًا عَنْ فُرَصِ عَمَلٍ وَخِدْماتٍ أَساسِيَّةٍ في الْخارِج.

وَمِنَ الْجَديرِ بِالْإِشارَةِ إلى أَنَّ طَبيعَةَ النَّفْطِ الْفِنِزْويليِّ نَفْسَها تُمَثِّلُ تَحَدِّيًا، إِذْ إِنَّ نَحْوَ 85% مِنَ الِاحْتِياطِيّاتِ الفنزويلية نَفْطٌ شَديدُ الثِّقَل، مُكْلِفُ الاسْتِخْراجِ والتَّكْرير، كَما أَنَّ نُمُوَّ الطَّلَبِ الْعالَميِّ باتَ مَدْفوعًا بِشَكْلٍ مُتَزايِدٍ بِالْبِتْروكيماوِيّات، التي تَعْتَمِدُ عادَةً على نَفْطٍ أَخَفّ، ما يُثيرُ تَساؤُلاتٍ حَوْلَ الطَّلَبِ طَويلِ الْأَمَدِ على الْخامِ الْفِنِزْويلِيّ. في الْمُقابِل، يُشيرُ آخَرونَ إلى الْكُلْفَةِ الْبيئِيَّةِ الْعالِيَةِ لِاسْتِخْراجِ وَتَكْريرِ النَّفْطِ الثَّقيل، ما يُضيفُ طَبَقَةً جَديدَةً مِنَ التَّعْقيدِ إلى أَيِّ سينارْيو لِلتَّعافي، وَتَبْدو الْمُعْضِلَةُ مَأْلوفَةً، فالنَّفْطُ يَظَلُّ أَثْمَنَ الْأُصولِ وَأَهَمَّ رافِعَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِلتَّعافي، لَكِنَّهُ كانَ أَيْضًا، في مَراحِلَ مُخْتَلِفَة، عامِلًا ساهَمَ في تَعْميقِ الْأَزْماتِ الاقْتِصادِيَّة، مَعَ ما رافَقَ الاعْتِمادَ الْمُفْرِطَ عَلَيْهِ مِنْ هَشاشَةٍ بُنْيَوِيَّة.

على الرَّغْمِ مِنِ امْتِلاكِ فِنِزْويلا أَكْبَرَ احْتِياطِيّاتٍ مِنَ النَّفْط، فَإِنَّ الْمُفارَقَةَ تَكْمُنُ في الْإِنْتاج. فَهي تُنْتِجُ حالِيًّا أَقَلَّ مِنْ 1% مِنَ النَّفْطِ الْمُسْتَخْدَمِ عالَمِيًّا، وَقَدِ انْخَفَضَ إِنْتاجُها بِشَكْلٍ حادٍّ مِنْ ذُرْوَتِهِ في عامِ 1997 نَحْوَ 3.5 مَلايينِ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا لِيَصِلَ إلى نَحْوِ 903 آلافِ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا في عامِ 2024. هَذَا الِانْهِيارُ ناتِجٌ عَنْ سَنَواتٍ مِنْ سوءِ الْإِدارَةِ والْفَسادِ وَنَقْصِ الاسْتِثْمار، بِالْإِضافَةِ إلى الْعُقوباتِ الْأَميرْكِيَّةِ الْقاسِيَة، وَصُعوبَةِ اسْتِخْراجِ خامِها الثَّقيلِ واللَّزِج، وَتَتَطَلَّبُ عَوْدَةُ إِنْتاجِ فِنِزْويلا إلى مُسْتَوَياتِ ما قَبْلَ الانْهِيارِ ما بَيْنَ 4 وَ5 مَلايينِ بَرْميلٍ يَوْمِيًّا.

الفنزويليون يُدركون أنّ النفط يقف في صلب كلّ نقاش حول المرحلة المقبلة في بلادهم

تَظَلُّ الْمَوارِدُ الْفِنِزْويلِيَّةُ ذاتَ قيمَةٍ اسْتراتيجِيَّةٍ لِأَميرْكا، وَفي حالِ اسْتِمْرارِ نُمُوِّ الطَّلَبِ الْعالَميِّ على النَّفْطِ حَتّى مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْحالِي، وَتَوَقُّفِ النُّمُوِّ السَّريعِ لِلْإِنْتاجِ الْأَميرْكِيّ، يُصْبِحُ تَأْمينُ مَصادِرَ جَديدَةٍ خارِجَ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ وَروسْيا أَمْرًا بالِغَ الْأَهَمِّيَّة. وَيُعَدُّ النَّفْطُ الْفِنِزْويلِيُّ جَذّابًا بِشَكْلٍ خاصٍّ لِلْمَصافي الْأَميرْكِيَّةِ على ساحِلِ الْخَليج، لِأَنَّها مُصَمَّمَةٌ لِمُعالَجَةِ مَزيجٍ مِنَ الْخامِ الثَّقيلِ الرَّخيص، الْمُتَوَفِّرِ في فِنِزْويلا، والْخامِ الْخَفيفِ الْأَكْثَرِ تَكْلِفَة، كَما أَنَّ الشَّحْنَ السَّريعَ إلى مَصافي الْخَليجِ يُعَزِّزُ قيمَتَه.

في الْخِتام، وَمَعَ دُخولِ الْأَزْمَةِ السِّياسِيَّةِ في فِنِزْويلا مَرْحَلَةً جَديدَة، عادَ النَّفْطُ إلى صَدارَةِ النِّقاشِ حَوْلَ الْمُسْتَقْبَل، هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنْ زاوِيَةِ التَّدَخُّلِ الْأَميرْكِيّ، إِذْ إِنَّ الْفِنِزْويلِيّينَ يُدْرِكونَ تَمامًا أَنَّ النَّفْطَ يَقِفُ في صُلْبِ كُلِّ نِقاشٍ حَوْلَ الْمَرْحَلَةِ الْمُقْبِلَةِ في بِلادِهِمْ، وأَنَّ أَميرْكا سَتُديرُ فِنِزْويلا إلى حينِ حُصولِ انْتِقالٍ سِياسِي!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن