صحافة

ما حقيقة المسألة الكردية في سوريا؟

عبد القادر العبيد

المشاركة
ما حقيقة المسألة الكردية في سوريا؟

في زمن تتكاثر فيه التحليلات وتتناسل فيه المصطلحات السياسية كما تتناسل الغيوم في سماء مثقلة بالعواصف، يغدو من السهل أن تتحول الكلمات إلى حقائق مزعومة، وأن تُستعار المفاهيم من سياقاتها الأصلية ثم تُزرع في تربة أخرى دون أن يُسأل أحد عن صلاحيتها أو انسجامها مع الواقع. من هنا تبدأ الإشكالية. فالمسألة الكردية في سوريا تُقدَّم في كثير من المنابر بوصفها “قضية سورية كردية”، بينما يذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الوصف ذاته يحتاج إلى مراجعة دقيقة، لأن جذوره السياسية والفكرية لا تنبع من التاريخ السوري بقدر ما تعود إلى سياقات إقليمية أوسع، وفي مقدمتها العلاقة التركية الكردية.

من هذه الزاوية، يرى عدد من الدارسين أن ما جرى في سوريا خلال العقود الماضية لم يكن نشوء قضية قومية مستقلة بقدر ما كان امتداداً لتجاذبات إقليمية استُخدمت فيها الورقة الكردية كأداة ضغط. ففي ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، استضاف النظام السوري بقيادة حافظ الأسد تنظيم حزب العمال الكردستاني، المعروف اختصاراً بـ PKK، ووفّر له مقاراً ومعسكرات وتسهيلات لوجستية. لم يكن ذلك بدافع الإيمان بمشروع قومي كردي داخل سوريا، بل ضمن لعبة سياسية هدفها ممارسة الضغط على تركيا في ملفات الحدود والمياه والنفوذ. هكذا وُلد حضور التنظيم في سوريا بوصفه ورقة سياسية، لا بوصفه تعبيراً عضوياً عن واقع اجتماعي سوري خالص.

هذا التمييز بين الأصل المستورد والسياق المحلي ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو مفتاح لفهم كثير من الالتباسات اللاحقة. فحين تُطرح “القضية السورية الكردية” وكأنها امتداد طبيعي لتاريخ قومي متجذر، يُغفل أن جزءاً كبيراً من البنية التنظيمية والخطاب الأيديولوجي جاء من خارج الحدود، محمّلاً بتجربة تركية مختلفة في جذورها ومآلاتها. وبذلك انتقلت صراعات غير سورية إلى الداخل السوري، لتُقرأ لاحقاً على أنها تعبير عن مظلومية محلية خالصة.

ومن هنا، نصل إلى المفهوم الثاني الذي يثير جدلاً واسعاً، وهو فكرة "الوطن القومي الكردي" أو ما يُسمّى أحياناً "كردستان الكبرى". هذه الفكرة، كما يراها منتقدوها، لا تقوم على معطيات تاريخية أو جغرافية راسخة بقدر ما تنتمي إلى عالم الأيديولوجيا والشعارات. فهي تشبه، في بنيتها الذهنية، مشاريع قومية أخرى حلمت بوطن يمتد على رقعة واسعة تتجاوز الدول القائمة، كما في تجربة أنطون سعادة حين تحدث عن "الأمة السورية"، أو في خطاب جمال عبد الناصر الذي بشّر بوطن عربي واحد من المحيط إلى الخليج.

تلك المشاريع، على اختلاف خلفياتها، اصطدمت جميعاً بواقع التنوع والحدود والمصالح، وبقيت في معظمها أحلاماً أكبر من قدرتها على التحقق. في الحالة الكردية، تُطرح خريطة لكيان قومي مفترض تمتد عبر أراضٍ تسكنها شعوب متعددة، في مقدمتها العرب والسريان والآشوريون وغيرهم. هذا الطرح، بحسب منتقديه، يتجاهل البنية السكانية المعقدة للمنطقة، ويستبدلها برؤية عرقية تبسيطية لا تنسجم مع تاريخ المشرق ولا مع حاضره.

وحتى في مجال الآثار والتاريخ القديم، كثيراً ما جرى تأويل مكتشفات حضارية على أنها دليل على “دولة كردية” غابرة، قبل أن يتبين في دراسات لاحقة أنها تعود إلى حضارات آشورية أو سريانية أو غيرها من حضارات الهلال الخصيب. هنا لا يكون الخلاف حول هوية حجر أو نقش فحسب، بل حول منهج قراءة التاريخ ذاته، وهل يُقرأ بوصفه تراثاً مشتركاً أم بوصفه ملكية حصرية لجماعة بعينها.

أما المفهوم الثالث، وهو الحديث عن “مناطق كردية” في سوريا، فيخضع هو الآخر لمراجعة نقدية. فالجغرافيا السورية، كما يعرفها المؤرخون، قامت على التداخل السكاني منذ قرون. المدن والبلدات في الجزيرة والفرات والشمال لم تكن يوماً ذات لون واحد، بل كانت فضاءً لتعايش العرب والأكراد والسريان والأرمن وغيرهم. في هذا السياق، يصبح وصف منطقة ما بأنها “كردية خالصة” تبسيطاً يتجاهل هذا التداخل العميق.

الأكراد جزء أصيل من النسيج السوري، لكنهم ليسوا وحدهم فيه، كما أن وجودهم لا يلغي وجود الآخرين ولا يُحوّل الجغرافيا إلى ملكية قومية مغلقة. تُستدعى في هذا الإطار مسميات تاريخية أو رمزية مثل “روح آفا” لتضفي على الواقع السياسي الراهن مسحة من الأصالة، لكنها في نظر كثير من الباحثين تبقى مفاهيم حديثة الصياغة، لم تكن جزءاً من الذاكرة الجغرافية التقليدية للمنطقة. فهي تُستخدم أكثر كأدوات تعبئة سياسية، لا كمرآة أمينة للتاريخ أو للديموغرافيا.

كل ذلك لا يعني إنكار معاناة الأكراد في سوريا أو غيرها، ولا التقليل من حقوقهم الثقافية واللغوية والسياسية. فالتاريخ الحديث في المنطقة حافل بسياسات الإقصاء والتهميش التي طالت جماعات متعددة، وكان الأكراد من بين من دفعوا أثماناً باهظة لها. غير أن الدفاع عن الحقوق لا يستلزم تبنّي سرديات غير دقيقة أو مشاريع تتجاهل تعقيد الواقع. على العكس، إن الاعتراف بالتعددية، وبأن سوريا فضاء لمكونات متداخلة، يفتح الباب أمام حلول أكثر عدلاً واستدامة.

الخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذه القراءة هي أن كثيراً من المفاهيم المتداولة حول المسألة الكردية في سوريا تحتاج إلى إعادة تمحيص. فبين ما هو مستورد من صراعات إقليمية، وما هو مؤدلج في خطاب قومي عابر للحدود، وما هو مبسّط في توصيف الجغرافيا والسكان، يضيع أحياناً جوهر المسألة الحقيقي. ذلك الجوهر يتمثل في البحث عن صيغة عيش مشترك تحترم حقوق الجميع دون أن تختزلهم في شعارات أو خرائط متخيّلة.

في عالم يتسارع فيه إنتاج الخطاب أكثر من إنتاج المعرفة، يصبح واجب الصحافة والفكر أن يعيدا للكلمات وزنها وللتاريخ عمقه. فليس كل ما يُقال حقيقة، وليس كل ما يُرفع شعاراً قابلاً لأن يصير وطناً. وبين الوهم والواقع، تبقى الحقيقة غالباً أكثر تواضعاً، لكنها أيضاً أكثر قدرة على البقاء.

(الثورة السورية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن