أخطر ما يمكن أن تسفر عنه الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، هو العمل مجددًا على إعادة تنشيط قطار التطبيع بين تل أبيب ودول الخليج، بعدما توقفت حركته أو تباطأت إلى حد كبير خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. ففي تلك الحرب التي بدأت عقب هجوم "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر عام 2023، ظهر للجميع الوجه الوحشي الحقيقي للكيان الصهيوني، الذي ارتكب على مدى عامين أبشع أنواع الجرائم من قتل وتدمير وتجويع بحق الشعب الفلسطيني.
وعرضت الشاشات صورًا كانت الأكثر سوداوية ومأساوية في العصر الحديث لشعب عربى يُباد يوميًا بالقنابل والحصار، وسط صمت دولي مهين وسقوط أخلاقي مخزٍ للضمير الإنساني العالمي، وكأن من يتم ذبحهم وتجويعهم ليس لهم حق في الحياة مثل أي شعب آخر في هذا العالم. لم تكتفِ آلة القتل والتدمير الصهيونية بما فعلته وارتكبته من جرائم في قطاع غزة، بل امتدت وحشيتها إلى سوريا ولبنان واليمن وارتكبت مجازر مماثلة ضد المدنيين، كما أنها تخطت أيضا جميع الحدود والخطوط الحمراء، عندما شنت هجومًا جويًا في سبتمبر الماضي، استهدف قيادات ومقرات تابعة لحركة "حماس" في قلب العاصمة القطرية الدوحة، ما دفع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن إلى القول وقتها: "لقد تعرضنا للخيانة"، ذلك لأن العدوان كان تجاوزًا لكل التفاهمات السابقة مع الولايات المتحدة بل وإسرائيل نفسها؛ حيث أراد الطرفان من الدوحة استضافة مكتب "حماس" في إطار جهود الوساطة التي طُلبت منها.
هذه الصورة الحقيقة الكاشفة لطبيعة الكيان الصهيوني الوحشية والنازية، جعلت العديد من دول الخليج تعيد النظر في حساباتها بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل نظرًا لخطورتها وعدم القدرة على فرملة سلوكها العدواني، بل إن بعضها بدأ يفكر جديًا في إنشاء تحالفات تضم دولًا عربية وإسلامية لمحاصرة تمددها في المنطقة بما يهدد أمنها واستقرارها ومصالحها.
لكن الحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ربما تحدث تحولاً مفاجئًا فى المسار، وتؤدي إلى إعادة تمهيد الأرض مجددًا أمام تنشيط التطبيع بين دول الخليج وتل أبيب، والسبب في ذلك يرجع بالتأكيد إلى التوسع الإيراني في استهداف المصالح الأمريكية وغيرها من الأهداف الاقتصادية والحيوية في دول الخليج، مما قد يدفعها إلى الرد على الانتهاكات الإيرانية لسيادتها، وبالتالى التورط تدريجيًا في الحرب والتقارب والتنسيق مع الكيان الصهيوني على اعتبار أن الطرفين يواجهان نفس الخطر!
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أراد اغتنام واستثمار الفرصة الراهنة في محاولة لكسر العزلة الإقليمية التي يعاني منها الكيان الصهيوني منذ حرب غزة؛ حيث صرح لشبكة "فوكس نيوز" الأمريكية بأن "السلام بين السعودية وإسرائيل سيكون ممكنًا بفضل الإجراءات التي نتخذها ضد إيران!". هذا الحديث يستهدف بالتأكيد استغلال لحظة التوتر والتوجس والقلق التي تعيشها دول الخليج حاليًا، جراء انتهاك الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية لسيادتها وتهديدها لأمنها واستقرارها ومصالحها الاقتصادية، وبالتالى دفعها دفعًا إلى الدخول في الحرب ضد طهران، وكذلك تنشيط تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني باعتباره يتشارك معها الشعور بالخطر الإيراني وأنه "حائط الصد" الأقوى أمام مغامرات طهران في المنطقة.
رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى، حذر بشكل مباشر من مخاطر مثل هذا السيناريو، حيث قال على حسابه على منصة إكس: "يجب على دول مجلس التعاون الخليجي ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران"، مشيرا إلى أن "الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة التحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف"، مشددًا على ضرورة "إدراك أنه بعد انتهاء هذه المعركة، ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة وستكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا".
لا شك أن سطوة الكيان الصهيوني على دول الخليج في نهاية الحرب الحالية ــ كما يتوقع حمد بن جاسم ــ لن تكون في صالح المنطقة على الإطلاق، وبالتالى ينبغي على الدول العربية التدخل جديًا من أجل قطع الطريق على محاولة نتنياهو استغلال لحظة القلق الخليجية الراهنة، عبر توفير مظلة عسكرية مشتركة، لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والحفاظ على مصالح دولها في وجه كل طامع في ثرواتها ومواردها، ودون ذلك ستبقى الساحة العربية ملعبًا مفتوحًا ومكشوفًا لكل مغامر ومقامر يرغب في استنزاف خيراتها وتدمير مستقبلها ومحاصرة حدوها واحتلال أراضيها وتحويلها إلى دويلات على الهامش.
(الشروق المصرية)

