مع دخول الهدنة المؤقتة بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) حيّز التنفيذ، لا تزال هناك الكثير من المخاوف بشأن عودة الطرفين للمواجهات كما حدث في الاتفاقين السابقين، لاسيما أن المفاوضات لم تفضِ إلى إيجاد حلول جذرية للاختلافات في وجهات النظر التي تتعمق أكثر يومًا بعد يوم. فيما الضغط الأميركي والتركي على أوجه من أجل دفع "قسد" للإلتزام بالبنود الواردة ما يضعها أمام حقيقة واحدة، ألا وهي أن "حليفتها" واشنطن أعادت حساباتها الاستراتيجية ورأت أن "ورقتها" قد شارفت على الانتهاء وهو ما عكسته تصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك الذي قال ما حرفيته "إن مهمة "قسد" قد انتهت، وإنها أمام فرصة تاريخية للاندماج في الدولة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع". وهذا الكلام نفسه تبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريحات لاحقة لفت فيها إلى أن دمشق تقوم بعمل رائع، واصفًا نظيره السوري "بأنه شخص قوي ويعمل بجد".
ويسهم هذا الدعم الأميركي في وضع "النقاط على الحروف" وفي فقدان "قسد" أهم أوراقها التفاوضية ما يضعها أمام ضرورة التفكير الملّي بما يُعرض عليها من مكاسب، رغم أن قائدها مظلوم عبدي يبدو أنه يشعر بالخذلان وبالتخلي عنه وعن أحلامه بـ"الإدارة الذاتية" التي سعت اليها هذه القوات وكرستها طوال السنوات السابقة. وبحسب الاتفاق الجديد لوقف النار الذي وُقع بين الجانبين أمس الثلاثاء، منحت الحكومة السورية "قسد" 4 أيام لوضع خطة دمج محافظة الحسكة في الحكومة، متعهدة ببقاء قواتها على الأطراف وعدم دخول مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في حال نجاح تطبيقه. كما نص الإتفاق بأن يقترح قائد "قسد" مرشحًا لمنصب مساعد وزير الدفاع، ومرشحًا لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء للتمثيل في مجلس الشعب وقائمة أفراد للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية. وقد حظيت هذه الخطوة بدعم الولايات المتحدة وترحيب أممي، وذلك بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات شاسعة من شمال وشمال شرقي سوريا كانت تديرها هذه القوات التي كانت حتى الأمس القريب تسيطر على ما يُقارب الـ27% من مساحة البلاد ولكنها فقدت الكثير وبات ينحصر وجودها في الحسكة والقامشلي كما في عين عرب (كوباني).
الخسائر التي مُنيت بها هذه القوات دفعتها مجددًا للعودة إلى طاولة المباحثات ومحاولة وقف القتال الذي يضع البلاد برمتها في مهب الريح والفوضى. وكان الرئيس الشرع واضحًا بأن مشاريع الانفصال والتقسيم لن ترى النور في سوريا وأن الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها ومنعها من ربط مصيرها بمخططات خارجية في صدارة الأولويات. ومن هنا كانت اتصالاته ومباحثاته مع قادة الدول المعنية بالشأن السوري، وأبرزها مع قطر حيث أفادت الرئاسة السورية أن الجانبين، أي الشرع وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أكدا على أهمية الحوار وتعزيز التعاون لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي. وتحاول دمشق قطع دابر الفتنة واستعادة السيطرة على كامل أراضيها وبسط نفوذها في رسالة قد لا تقف عند حدود "قسد"، تتعداها إلى الساحل السوري كما الموضوع الدرزي والاشكاليات المحيطة. ومع ذلك، فإن سياق الأمور لا يزال يحتاج إلى وقت للنضوج ولكن أبرز الخلاصات تلك التي تتعلق بالسياسة الأميركية في المنطقة التي تعمل وفق مصالحها الخاصة، فما إن تنتفي فإنها ستحاول الانقلاب على الموازين القائمة ورسم أخرى جديدة.
وعليه، فإن التوافق الأميركي – السوري والعلاقة "المميزة" التي تجمع بين ترامب والشرع اسهمت في إضعاف ورقة "قسد" خاصة بعدما أصبحت دمشق من الدول الحليفة في تحالف محاربة الإرهاب، ولاسيما تنظيم "داعش". كما أنها تتفاهم مع واشنطن على كيفية إدارة ملف النفط – بعد استعادة سيطرة الدولة على أهم مرافقه – وبالتالي إمكانية دخول شركات أميركية للاستثمار. أما النقطة الأهم فتتمثل بالمفاوضات مع اسرائيل عقب اللقاءات المباشرة التي تُعقد بين الطرفين برعاية أميركية تمهيدًا للوصول إلى ترتيبات أمنية، رغم العثرات والعراقيل التي لا تزال تعيق ذلك. ولهذا يمكن القول إن مصلحة واشنطن اليوم هي في تعزيز علاقتها مع الحكومة السورية وضمان بقائها، خاصة أن الاخيرة تنسج علاقات جيدة مع الدول وتحاول تصفير المشاكل وفتح الأبواب للحوار والدبلوماسية. وأمام هذا المشهد ستكون المرحلة المقبلة حبلى بالتطورات والمستجدات خاصة أن الأعين ستبقى شاخصة حول ما إذا كان الاتفاق سيصمد أو أن "قسد" ستعود إلى سياستها المتبعة وبالتالي المزيد من المعارك، لاسيما أنها – كما القوات الرسمية – يحشدان من أجل معركة الحسم العسكري على أبواب الحسكة.
الملف السوري وتداعياته يأتي في وقت لا يزال موضوع غزة في صدارة الأحداث، خاصة بعدما تم الإعلان رسميًا عن الانتقال للمرحلة الثانية من خطة ترامب رغم الغموض والضبابية الكبيرة التي تحيط بمسار الأمور الجارية. فمع مرور 100 يوم على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، شددت حركة "حماس" على التزامها "الكامل والدقيق" ببنود الاتفاق، وعددت خروقات إسرائيل له، وحددت 9 مطالب دعت الوسطاء والمنظمات الدولية المختصة إلى العمل على تحقيقها، وأهمها إلزام الاحتلال بخطّ الانسحاب المتفق عليه، تشكيل آلية رقابة دولية ميدانية محايدة للاتفاق ودخول المساعدات ناهيك عن تمكين الأمم المتحدة ووكالاتها من العمل دون قيود. هذا وأعلنت الحركة أيضًا، في بيانها، أن الانتهاكات أسفرت عن 483 شهيدًا، بينهم 169 طفلًا و64 امرأة، بالإضافة إلى 1294 مصابًا، بمعدل 13 يوميًا. كما ذكرت أن 96.3% من الشهداء تم استهدافهم داخل نطاق ما يُعرف بـ"الخط الأصفر". أما عن المساعدات، فلفتت إلى أن الاحتلال لم يلتزم بها وعمد إلى "سياسة منهجية هدفت إلى شلّ الحياة المدنية ومنع أي تعافٍ إنساني"، في حين وضعت رفض فتح معبر رفح بالاتجاهين في إطار الانتهاك المباشر لبنود الإتفاق وروحه.
وتحاول الحركة الفلسطينية التشاور مع الوسطاء (مصر وتركيا وقطر) من أجل الحدّ من الخروقات الاسرائيلية التي دخلت أمس مرحلة جديدة مع إصدار أوامر بالإخلاء القسري، وذلك لأول مرة منذ الهدنة الهشة، بما يتطابق مع مساعي الاحتلال لتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرته. في موازاة ذلك، تشهد مناطق جنوب قطاع غزة تصعيدًا ميدانيًا واسعًا يُعد الأخطر من نوعه إذ شرعت القوات الاسرائيلية بعمليات هدم، مما فاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلًا، وسط غياب أي وضوح حول ماهية "المرحلة المقبلة". وكان الرئيس ترامب أعلن عن تشكيل "مجلس السلام" الذي سيرأسه، ويضم شخصيات ورجال أعمال، مما ترك اكثر من علامة سؤال وسط مخاوف وهواجس من أن يكون هذا المجلس بديلًا عن عمل الأمم المتحدة ويسهم بتردي الأوضاع أكثر بدلًا من تحسينها. وإلى اليوم من أصل 60 دولة تم توجيه دعوة إليها للمشاركة، أعلنت كل من المغرب والإمارات كما البحرين موافقتها على المشاركة وكذلك فعلت كل من المجر وأرمينيا وبيلاروسيا، التي أعربت عن أملها في أن يكون تفويضه "أوسع بكثير" مما تقترحه المبادرة.
في المقابل، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن باريس "لا يمكنها تلبية" الطلب في هذه المرحلة، مما أثار غضب الرئيس ترامب الذي هدد بفرض رسوم جمركية 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية. ويزداد الأمر تعقيدًا مع إعلان تل أبيب تحفظاتها على التركيبة بحجة عدم التشاور معها كما رفضها المطلق لأي دور تركي أو قطري، في حين تبدو واشنطن مصرّة على موقفها دون أي التفات لتعليقات وتصريحات نتنياهو. تزامنًا، نقلت وكالة "رويترز" عن دبلوماسيين أنّ دولًا أوروبية عديدة تدرس وقف إرسال أفراد إلى مركز التنسيق المدني العسكري في غزة التابع للجيش الأميركي. ووفق تلك الدول، فقد فشل مركز التنسيق في زيادة تدفق المساعدات إلى القطاع أو تحقيق أي تغيير سياسي. في سياق متصل، أقدمت سلطات الاحتلال متذرعة بقرار رسمي وحكومي على هدم مقر داخل وكالة (الأونروا)، في وضح النهار وأمام عدسات الكاميرات في خطوة تصعيدية جديدة ضد المنظمات الدولية، ولاسيما الوكالة التي تتهمها بـ"الإرهاب". ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر أن السلطات الإسرائيلية قدمت مخططًا لبناء 1400 وحدة استيطانية، في المجمع وذلك بعد إخلائه وهدم المنازل المتنقلة داخله. بدوره، وصف وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير الهدم بأنه "يوم تاريخي ويوم عيد مهم للسيادة الإسرائيلية في القدس".
أما في الشأن الإيراني، فقد صعدت طهران من حملة الاعتقالات بعد موجة الاحتجاجات الأخيرة التي عمت البلاد واسفرت عن وقوع مئات الضحايا والجرحى وسط غياب للرقم الحقيقي بسبب التعتيم الإعلامي. ويتهم النظام الولايات المتحدة واسرائيل بتحريض "مثيري الشغب"، بينما يعيش السكان أوضاعًا معيشية صعبة نتيجة العقوبات والحرب الأخيرة ناهيك عن الظروف التي تمر بها طهران منذ أحداث "طوفان الأقصى". وفي ظل غياب إحصاء رسمي شامل، أفادت وكالة أنباء "تسنيم" الأسبوع الماضي بوقوع نحو 3000 حالة اعتقال. وتقول منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) إنه جرى اعتقال 26127 شخصًا منذ بدء الاحتجاجات. ويسود الهدوء الحذّر البلاد بعد التحركات المطلبية الواسعة النطاق ودخول واشنطن على خط الأزمة قبل تراجعها عن توجيه ضربة عسكرية نتيجة وساطات وتدخل العديد من الدول، وعلى رأسها السعودية وقطر وتركيا خوفًا على الأمن الاقليمي. هذا ولوّح البرلمان الإيراني بإصدار فتوى بـ"الجهاد" إذا تعرض المرشد علي خامنئي لأي هجوم. في وقت قال الرئيس ترامب، في مقابلة تلفزيونية، إنه أعطى تعليمات وصفها بأنها صارمة جدًا "بمسح إيران من وجه الأرض" إذا حاولت تنفيذ تهديداتها باغتياله.
التراشق الكلامي المتواصل يتزامن مع ما يحدث اقليميًا، خاصة أن الأمور بين واشنطن والدول الأوروبية ليست في أحسن حال. وتواجه أوروبا أخطر تصدّع إستراتيجي في علاقتها مع الولايات المتحدة منذ أكثر من 7 عقود، بعدما هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدانمارك بحرب تجارية وربما بعمل عسكري إذا لم تسلّم لها جزيرة غرينلاند، في خطوة صدمت العالم وزلزلت أسس التحالف العابر للأطلسي. وفي هذا الصدد، هاجم ماكرون ترامب قائلًا إن أوروبا "لن تستسلم للمتنمرين أو ترضخ للترهيب"، بعد التهديد بفرض رسوم جمركية باهظة على دول أوروبية، مؤكدًا من على منبر "دافوس" أن فرنسا وأوروبا لن "تقبلا بقانون الأقوى". يُشار إلى أن الرئيس الأميركي يطوي العام الأول من رئاسته، التي عاد إليها حاملًا رزمة من الوعود بإحلال السلام ووقف الحروب.
وإليكم موجزٌ بأبرز ما ورد اليوم في الصحف الصادرة في عالمنا العربي:
كتبت صحيفة "الغد" الأردنية "امام عالم عربي هش قابلة للقسمة على اثنين وثلاثة واربعة ربما، وكأننا امام احد خيارين هنا، اما ادامة الوضع الخرب بذريعة صون وحدة الدولة، واستمرارها على كومة الخراب الداخلية، او الانهيار وبدء المواجهة بين اقليات كثيرة ترى انها كانت مستهدفة، او انها قد تتعرض للاستهداف اذا ما سقط النظام الحاكم، ولم يبق الا اقل القليل من ضمانات الحياة والعيش"، مشيرة إلى أنه "ومنذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا تكشفت عورة المنطقة، وكل نقاط الضعف في شعوبها، وقد قيل مرارا أن ادامة الحال عبر التصنيف غير المقدس للانسان في المنطقة على اساس انتسابه لأقلية او اكثرية، يعد عنصر التفجير الاخطر لأي شعب، وقد لا يكون واضحا اذا كانت مركزية الدولة قوية وحاضرة، لكن عند اول اختبار او محنة تتبدى كل الامراض الكامنة تحت السطح، اي كان سببها المعلن او السري".
من جهتها، لفتت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "قسد" "سقطت ليس لأن القوة العسكرية كانت العامل الوحيد في معادلة الصراع، بل لأن التاريخ وقوانينه الصارمة لا يقبلان الأجسام الغريبة التي تُزرع قسراً في تربة لا تشبهها، فقد تهاوت هذه الهيكلية السياسية؛ لأنها اصطدمت بوعي شعبي رفضها على الدوام، مدركاً بفطرته القومية والوطنية أنها لم تحمل يوماً مشروع خير لهذه المنطقة ولا لهذه البلاد المثقلة بالجراح". وقالت "وإن كانت "قسد" قد انتهت اليوم كمشروع سياسي وكتجربة مريرة دفع ثمنها الشعب السوري من دموعه وأمنه، لكن الخطر لم يزل بسبب بقايا حزب "البي واي جي" و"البي كي كي" التي ستحاول جر البلاد إلى معارك عبثية جديدة لا تجلب سوى الدمار، فالرهان اليوم هو على وحدة المصير والالتفاف حول الدولة لاستكمال مسيرة البناء".
صحيفة "اللواء" اللبنانية، من جانبها، أوضحت أنه "في الخامس من آذار المقبل، تستضيف فرنسا مؤتمراً دوليًا لدعم الجيش اللبناني، في لحظة شديدة الخطورة، ووسط واقع داخلي لبناني بالغ التعقيد. المؤتمر، في توقيته وأهدافه المعلنة، يضع المؤسسة العسكرية مجدّدًا في واجهة الاهتمام الدولي"، لكنها تساءلت "هل يشكّل هذا الاستحقاق جهدًا دوليًا حقيقيًا لإنقاذ الجيش وتعزيز دوره؟ أم أنه سيبقى، كما سابقاته، أسير البيانات الختامية والالتزامات النظرية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ وبالتالي تبقى حبرا على ورق؟". لتخلص إلى أن "الإشكالية الأساسية تكمن في أن حصرية السلاح ليست مسألة تقنية أو عسكرية فقط، بل هي قضية سياسية بامتياز، مرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية متشابكة، وبالتالي، فإن تحميل الجيش وحده عبء هذا الملف، من دون توفير الغطاء السياسي الداخلي والدعم الدولي الجادّ، قد يضعه في مواجهة تحدّيات تفوق قدرته على الاحتمال".
(رصد "عروبة 22")

