تقدير موقف

ذِكْرى "25 يَنايِر": حُلمُ التَّغْييرِ المَدَنيِّ لَمْ يَكُنْ أَبْعَدَ مِمّا هُوَ عَلَيْه اليوم!

في ذِكْراها الخامِسَةَ عَشْرَةَ يَسْتَحِقُّ الحَديثُ عَنْ "ثَوْرَةِ 25 يَنايِر/كانونِ الثّاني" السِّلمِيَّةِ المُتَحَضِّرَةِ أَكْثَرَ مِنْ "نوسْتالجِيا" الثُّوّارِ إلى "يوتوبِيا" الأَيّامِ الـ18 الخالِدَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ لَعَناتِ الثَّوْرَةِ المُضادَّةِ التي حَوَّلَتْها إلى كابوسٍ وَفَزّاعَةٍ. هَذِهِ الثَّوْرَةُ تَسْتَحِقُّ حَديثًا عَنْ عَلاقَتِها بِالمُسْتَقْبَلِ بَدَلًا مِنَ الاسْتِغْراقِ في الحَديثِ الماضَويِّ عَنْ جَنَّةِ "التَّحْريرِ" وَجَهَنَّمِ "مُصْطَفى مَحْمود".

ذِكْرى

يَسْتَقِرُّ تَقْديرُ المَوْقِفِ هَذا على خُلاصَةٍ مَفادُها أَنَّ هَذِهِ الثَّوْرَةَ تَأْخُذُ مَكانَها في التَّاريخِ الآنَ كَفُرْصَةٍ نادِرَةٍ ضائِعَةٍ لِإِحْداثِ تَغْييرٍ سِلمِيٍّ مُتَدَرِّجٍ في مِصْرَ وَالعالَمِ العَرَبيِّ يَصْعُبُ تَكْرارُ ظُروفِها قَبْلَ زَمَنٍ طَويلٍ. بَل إِنَّ مِصْرَ وَالعالَمَ العَرَبِيَّ لَمْ يَكونوا أَبْعَدَ مِمّا هُمْ الآنَ عَنْ هَذا السِّياقِ المِثاليِّ "لِلانْتِقالِ الدّيموقْراطيّ" والذي يَحْفَظُ وَحْدَةَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة. وَهَذِهِ هِيَ الحَيْثِيّات:

مُقَوِّماتُ نَجاحٍ تَحْتاجُ إلى تَراكُمِ سَنَواتٍ تَمَّ إِهْدارُها

تَوافَرَتْ لِثَوْرَةِ يَنايِر في مِصْرَ وَالياسَمينِ في تُونُسَ قَبْلَها بِشَهْرٍ واحِد، مُعْظَمُ مُقَوِّماتِ النَّجاحِ المُسْتَقِرَّةِ في عِلْمِ الانْتِفاضات، كانَتْ كَفيلَةً بِإِحْداثِ تَغْييرٍ ثَوْرِيٍّ سِلْمِيٍّ يَنْقُلُ تَدْريجِيًّا، وَلَكِنْ بِحَزْم، النُّظُمَ السُّلطَوِيَّةَ إلى نُظُمٍ ديموقْراطِيَّة. تَوافَرَتِ الكُتْلَةُ الحَرِجَةُ مِنْ مُعْظَمِ الطَّبَقاتِ المِصْرِيَّة. لَكِنَّ الأَهَمَّ في تَكْوينِ الكُتْلَةِ الحَرِجَةِ هُوَ نُزولُ الأَغْلَبِيَّةِ مِنَ المَلايينِ التي مَلَأَتْ مَيادينَ مِصْرَ مِنَ العُمّالِ وَالفَلّاحينَ وَالطُّلّابِ وَالشَّرائِحِ الدُّنْيا وَالمُتَوَسِّطَةِ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطى قَدَّرَها البَعْضُ بِـ15 مِلْيونًا في بَعْضِ الأَيَّامِ الـ18.

توسيع الهامش السياسي والإعلامي لاستيعاب غضب الداخل ساهم في إطالة عمر نظام مبارك لعقد ونصف العقد

تَوَفَّرَ أَيْضًا لِلكُتْلَةِ الحَرِجَةِ ما يُسَمّى بِالوَسيطِ السِّياسيِّ الذي يُبَلْوِرُ المَطالِبَ في شِعاراتٍ جامِعَةٍ سَقْفًا يَقْبَلُ الجَميعُ الوُقوفَ تَحْتَهُ "عَيْش. حُرِّيَّة. عَدالَة اجْتِماعِيَّة". هَذا الوَسيطُ تَوافَرَ بِامْتِلاكِ يَنايِر لِنُخَبٍ وَحَرَكاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ حَيْثُ كانَتْ أَحْزابُ المُعارَضَةِ التَّقْليدِيَّةِ إِمَّا تَمَّ اسْتيعابُها في حَوافِزِ النِّظامِ السِّياسيِّ أَوْ مُنِعَتْ مِنَ التَّواصُلِ مَعَ الشّارِع. ساهَمَ في تَوافُرِ هَذا الوَسيطِ السِّياسيِّ الذي يُوَفِّرُ رَشادَةً سِياسِيَّةً تَضْمَنُ سِلمِيَّةَ الانْتِفاضات، وَلِهَذا كانَ مِنْ أَشْهَرِ شِعاراتِ يَنايِر خاصَّةً في مُواجَهَةِ العُنْفِ البِدائيِّ في مَعْرَكَةِ الجَمَلِ وَغَيْرِها "سِلمِيَّة... سِلمِيَّة" أَوْ "مَدَنِيَّة... مَدَنِيَّة" أَوْ "مَدَنِيَّة لا دِينِيَّة وَلا عَسْكَرِيَّة".

تَوَفَّرَ هَذا الوَسيطُ في جُزْءٍ مِنْهُ سَبَبُهُ لُجوءُ نِظامِ مُبارَك مَطْلَعَ الأَلْفِيَّةِ الجَديدَةِ إلى فَتْحِ هامِشٍ سِياسِيٍّ وَإِعْلامِيٍّ لِلتَّنْفيسِ عَنِ الغَضَبِ المُتَراكِمِ مِنْ تَزايُدِ الفَقْرِ وَالفَسادِ وَتَزاوُجِ الثَّرْوَةِ بِالسُّلطَةِ وَهُوَ هامِشٌ سَمَحَ بِدَفْعِ حَراكٍ شَعْبِيٍّ كانَ قَدْ بَدَأَ فِعْلًا مِنْ وَزْنِ إِضْرابِ المَحَلَّةِ 2006 وَظُهورِ "كِفايَة" أَوْ إِنْشاءِ النِّقاباتِ المُسْتَقِلَّة.

تَوْسيعُ الهامِشِ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ لِضُغوطِ الخارِج، بَل لِاسْتيعابِ غَضَبِ الدّاخِلِ بَعْدَ تَبَلْوُرِ اتِّجاهٍ لِتَوْريثِ جَمال مُبارَك الحُكْمَ بَعْدَ أَبيه. هَذا الهامِشُ ساهَمَ في إِطالَةِ عُمْرِ نِظامٍ لِعَقْدٍ وَنِصْفِ العقد بَعْدَما كانَ قَدْ ماتَ "إِكْلينيكِيًّا" مُنْذُ مُنْتَصَفِ التِّسْعينِيّات، لَكِنَّهُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ ساعَدَ في ظُهورِ عُنْصُرٍ لازِمٍ لِنَجاحِ الِانْتِفاضاتِ وَهُوَ حُدوثُ شُروخٍ في صُفوفِ النُّخْبَةِ الحاكِمَة، فَالمُؤَسَّسَةُ العَسْكَرِيَّةُ وَمُؤَسَّسَةُ الأَمْنِ القَوْميِّ كانَتا مُعارِضَتَيْنِ لِلتَّوْريثِ وَمُؤَسَّسَةُ الأَمْنِ الدّاخِليِّ لَمْ يَكُنْ لَها مَصْلَحَةٌ في مُعارَضَتِه. وَقَدْ أَحْدَثَ هَذا فَراغًا في مُسْتَوى التَّواصُلِ القِياديِّ وَاخْتِلافًا بَيْنَ المُؤَسَّساتِ في تَقْديرِ المَوْقِفِ وَخَلَقَ بِالتَّالي بُطْئًا وَتَرَدُّدًا.

الرصيد المدني تبدّد بسبب انقسام النخب أو بسبب المواجهة مع الإسلام السياسي الذي أراد الاستيلاء على كعكة الحُكم

الأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاغِبينَ في الدَّوْلَةِ، مَنْعُ مَشْروعُ التَّوْريثِ مَثَّلَ مَخْرَجًا شَعْبِيًّا شَرْعِيًّا بَعْدَ أَنْ اعْتُبِرَ مُهينًا لِقَدْرِ مِصْرَ وَتَغْييرًا لِلقَواعِدِ المُسْتَقِرَّةِ لِلُعْبَةِ القُوَّةِ وَالسُّلطَة. تَفْسيرُ لِماذا أَخْفَقَتْ عَناصِرُ النَّجاحِ غَيْرُ المَسْبوقِ وَانْتَهَتِ الثَّوْرَةُ إلى فَشَلٍ بُنْيَوِيٍّ هُوَ حَديثٌ أُريقَ فيهِ حِبْرٌ كَثيرٌ لَنْ نُقَدِّمَ فيهِ وَلَنْ نُؤَخِّر.

الواقِعُ الحالِيُّ لا يَقودُ لِانْتِقالٍ ديموقْراطِيٍّ بَل لِانْفِجارٍ مُفاجِئ

حَجْمُ النَّدَمِ على ضَياعِ هَذِهِ الفُرْصَةِ النّادِرَةِ يَتَأَكَّدُ مِنْ أَيِّ قِراءَةٍ مُنْصِفَةٍ لِحالَةِ ارْتِدادِ الثَّوْراتِ السّائِدَةِ في مِصْرَ وَمُعْظَمِ البُلدانِ العَرَبِيَّة. فَلَقَدْ جَعَلَتِ الأَنْظِمَةُ السِّياسِيَّةُ مَسْأَلَةَ تَرْميمِ الشُّروخِ وَاسْتِعادَةِ وَحْدَةِ النُّخْبَةِ الحاكِمَةِ في الدَّوْلَةِ العَميقَةِ أولى دُروسِها وَأَوْلَوِيَّاتِها. وَقامَتْ - عَبْرَ إِدْماجِ مُؤَسَّساتِ القُوَّةِ في العَمَلِيَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَحِمايَةِ مُمارَساتِها وَوُجودِ نَواةٍ قِيادِيَّةٍ يَأْتَمِرُ بِها الجَميع - بِاسْتِبْعادِ عُنْصُرٍ هامٍّ مِنْ عَناصِرِ الاحْتِجاجِ الشَّعْبِيّ. تَمَّ إِغْلاقُ المَجالِ العامِّ وَالانْتِقالُ مِنْ مُشارَكَةِ الأَمْنِ لِلسِّياسَةِ في القَرارِ عِنْدَ مُبارَك وَبِنْ عَلي إلى "الأَمْنَنَةِ" الكامِلَة.

رُهابُ الخَوْفِ على الاسْتِقْرارِ أَوْ اللَّحاقِ بِدُوَلٍ أُخْرى تَفَكَّكَتْ رافَقَهُ رُهابٌ عامٌّ وَانْسِحابٌ إِيثارًا لِلسَّلامَة، خاصَّةً مَعَ قَسْوَةِ الإِجْراءاتِ التي اتُّبِعَتْ مَعَ مَنْ تَعَدّوا الخُطوطَ المَسْموحَ بِها. اقْتَصَرَ الاسْتيعابُ داخِلَ النِّظامِ على مَنْ يَقْبَلونَ "الحَيِّزَ المُتاحَ" بِدَوْرِ المُعارِضِ في قَوائِمَ مُهَنْدَسَةٍ مُسْبَقًا. إِغْلاقُ الهامِشِ الإِعْلاميِّ وَإِماتَةُ السِّياسَةِ حَجَبا تَبَلْوُرَ الكُتْلَةِ الحَرِجَة.

البنية السلطوية والطبقية للنُّظم العربية تعتبر الانتقال الديموقراطي خطرًا وجوديًا عليها

رَصيدُ النُّخْبَةِ أَوْ الوَسيطِ السِّياسيِّ المَدَنيِّ الذي تَوافَرَ عَبْرَ جَبَهاتٍ وَطَنِيَّةٍ مِثْلَ كِفايَة وَالجَمْعِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَشَخْصِيّاتٍ مِنْ تَيّاراتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَكِنَّها تَحْظى بِقَبولٍ وَطَنِيٍّ. هَذا الرَّصيدُ تَبَدَّدَ إِمّا بِسَبَبِ الانْقِسامِ بَيْنَ النُّخَبِ المَدَنِيَّةِ وَبَعْضِها البَعْضِ أَوْ بِسَبَبِ المُواجَهَةِ بَيْنَ التَّيّارِ المَدَنيِّ وَالإِسْلامِ السِّياسيِّ الذي أَرادَ الاسْتيلاءَ وَحْدَهُ على كَعْكَةِ الحُكْم. وَمَنْ لَمْ يَكْفِهِ الضَّبْطُ الأَمْنِيُّ تَكَفَّلَتْ بِهِمْ عَمَلِيّاتُ "إغتيال الشخصية" (Moral assassination) لِرُموزِ المُعارَضَةِ حَتّى اخْتَفَوْا وَاخْتَفى مَعَهُمُ الوَسَطُ السِّياسِيُّ الذي تَوافَرَ لِثَوْرَتَيْ يَنايِر وَالياسَمين. اللّافِتُ أَنَّهُ قِياسًا بِما قَبْلَ 2010، فَإِنَّ الغَضَبَ الشَّعْبِيَّ تَضاعَفَ عَشَراتِ المَرّاتِ نَتيجَةَ اتِّساعِ الفَوارِقِ الطَّبَقِيَّةِ وَتَمَدُّدِ وَجَعِ الفَقْرِ حَتّى لِمَفاصِلِ الطَّبَقَةِ الوُسْطى المَسْتورَة. وَتَعْرِفُ الدَّوْلَةُ العَميقَةُ اليَوْمَ أَنَّ الصَّمْتَ الطَّويلَ لَيْسَ رِضًا وَلا قَبولًا. لَكِنَّ البُنْيَةَ السُّلطَوِيَّةَ وَالطَّبَقِيَّةَ لِلنُّظُمِ العَرَبِيَّةِ في مَرْحَلَةِ ما بَعْدَ ارْتِدادِ الثَّوْرات، لا تَسْمَحُ لَهُمُ الآنَ بِفَتْحِ طَريقٍ آمِنٍ لِانْتِقالٍ ديموقْراطِيٍّ، بَل تَعْتَبِرُهُ خَطَرًا وُجودِيًّا عَلَيْها.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ اخْتِفاءَ الوَسيطِ الرَّشيدِ لا يَتْرُكُ مَجالًا إِلّا لِلانْفِجارِ الفَوْضَويِّ الذي قَدْ يَأْخُذُ كُلَّ شَيْءٍ في طَريقِه، إِلّا أَنَّ القَناعَةَ السّائِدَةَ أَنَّ حالَةَ الخَوْفِ وَمَنْعَ ظُهورِ نُخَبٍ مَقْبولَةٍ وَطَنِيًّا أَوْ تَتَمَتَّعُ بِالجُرْأَةِ قَدْ تَنْجَحُ في إِبْقاءِ عَدَمِ الرِّضا تَحْتَ السَّيْطَرَةِ. أَوْ كَما يَتَرَدَّدُ في أَرْوِقَةِ السُّلطَةِ العَرَبِيَّةِ أَنَّ فَتْحَ بابِ السِّياسَةِ هُوَ خَطَرٌ وُجودِيٌّ وَوَشيكٌ بَيْنَمَا احْتِمالُ الانْفِجارِ العُنْفِيِّ أَوْ الفَوْضَوِيِّ هُوَ خَطَرٌ مُؤَجَّل.

لَكِنَّ التَّاريخَ لَهُ رَأْيٌ آخَرُ فَدَوامُ الحالِ مِنَ المُحال.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن