صحافة

زلزال فنزويلا والنظام العالمي القادم

خليل حسين

المشاركة
زلزال فنزويلا والنظام العالمي القادم

كانت بداية المتغيرات، الإقليمية والدولية، مع سقوط النظام السوري قبل سنة ونيف، حيث بدت معالم الإقليم في الشرق الأوسط، كأنه يحضر لمعالم ممتدة في غير منطقة من العالم، حيث بدت الارتدادات تتوالى، ومعظمها تتركز في أطر التهيؤ لنظام جديد، لحين قيام الزلزال الفنزولي الذي بدا تكملة لفورة جديدة على مستوى النظام العالمي القادم.

وما قامت به الولايات المتحدة لم يكن مفاجئاً، بل سبقته العديد من المظاهر في غير منطقة من العالم، تصريحاً وتلميحاً، من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لجهة الرؤية الأمريكية للنظام الفنزويلي. وفي هذا المجال ظهرت العديد من المواقف والمطالب التي أطلقها الرئيس ترامب، لجهة الدعوة إلى ضم كندا، وقبلها المكسيك، وآخرها جزيرة غرينلاند التي ستستتبع بمطالب أخرى، ليس أقلّها إسقاط أنظمة في أمريكا اللاتينية، بينها كولومبيا وكوبا، وغيرهما، وجميها أتت في سياقات واضحة أطلقت في غير اتجاه. وما يؤكد ذلك السياق، تصريح ترامب بأن لا حدود لصلاحياته طالما يعتبر نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، فهو مرتبط بما يراه ربطاً سلوكياً أخلاقياً شخصياً، لا كما تحدّده الشرائع الدولية التي لم تكن حاكمة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأمريكية، كما أعلنها بوضوح.

إن تلك الوقائع تشي، بوضوح، بنية الإدارة الأمريكية إعادة تموضع مختلف على الصعيد العالمي، أقلّه محاولة رسم نظام عالمي جديد يترجم موازين قوى جديدة رُسم مؤخراً، وتتابعت فصوله إلى يومنا هذا، في إطار تأكيد هيمنة القوة الأمريكية ليست العسكرية فقط، بل أيضاً مجمل الصور والمقاييس الاقتصادية، والمالية، والحضارية، والثقافية، وإن بدت في بعضها غير متكافئة مع متطلبات النفوذ الحاسم.

فالإدارة الأمريكية تحاول اليوم إعادة تثبيت دعائم وصور النظام العالمي الذي أطلقته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بداية تسعينيات القرن الماضي، والذي تخلّتله، لاحقاً، العديد من المحاولات التي برزت لمحاولة كسر، أو احتكار الهيمنة الأمريكية العالمية، عبر بعض التجمعات، من بينها "البريكس" مثلاً. في أيّ حال، تحاول الولايات المتحدة حالياً المضي في خيارات السيطرة بكسر الكثير من قواعد القانون الدولي التي لم تحترم في الأساس، في غير موقع أو مناسبة، وما جرى مثلاً في المسألة الفنزويلية يعتبر تخطياً، وتجاوزاً لقضايا السيادة التي تأسست عليها الأمم المتحدة، والتي اعتبر المسّ بها مساساً بالمحرمات بين الدول.

ولا ينتهي الأمر عند أمر يتصل بدولة محدّدة، بل إن الأمر يتمدّد ليشمل مناطق ودولاً، استناداً إلى مقولة حماية الأمن القومي الأمريكي، وحينها يصبح استعمال مختلف أنواع السطوة والقوة متاحاً، وفقاً لوجهة نظر الإدارة الأمريكية. وما يعزز تلك السلوكات عدم وجود مواجهات ذات مستوى ردعي عالي الفعالية، بل إن بعض القوى المهيأة لمثل تلك المواجهات منشغلة بصراعات جانبية، كالصراع الروسي الأوكراني، والإلهاء الصيني بتايوان، وغيرها من القضايا التي تقلق القوى الطامحة إلى لعب أدوار ذات أوزان عالمية عظمى.

يبدو حالياً، أن الولايات المتحدة تحاول الاستحواذ على المقدرات الاقتصادية للعديد من المناطق العالمية، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ولو بدت عنيفة عبر استعمال القوة، وتجاوز ما تبقى من سمات القانون الدولي، وبالاتفاق أو عدمه مع قوى أخرى تتقاسم معها بعض دوائر النفوذ بهدف التمكن من إرساء قواعد جديدة تحكم، وتتحكم في قواعد التعامل بأقل قدر ممكن من المواجهات، إن حدثت.

إن زلزال سوريا العام الماضي قد أحدث نقطة ارتكاز قوية للولايات المتحدة ليس في الشرق الأوسط فقط، وإنما بامتدادات كثيرة له، واليوم، انتقلت الإدارة الأمريكية إلى ما تسميها الحديقة الخلفية لها في أمريكا اللاتينية، ففنزويلا ليست مجرد بداية عابرة، وإنما خطوة ستتلوها خطوات حاسمة في المستقبل القريب، في ظل غياب وانكفاء قوى كانت يوماً تسمى قوى واعدة في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

(الخليج الإماراتية)
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن