على الرغم من التفاؤل الأميركي بمفاوضات روما، وتمسّك لبنان بهذا المسار لتعزيز "اتفاق الإطار" الذي توصّل إليه مع إسرائيل سابقًا، فإنّ المؤشرات والمعطيات تشير إلى مماطلة تلّ أبيب في التنفيذ، وسعيها إلى فرض واقعٍ جديدٍ في الجنوب، عبر تكريس سيطرتها على مناطق ضمن ما تسمّيه «الخط الأصفر»، وتوسيع نطاق احتلالها إلى ما وراء هذا الخط، بضمّ قرىً جديدة إليه. ويتزامن ذلك مع تصعيدٍ عسكريٍّ دامٍ خلّف، خلال الساعات الأخيرة، أكثر من 11 قتيلًا و19 جريحًا، إثر ارتكاب جيش الاحتلال مجزرتين في بلدتي دير الزهراني وأنصار، سقط فيهما أفراد عائلةٍ كاملةٍ، من ضمنهم أم وأب وأربعة أطفال. في المقابل، خرج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليبرّر إجرامه، مدّعيًا إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة إثر هجومٍ اتّهم "حزب الله" بتنفيذه صباح أمس السبت، في ما وصفه بـ"المنطقة الأمنية" داخل الأراضي اللبنانيّة، معلنًا أنّ الاستهدافات الأخيرة تأتي في سياق الردّ على خرق اتفاق وقف إطلاق النار ومهاجمة بنًى تحتيةٍ تابعةٍ للحزب.
وفيما لم يتبنَّ "حزب الله" تنفيذ أيّ عمليةٍ عسكريةٍ، عكست اتهامات الجيش الإسرائيليّ محاولةً لتكريس قواعد اشتباكٍ جديدةٍ متصلةٍ بالاستعدادات الميدانيّة للسيطرة على مرتفعات تلال "علي الطاهر" شرق مدينة النبطية. إذ تخوضُ إسرائيل معركةً حاميةً لحسم سيطرتها على "علي الطاهر"، أو دفع "حزب الله" للانسحاب منها، لما تمتلكه هذه المنطقة من أهميةٍ عسكريةٍ واستراتيجيّةٍ يصعب عليها التخلي عنها بسهولةٍ بالتزامن مع التدمير والتجريف الممنهج للقرى والبلدات الجنوبيّة، وإعدام مظاهر الحياة فيها. وعليه، تبدو الديبلوماسيّة التي يريدها لبنان أن تحقق تقدّمًا إيجابيًا في "ورطةٍ" مع عدم تحديد موعدٍ واضحٍ للجولة الثامنة من المفاوضات، خصوصًا أن المباحثات الأخيرة لم تتمكن من حلحلة العقد، التي تشملُ توسيع نطاق "المناطق التجريبية"، ووقف النسف اليومي للمنازل والبنى التحتيّة، والالتزام بوقف إطلاق النار. هذا ويستمرّ لبنان بالتعويل على الضغوط الأميركيّة، التي تعتبر اليوم محط تساؤلٍ، لأن واشنطن تراقبُ الأحداث من دون اتّخاذ خطواتٍ حازمةٍ تجاه تلّ أبيب لوقف اعتداءاتها، أو البدء بخطوات انسحابٍ واضحةٍ من جهةٍ، وتحميلها "حزب الله" مسؤولية التوتر مع تركيزها على بند نزع السلاح من جهةٍ ثانية. وأمام انسداد الأفق، أدان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الغارات الإسرائيليّة على جنوب البلاد، معتبرًا أنها تشكّل "رسالةً واضحةً" للمسار التفاوضيّ مع إسرائيل، وللجهود الأميركيّة الرامية إلى تطبيق هذا الاتفاق. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فرأى أن "مسؤولية التعامل مع أيّ بنًى عسكرية، إذا وُجدت على الأراضي اللبنانيّة، هي مسؤولية الدولة حصرًا، عبر جيشها ومؤسساتها الشرعيّة، ولا يمنح وجودها إسرائيل حقّ استباحة القرى والبلدات أو تعريض المدنيين للخطر".
هذه الاستنكارات ومحاولة الدولة الخروج من "مستنقع" الحرب، التي ورّطها فيها "حزب الله"، لا تلقى أيّ قبولٍ من الحزب نفسه، إذ وجد أمينه العام نعيم قاسم الفرصة سانحةً للهجوم مجددًا على أركان السلطة، داعيًا إيّاهم إلى وقف ما أسماه "المفاوضات المباشرة المذلّة" مع الدولة العبرية، و"تقديم الهدايا المجانيّة للعدو". كما تعهّد بأن "اعتداءات العدو وتجاوزاته ومحاولاته فرض أمرٍ واقعٍ لا يمكن أن تستمر، وستقابل بما يُناسبها، دفاعًا عن لبنان وشعبه وسيادته وكرامته الوطنيّة". ترافق هذه الأحداث توقعاتٍ بالمزيد من التدهور، خصوصًا أن تلّ أبيب على موعدٍ مع انتخاباتٍ مصيريةٍ أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، التي يخوضها نتنياهو حفاظًا على مسيرته السياسيّة، على الرغم من اتساع نطاق الانتقادات لأداء حكومته. وهذا الموعد الفاصل عن الانتخابات، سيكون أقرب إلى تمييع الوقت من دون إحراز أيّ خرقٍ جديٍّ على صعيد النقاشات مع بقاء العمليات العسكرية على وتيرتها المتصاعدة. إلى ذلك، لم تقتصر الانتهاكات الإسرائيليّة على القصف الجوي في العمق الجنوبيّ فحسب، بل نسفت قوات الاحتلال، أمس السبت، مبانٍ عدة في مدينة بنت جبيل، كما دوّت انفجاراتٌ عنيفةٌ تَبَيَّنَ أنَّها ناتجةٌ عن تفجيراتٍ وعمليات نسفٍ في بلدات الطيبة ودير سريان ومحيط كفرتبنيت، فضلاً عن قصفٍ مدفعيٍّ مُكثفٍ طال تلال جبل الرفيع في إقليم التفاح ومرتفعات الدبشة في منطقة النبطية، ما أدى إلى حركة نزوح واسعة خوفًا من توترات غير محسوبة النتائج. ولا يمكن فصل التطورات في جنوب لبنان عن الأحداث على الجبهات الأخرى في غزّة والضفة الغربية وسوريا واليمن والعراق، فضلًا عن غياب التوافق بين واشنطن وإيران وعدم قدرة الوساطات الجارية على إعادة الطرفين إلى طاولة الحوار.
ولعبت إسلام آباد، إلى جانب قطر، خلال المرحلة الماضية، دورًا محوريًا لتقريب وجهات النظر، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل مع تمسّك كل جانبٍ بشروطه، إلى جانب التصريحات المضلّلة، التي تعكسُ غياب أيّ أرضيّةٍ مشتركةٍ للحل. وتتّجه الأنظار يومًا بعد يومٍ إلى مضيق هُرمز، وسط محاولاتٍ جادةٍ لتخفيف الاعتماد عليه وتحويله إلى ممرٍ هامشيٍّ، مع خلق طرقٍ بديلةٍ عبر تحالفاتٍ وتوازناتٍ مختلفةٍ بعد أن وضعه "الحرس الثوري" الإيراني في قائمة الأولويات. وقد تنجحُ الدول في إيجاد وسائل أخرى عبر بناء خطوط نقلٍ للنفط والغاز والسلع، إلا أن جميعها، على أهميتها، لا يمكن أن تحلّ بشكلٍ كاملٍ عن هذا الشريان الاقتصادي الحيوي. وتدرك طهران ذلك، ومن هنا تسعى إلى فرض ترتيباتٍ خاصةٍ في المضيق بالشراكة مع سلطنة عُمان، فقال المتحدث باسم وزارة الخارجيّة الإيرانيّة اسماعيل بقائي، إن بلاده ومسقط توصلتا إلى اتفاقٍ بشأن خريطة مسار عبور السفن في مضيق هُرمز. وأضاف أن محادثاتٍ تُعقَد حاليًا لإصدار بيانٍ مشتركٍ بشأن ما جرى التوصّل إليه، مكررًا أن الاتفاق بشأن مسار عبور السفن لا يعني إعادة فتح المضيق فورًا. وفي تصريحاتٍ منفصلةٍ، أشار وزير الخارجيّة عباس عراقجي إلى أن المحادثات الفنيّة مع عُمان بشأن المضيق قد تصل إلى نتيجةٍ قريبًا، لكنه أكد أنها "منفصلةٌ تمامًا عن الاتصالات المتعلقة بوقف الحرب مع الولايات المتحدة، وترّكز فقط على تحديد الممرات البحرية للسفن العابرة للمضيق". وأوضح الوزير الإيرانيّ أن قطر وباكستان تستمران في وساطتهما وأنه جاري تبادل الرسائل، لكنه شدّد على أن هذه الاتصالات "لا تعني إطلاقًا وجود مفاوضات".
تمسكُ طهران بالفصل بين التوصل إلى ترتيباتٍ فنيّةٍ مع مسقط، وبين قرار إعادة فتح المضيق بالكامل، الذي ربطته بتنفيذ شروطٍ أخرى تتعلق بالحرب والحصار الأميركيّ، ما يزيد المشهد العام تعقيدًا. فالرئيس دونالد ترامب يستمر في تكرار تهديداته، حتى وصل به الأمر للقول إنه سيعلن قريبًا مضيق هُرمز "أرضًا تابعةً للولايات المتحدة" بعد استكمال "هزيمة إيران"، وحثّ الأميركيين على الاستعداد لتحمُّل استمرار ارتفاع أسعار الوقود نتيجة الحرب. وعلى الرغم من أن صحيفة "وول ستريت جورنال" نقلت لاحقًا عن مسؤولٍ في البيت الأبيض، لم تسمّه، قوله إن تصريح ترامب كان مجرد "مزحة". لكن التباعد في وجهات النظر يخلق واقعًا يزداد غموضًا وضبابيةً، وسط تحذيراتٍ من استمرار حالة الجمود والمراوحة الحاليّة والعجز عن وضع حدٍّ لهذا الصراع، الذي بدأ يتخذ طابعًا أشد خطورةً مع تورّط جبهاتٍ أخرى ودخول لاعبين جدد. وتوعز طهران إلى وكلائها في المنطقة بالتحرّك سعيًا إلى تكبيد دولٍ أخرى المزيد من الخسائر، فيما تسعى إلى ممارسة الضغوط عليها للتدخل لدى البيت الأبيض. وتراهن الولايات المتحدة على الحصار والعقوبات وخنق صادرات إيران واقتصادها، فيما تراهن طهران على تعطيل الملاحة في مضيق هرُمز وإبقاء أسعار الطاقة مرتفعةً، بما يضغط على ترامب قبل انتخابات التجديد النصفيّ في الكونغرس أوائل شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وضمن أحدث التطورات، أدانت دولٌ خليجيةٌ وعربيةٌ ومنظماتٌ دوليّةٌ بأشدّ العبارات الاعتداءات الإيرانيّة الغاشمة والمتكرّرة، التي استهدفت ناقلتين تابعتين لشركة "أدنوك" التابعة للإمارات أثناء عبورهما مضيق هُرمز. وحمَّلت السعودية، في بيانٍ لوزارة خارجيتها، النظام الإيرانيّ المسؤولية الكاملة عن عواقب استمراره في هذه الاعتداءات، مطالبةً إياه بوقف هذه الانتهاكات فورًا واحترام القوانين الدوليّة ذات الصلة. وأكدت أن أمن المنطقة وسلامة الملاحة الدوليةّ مسؤوليةً مشتركةً، وأن استمرار هذه الانتهاكات أمرٌ لا يمكن القبول به أو التساهل معه.
التصعيد الإيرانيّ، في ثالث حادثٍ من نوعه خلال أسبوع، يكشفُ الصعوبات التي لا تزال تحيط بالمضيق، وغياب الأسس الواضحة لوقف التدهور الحاصل، ما كان مدار بحثٍ بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيريه المصري الدكتور بدر عبد العاطي والتركي هاكان فيدان، وسط تأكيد أهمية تعزيز الشراكة الاستراتيجيّة، والدفع قدمًا بالمصالح ذات الأولوية المشتركة. بالتزامن، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجيّة القطرية ماجد الأنصاري بشكلٍ قاطعٍ الادعاءات التي جرى تداولها بشأن احتجاز طيارين إيرانيين، مبديًا استغرابه من "هذه التصريحات المضلّلة في هذا التوقيت تحديدًا"، في ظل استمرار المساعي الدبلوماسيّة الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة. وإذ أوضح أن الدوحة تواصلت مع الجانب الإيرانيّ لتنسيق تسلّم رفات أحد الطيارين الذي عُثِرَ عليه، وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني ذات الصلة، لفت إلى أن الطرف الآخر لم يستجب حتى الآن لهذه الدعوة. في سياقٍ منفصلٍ، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانيّة توقيف دبلوماسيَّين فرنسيين في "موقع اجتماعٍ سريٍّ" خلال تحقيقٍ يتعلق بالأمن القوميّ. وادعت أن الوثائق والمواد التي عُثر عليها في الموقع، تشير إلى "خطةٍ واسعةٍ تهدف إلى بناء نفوذٍ" داخل البلاد. كما شدّدت على ضرورة تحميل الحكومة الفرنسيّة مسؤولية تدخل دبلوماسييها، مشيرةً إلى أن التحقيق لا يزال مستمرًا، وأن مزيدًا من التفاصيل سيُعلَن عنها تباعًا.
التركيز على إيجاد تفاهماتٍ عمليّةٍ في مضيق هُرمز يقابلها، على الضفة الأخرى، استمرار التوترات في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، خصوصًا أن الحوثيين يُصعّدون عملياتهم العسكرية، ويكررون فرض معادلة الحصار على المملكة العربيّة السعودية. وكانت الحكومة اليمينّة حسمت أمرها، وأعلنت أنها لن تقبل بالوقوف مكتوفة اليدين إزاء هذه الأعمال الإرهابيّة. إذ شنّت، خلال الساعات الماضية، غاراتٍ مكثفةً على مواقع وجماعاتٍ تابعةٍ لجماعة "الحوثيين" غربي محافظة مأرب. ونشر المركز الإعلامي للقوات المسلّحة مقطعي فيديو يوثّقان العمليات الجارية، من دون تقديم تفاصيل إضافيّة بشأن الخسائر أو المواقع المحدّدة. وفي إطارٍ متصلٍ، أعلن مدير ميناء المخا عبد الملك الشرعبي، أمس السبت، توقف النشاط الملاحي والتجاري في الميناء الواقع في محافظة تعز جنوب غربي البلاد، نتيجة هجماتٍ متكرّرةٍ شنّها الحوثيون خلال الأيام الماضيّة. وقدّر الخسائر المادية المباشرة بنحو 16 مليون دولار، موضحًا أن توقف الميناء أدى إلى فقدان نحو 1300 عاملٍ مصادر دخلهم. وجاء دخول من يسمون أنفسهم بـ"أنصار الله" إلى ساحة الصراع متأخرًا، لكن لأهدافٍ محددةٍ وواضحةٍ وبتنسيقٍ مباشرٍ مع إيران، التي تحاول الحفاظ على نفوذها، ليس في اليمن فحسب، بل في العراق ولبنان، وسط محاولاتٍ جادةٍ تبذلها هذه الدول لضبط السلاح المتفلّت وإيجاد حلٍّ لمعضلة هذا الملف "المُفخّخ"، مع مواصلة واشنطن ضغوطها في هذا المضمار. في غضون ذلك، تحدّث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في لقاءٍ خاص على قناة "الجزيرة"، عن ملفاتٍ إقليميّةٍ عدة، من ضمنها التوترات في إيران وسوريا وغزّة ولبنان، مشددًا على أن دمشق لن تكون وحدها، وأن بلاده ستبذل كل ما في وسعها لدعم استقرارها، قائلًا إنه سيزورها خلال الفترة المقبلة.
وتأخرت زيارة أردوغان إلى دمشق، إذ سبقه رؤساء آخرون، عى الرغم من أن أنقرة تؤدي دورًا مفصليًا في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، بينما تحاول البلاد الخروج من تراكمات حرب الـ14 عامًا، وضبط الأمور الداخليّة وترتيب اتفاقياتٍ وتفاهماتٍ لحماية أمن البلاد. وأعلنت الاستخبارات السورية، أمس السبت، القبض على قيادي بارز في تنظيم "داعش" الإرهابي، من دون تقديم المزيد من المعلومات. وعلى صعيدٍ موازٍ، أعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة درعا القبض على المقدّم السابق مصعب أبو ركبة، المتهم بجرائم عنفٍ وجرائم ضد الإنسانيّة. وتواصل "سوريا الجديدة" محاولات تطبيق العدالة لمحاكمة رموز النظام السابق، على الرغم ممّا يعتري هذه العملية من انتقاداتٍ من قبل المؤسسات الدوليّة، التي تفشل في تقديم ذلك للشعب الفلسطينيّ الذي يعيش الإبادة بجميع معانيها وتفاصيلها، مع مواصلة الاحتلال الإسرائيليّ وحشيّته. إذ استشهد فلسطينيٌ وأصيب 9 آخرون إثر سلسلة خروقاتٍ ميدانيةٍ إسرائيليّةٍ لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، في حين أُفيد عن توجه وفدٍ قياديٍّ رفيع المستوى من حركة "حماس" برئاسة رئيس مكتبها السياسيّ خليل الحية، اليوم الأحد، إلى العاصمة المصرية القاهرة، في أول زيارةٍ رسميّةٍ له منذ توليه رئاسة الحركة. ويحتلّ ملف سلاح الحركة وضرورة دفع إسرائيل للوفاء بالتزاماتها سلّم الأولويات، إلى جانب ملف الضفة الغربيّة المحتلة، التي تشهد منذ أيامٍ عدة تصعيدًا ميدانيًا مخيفًا، مع بلوغ عنف المستوطنين مستوياتٍ غير مسبوقةٍ بمؤازرةٍ من جيش الاحتلال.
في الأحداث العربية الأخرى، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسميًا على مبادرة تقدمت بها مجموعةٌ من السودانيين لإطلاق حوارٍ سودانيٍّ خالصٍ داخل البلاد، يستوعب جميع القوى السياسيّة والمدنيّة. وتعهّد، في الوقت عينه، بمواصلة القتال حتى دحر تمرّد "قوات الدعم السريع" من جميع أنحاء البلاد. وتعيش السودان مرحلةً صعبةً، ما ينطبق على الساحة الليبيّة أيضًا، حيث أعلنت الشركة العامة للكهرباء، مساء السبت، خروج عددٍ من محطات الإنتاج عن الخدمة نتيجة انفجارٍ وقع قرب محطة كهرباء المدينة، في حادثةٍ تتزامن مع موجة هجماتٍ متتاليةٍ بطائراتٍ مسيّرةٍ "مجهولةٍ" تستهدف المنشآت الحيوية في المنطقة منذ نحو أسبوع.
وعن الواقع في أفغانستان، بعد مرور خمس سنوات على الانسحاب الأميركيّ، رسمت صحيفة "نيويورك تايمز" صورةً لافتةً للتحوّل في موقف حركة "طالبان" تجاه الولايات المتحدة. إذ تريد الحركة أن تعود واشنطن إلى البلاد لكن بصيغةٍ مختلفةٍ تمامًا، بحضورٍ دبلوماسيٍّ واستثماراتٍ اقتصاديةٍ من دون وجودٍ عسكريٍّ، مستشهدةً بتصريحات وزير الخارجيّة الأفغاني أمير خان متقي الأخيرة. أما دوليًا، فأعلن الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي أن قواته استهدفت مركزًا روسيًا للصواريخ والفضاء، وقاعدة جوية، ومنشأة نفطية داخل الأراضي الروسيّة، في حين طالبت موسكو بتوضيحٍ بشأن أنباءٍ عن خططٍ مُحتملةٍ لنقل "أسلحةٍ وذخيرةٍ أميركيّةٍ موجودةٍ لدى تركيا إلى كييف".
ما ورد من مستجداتٍ وتطوراتٍ عكستها الصحف الصادرة اليوم الأحد في عالمنا العربيّ. وفي الآتي موجزٌ بأبرزها:
أشارت صحيفة "البيان" الإماراتية إلى أن الاعتداء المتكرر على ناقلات النفط الإماراتيّة في مضيق هُرمز "لا يثبت إلا شيئًا واحدًا، هو إصرار النظام الإيرانيّ على القرصنة، ومحاولة فرض أمر واقع فشل فيه حتى الآن، وسيفشل طالما بقيت سياسته قائمة على الهيمنة وانتهاك القوانين الدوليّة". وأكدت أن "إيران اختارت منذ زمن مبكر الإضرار بالجوار والتجاوز على القوانين الدوليّة والسعي للهيمنة، ورفض الحوار وإثارة عدم الاستقرار في المنطقة. ومن كل هذا فإن الرسالة التي تصل لدول الجوار والعالم مع إصرار إيران على هذا النهج، أن هناك نظامًا يتجاوز القانون الدولي ويتعدى عليه، ويجبر العالم على عزله ومحاصرته، وهو ما يعاني منه النظام والشعب الإيراني حاليًا، وبفعل هذه السياسة يعاني الداخل الإيراني أضرارًا كارثية بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانيّة، والذي تسبب بانهيار العملة لتصل إلى نحو مليوني تومان لكل دولار".
في إطارٍ ذي صلة، قالت صحيفة "عكاظ" السعودية إنه "لم تكن معاهدة مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان خطوة عسكرية عابرة، ولا إطارًا بروتوكوليًا تقليديًا، بل جاءت كخطوة متقدمة في مسار سعودي أوسع لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليميّ من خلال رؤية متكاملة تمثل نهجًا استباقيًا في إدارة الأزمات، يقوم على معالجة مسببات التوترات قبل تفاقمها واتخاذ التدابير اللازمة للحدّ من احتمالات التصعيد". وأوضحت أن "هذه الترتيبات تبرهن على قدرة المملكة الفائقة على بناء منظومات ردع مشتركة وتحالفات تعكس نطاقًا جغرافيًا وسياسيًا مختلفًا لتحقيق أهداف استراتيجية محددة تعزّز الاستجابة الجماعية لحماية المصالح المشتركة وتثبيت دعائم الامن والاستقرار الإقليمي، ويستند هذا التصور إلى مرتكز أساسي يتمثل في مفهوم القوة الشاملة للدولة؛ حيث يتكامل الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي مع القدرات الدفاعية والشراكات الاستراتيجيّة".
وتحت عنوان "هُرمز.. هوشة الثيران التي يدفع الخليج ثمنها"، لفتت صحيفة "الغد" الأردنية إلى أن "الولايات المتحدة وإيران لديهما حساباتهما الكبرى: النووي، والعقوبات، والنفوذ، والحرب، والردع، والتفاوض. أما الخليج، فحسابه أكثر تواضعًا: أن تبقى الموانئ مفتوحة، وأن تصل السفن، وأن يعود البحارة إلى بيوتهم، وأن تستمر التجارة والطاقة من دون أن تتحول كل ناقلة إلى بيان عسكري جديد. لكن يبدو أننا أصبحنا مطالبين بدفع ثمن مباراة لم نشترِ تذاكرها أصلًا". وخلصت للقول إنه "ربما آن الأوان أن نقول للثورين المتصارعين: اختلفا كما تشاءان، تفاوضا أو تحاربا أو تبادلا التغريدات، لكن اتركا باب البيت مفتوحًا. فدول الخليج لا تريد أن تملك هُرمز، ولا أن تمنحه لأحد. تريد فقط أن تعبر سفنها بسلام، وأن تعيش بعيدا عن "هوشة" لم تخترها، لكنها، للأسف، تدفع ثمنها".
على المقلب الآخر، رأت صحيفة "الخليج" الإماراتيّة، في أحد مقالاتها، أن "ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وما حدث مع الجولان السورية يقدم النموذج الأكثر وضوحًا لسياسة إسرائيليّة مختلفة تمامًا، فبدلًا من أن يكون الاحتلال مرحلة انتقالية تنتهي بالتفاوض، تحولت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية إلى وسيلة لتثبيت الاحتلال وتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية. الأخطر أن الأمر لم يعد مجرد استمرار لسياسة قديمة، بل يتخذ اتجاهًا أكثر وضوحًا نحو تحويل السيطرة إلى ضم فعلي". واعتبرت أن "الأمن الإسرائيليّ لا يمكن أن يكون ذريعة لإلغاء أمن الدول المجاورة، ولا يمكن أن يتحول حق إسرائيل في حماية مواطنيها إلى حق مفتوح في إعادة رسم جغرافية المنطقة، وإذا كان المجتمع الدوليّ قد أقرّ بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، فإن السماح بتحويل الاحتلال إلى ملكية سياسيّة يعني عمليًا هدم أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها منظومة الأمن الدولي".
(رصد "عروبة 22")

