طيلَةَ ما يَزيدُ عن سَنَتَيْنِ مِنْ حَرْبِ الإِبادَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ على غَزَّة، أَعْطى ترامب تَأْييدَهُ المُطْلَقَ لِإِسْرائيل، سَواءً فيما يَتَعَلَّقُ بِضَرَباتِها في فِلَسْطينَ أَوْ لُبْنان، ناهيكَ بِأَفْكارِهِ عَنْ تَهْجيرِ أَهْلِ غَزَّةَ إلى مِصْرَ والأُرْدُن، وَتَحْويلِ غَزَّةَ إلى "ريفييرا" الشَّرْقِ الأَوْسَط. وَعِنْدَما انْخَرَطَ في مُفاوَضاتٍ مع إيرانَ حَوْلَ مَلَفِّها النَّوَوِيِّ اعْتُبِرَ هَذا مُؤَشِّرًا على تَوَجُّهاتِهِ السَّلمِيَّة، ثُمَّ اتَّضَحَ أَنَّ المُفاوَضاتِ كانَتْ جُزْءًا مِنْ خُطَّةِ خِداعٍ لِإيرانَ قَبْلَ تَوْجيهِ الضَّرْبَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ لَها، التي شارَكَ "صانِعُ السَّلام" في مَراحِلِها الأَخيرَةِ بِضَرْبِ مُفاعِل "فورْدو" النَّوَوِيِّ الذي عَجِزَتْ إِسْرائيلُ عَنْ ضَرْبِه. وَفي هَذا السِّياق، تَفاخَرَ ترامب بِأَنَّهُ أَنْهى ثَماني حُروبٍ لا أَحَدَ يَعْرِفُ أَسْماءَها بِدِقَّة، وَلا أَصْحابَ الفَضْلِ الحَقيقِيّينَ في إِنْهائِها، بَل ما إِذا كانَتْ قَدِ انْتَهَتْ فِعْلًا أَمْ لا!.
السبب الأصيل للمطالبة بغرينلاند ليس مخاطر روسية أو صينية وإنما الطمع في ثرواتها
غَيْرَ أَنَّ كُلَّ ما سَبَقَ يوضَعُ في كَفَّة، بَيْنَما يوضَعُ ما قامَ بِهِ في الأَيامِ الأولى لِلسَّنَةِ الجَديدَةِ في كَفَّةٍ أُخْرى، فَفي 3 يَنايِر/كانونَ الثّاني 2026 قامَ بِغَزْوِ فِنِزْويلا واخْتِطافِ قائِدِها بِتُهْمَةِ الاتِّجارِ بِالمُخَدِّراتِ والتَّسَبُّبِ في مَقْتَلِ آلافِ الأَميرْكِيّينَ لِهَذا السَّبَب. وَبَعْدَها تَصَرَّفَ تْرامْب كَحاكِمٍ لِفِنِزْويلا يَفْرِضُ عَلَيْها تَزْويدَهُ بِكَمِّياتٍ هائِلَةٍ مِنَ النِّفْطِ الذي وَعَدَ بِأَنْ يَبيعَهُ وَيُعْطِيَ لِفِنِزْويلا جُزْءًا مِنْ ثَمَنِهِ تَشْتَري بِهِ سِلَعًا أَميرْكِيَّة. ثُمَّ انْطَلَقَ يُهَدِّدُ كولومْبيا وَكوبا بِالمَصيرِ نَفْسِه، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَطْرَ إيرانَ التي شَهِدَتْ أَعْمالَ احْتِجاجٍ شَعْبِيَّةٍ واسِعَةٍ بِسَبَبِ تَرَدّي الوَضْعِ الاقْتِصاديِّ الذي ساهَمَتْ فيهِ العُقوباتُ غَيْرُ المَسْبوقَةِ على إيران، وَوَجَّهَ إِنْذارًا لِقادَتِها بِالتَّدَخُّلِ ما لَمْ يوقِفوا عَمَلِيّاتِ قَتْلِ المُحْتَجّين، وَكَأَنَّ إِسْرائيلَ على مَدارِ ما يَزيدُ عن سَنَتَيْنِ لَمْ تَقْتُلْ وَتُصِبْ ما يَقْرُبُ مِنْ رُبْعِ مِليونِ فِلَسْطينِي. وَفي الوَقْتِ نَفْسِه، بَدَأَ يُلِحُّ بِشِدَّةٍ على تَمَلُّكِ جَزيرَةِ غْرينْلانْد التّابِعَةِ لِلدَّنْمارك، وَكانَ قَدْ أَثارَ هَذِهِ الفِكْرَةَ في وِلايَتِهِ الأولى، ثُمَّ عادَ لِطَرْحِها في بِدايَةِ وِلايَتِهِ الثّانِيَةِ مع غَيْرِها مِنَ الأَفْكارِ التَّوَسُّعِيَّةِ كاعْتِبارِ كَنَدا الوِلايَةَ الأَميرْكِيَّةَ الـ51، والمُطالَبَةِ بِمِلكِْيَّةِ قَناةِ بَنَما.
وَأَساسُ المُطالَبَةِ بِغْرينْلانْد مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ أَنَّ ثَمَّةَ مَخاطِرَ روسِيَّةً وَصِينِيَّةً تُهَدِّدُها، وَأَنَّ الدَّنْمارْكَ غَيْرُ قادِرَةٍ على حِمايَتِها، وَكَأَنَّهُ لا تَرْبُطُهُ بِالدَّنْمارْكِ وَغَيْرِها عَلاقاتٌ في حِلْفِ الأَطْلَسيِّ يَسْتَطيعُ في إِطارِها أَنْ يَتَوَصَّلَ إلى ما يَشاءُ مِنْ تَرْتيباتٍ دِفاعِيَّةٍ يَكونُ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الدَّوْرُ الأَساسِيُّ فيها بِالتَّأْكيد، وَهُوَ ما يُثْبِتُ أَنَّ السَّبَبَ الأَصيلَ لِلمُطالَبَةِ بِغْرينْلانْد لَيْسَ مَخاطِرَ روسِيَّةً أَوْ صينِيَّةً لا توجَدُ أَيُّ دَلائِلَ قَوِيَّةٍ عَلَيْها، وَإِنَّما الطَّمَعُ في ثَرْواتِها.
وَيُعَرِّفُ التَّحْليلُ السِّياسِيُّ مَفْهومَ "التَّغْذِيَةِ الاسْتِرْجاعِيَّة" (feedback) الذي يَهْتَمُّ بِتَأْثيرِ القَراراتِ على البيئَةِ التي تَتَوَجَّهُ إِلَيْها، فَإِنْ كانَ إيجابِيًّا واصَلَ صانِعُ القَرارِ سِياساتِهِ وَقَراراتِهِ المَبْنِيَّةَ على هَذِهِ السِّياسات، وَفي هَذِهِ الحالَةِ تَكونُ التَّغْذِيَةُ الاسْتِرْجاعِيَّةُ إيجابِيَّة، أَمّا إِذا كانَ التَّأْثيرُ سَلْبِيًّا يَكونُ على صانِعِ القَرارِ أَنْ يُعَدِّلَ قَراراتِهِ أَوْ يوقِفَ تَنْفيذَها مُؤَقَّتًا أَوْ يُلغِيَها، وَهُنا تَكونُ التَّغْذِيَةُ الاسْتِرْجاعِيَّةُ سَلْبِيَّة، فَإِذا لَمْ يَقُمْ صانِعُ القَرارِ بِالتَّصْحيحِ المَطْلوبِ يَكونُ مُهَدَّدًا بِفَشَلِ سِياساتِهِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا.
ما لم يتراجع ترامب أو يتم التوصّل إلى حلّ يُرضي الطرفين في غرينلاند فإنّ الثمن قد يكون بقاء التحالف الغربي ذاته
مِنَ الطَّبيعِيِّ أَنْ تَنْتَمِيَ تَداعِياتُ قَراراتِ ترامب التي تَمَّتِ الإِشارَةُ إِلَيْها إلى النَّوْعِ الثّاني (التَّغْذِيَةِ الاسْتِرْجاعِيَّةِ السَّلبِيَّة)، وَيُلاحَظُ أَنَّ رُدودَ فِعْلِ غَزْوِ فِنِزْويلا على فَجاجَتِهِ لَمْ تَكُنْ مِنَ القُوَّةِ بِحَيْثُ تَدْفَعُ ترامب لِإِجْراءِ أَيِّ تَعْديلٍ في سِياسَتِه، لَكِنَّ عَدَمَ تَنْفيذِ تَهْديدِهِ بِضَرْبِ إيرانَ مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّهُ يَرْجِعُ ضِمْنَ عَوامِلَ أُخْرى لِاعْتِراضِ بَعْضِ حُلَفاءِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَأَصْدِقاءِ ترامب في المِنْطَقَةِ على تَوْجيهِ هَذِهِ الضَّرْبَة، لِما سَوْفَ تُسَبِّبُهُ مِنْ عَدَمِ اسْتِقْرارٍ سِياسِيٍّ واقْتِصادِيٍّ هائِل، من دونِ أَنْ تَكونَ نَتَائِجُها مَضْمونَة. وَيَبْرُزُ التَّحَدّي الحَقيقِيُّ الآنَ في قَضِيَّةِ غْرينْلانْد، فالرَّفْضُ الأوروبِّيُّ لِاسْتيلاءِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ عَلَيْها يَتَصاعَد، وَإِصْرارُ تْرامْب على ضَمِّها يَتَزايَد، وَما لَمْ يَتَراجَعْ ترامب أَوْ يَتِمَّ التَّوَصُّلُ إلى حَلٍّ يُرْضي الطَّرَفَيْنِ فَإِنَّ الثَّمَنَ قَدْ يَكونُ بَقاءَ التَّحالُفِ الغَرْبيِّ ذاتِه، وَلَيْسَتِ اتِّفاقِيَّةُ الشَّراكَةِ الاسْتْراتيجِيَّةِ الأَخيرَةُ بَيْنَ الصّينِ وَكَنَدا، وَكَذَلِكَ قَرارُ البَرْلَمانِ الأوروبّيِّ بِتَعْليقِ المُصادَقَةِ على الِاتِّفاقِ التِّجاريِّ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ سِوى نَماذِجَ لِما يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ عَلَيْهِ مَآلُ التَّحالُفِ الغَرْبيِّ لَوْ واصَلَ ترامب سِياساتِهِ الرّاهْنَة.
(خاص "عروبة 22")

