بصمات

"النَّديم".. وَذِكْرى احْتِرامِ المَعْرِفَة!

لَمْ يَظْهَرِ الاهْتِمامُ بِالكُتُبِ والعِنايَةُ بِها بِأَوْضَحِ صُوَرِهِ في العُصورِ ما قَبْلَ الحَديثَةِ كَما ظَهَرَ في الحَضارَةِ العَرَبِيَّة، هُنا تَكَوَّنَتْ ثَقافَةٌ تَعْتَني بِالكِتابِ وَتُبالِغُ في احْتِرامِهِ وَتَبْجيلِهِ كَجُزْءٍ أَصيلٍ مِنِ احْتِرامِ المَعْرِفَةِ كَكُلٍّ، وَهَذِهِ الرّوحُ التي شَمَلَتْ عَمَلِيَّةَ العِنايَةِ بِالكِتابِ عَبْرَ مَراحِلِ النَّسْخِ واخْتِيارِ نَوْعِيَّةِ الأَقْلامِ والوَرَقِ والتَّجْليدِ والتَّهْذيبِ تَجَلَّتْ بِوُضوحٍ في أَحَدِ أَرْوَعِ الكُتُبِ التي أَنْتَجَتْها العَرَبِيَّة، وَهُوَ كِتابُ "الفِهْرِسْت" لِمُحَمَّد بِن إِسْحاقَ النَّديمِ الوَراق (تُوُفِّيَ سَنَةَ 380هـ/ 990م).

النَّديم اسْتَطاعَ أَنْ يُلَخِّصَ ثَقافَةً كامِلَةً في كِتابِه، بَل نَسْتَطيعُ القَوْلَ إِنَّهُ أَعْطى الدَّرْسَ في احْتِرامِ المَعْرِفَةِ التي لا تَعْرِفُ الحُدودَ المُصْطَنَعَة، بَل قَدَّمَ صورَةً واضِحَةَ المَعالِمِ لِلحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ في القُرونِ الأَرْبَعَةِ الأولى مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّة، وَرَصَدَ الإِنْتاجَ الفِكْرِيَّ العَرَبِيَّ وَإِسْهاماتِ العُلَماءِ العَرَبِ والمُسْلِمينَ وَغَيْرِ المُسْلِمينَ في الحَضارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ في وَقْتِ ازْدِهارِ الحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ وَبُلوغِها الذُّرْوَة، فَجاءَ كِتابُ النَّديمِ الوِعاءَ الحافِظَ لِهَذَا التُّراثِ العَظيمِ الذي لَمْ يَصِلنا مِنْهُ إِلا القَليل.

المُدْهِشُ أَنَّ النَّديم عِنْدَما وَضَعَ كِتابَهُ (الفِهْرِسْتَ) لَمْ يَكُنْ مَسْبوقًا في هَذَا الفَنّ، بَل إِنَّ الدُّكْتورَ أَيْمَنَ فُؤاد سَيِّد مُحَقِّقَ الكِتابِ يَقولُ إِنَّ "الحَضارَةَ الغَرْبِيَّةَ لَمْ تَعْرِفْ على الإِطْلاقِ كِتابًا مُماثِلًا حَتّى بِدايَةِ ظُهورِ الطِّباعَةِ في نِهايَةِ القَرْنِ الخامِسَ عَشَر"، فَضْلًا عَنْ أَنَّ النَّديم قَدَّمَ أَقْدَمَ عَرْضٍ مَنْهَجِيٍّ لِلتُّراثِ العَرَبيِّ كُلِّهِ عَبْرَ تَرْتيبِ مادَّةِ الكِتابِ في عَشْرِ مَقالات، غَطَّتِ السِّتُّ الأولى مِنْها مَوْضوعاتٍ ذاتَ عَلاقَةٍ بِالثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة، بَيْنَما تَناوَلَتِ الأَرْبَعُ الأَخيرَةُ مَوْضوعاتٍ في المَعارِفِ الإِنْسانِيَّةِ العامَّةِ مِثْلَ الفَلْسَفَةِ والرِّياضِيّاتِ والطِّبِّ والكيمْياءِ والمُعْتَقَداتِ المُخْتَلِفَةِ لِلأُمَمِ غَيْرِ الإِسْلامِيَّة.

يُعطينا صورة عن اتساع الحياة الثقافية والفكرية في الحضارة العربية

وَأَوْجَزَ النَّديم في كِتابَةِ مُقَدِّمَةِ كِتابِه، فَلَمْ تَتَجاوَزْ بِضْعَةَ أَسْطُرٍ لِأَنَّ "النُّفوسَ تَشْرَئِبُّ إلى النَّتائِجِ دونَ المُقَدِّمات، وَتَرْتاحُ إلى الغَرَضِ المَقْصودِ دونَ التَّطْويلِ في العِبارات" على حَدِّ قَوْلِه، لَكِنَّهُ يوضِحُ في إيجازِهِ غَرَضَ الكِتابِ وَمَنْهَجَهُ قائِلًا: "هَذا فِهْرِسْتُ كُتُبِ جَميعِ الأُمَمِ مِنَ العَرَبِ والعَجَم، المَوْجودِ مِنْها بِلُغَةِ العَرَبِ وَقَلَمِها في أَصْنافِ العُلومِ وَأَخْبارِ مُصَنِّفيها وَطَبَقاتِ مُؤَلِّفيها وَأَنْسابِهِمْ وَتاريخِ مَواليدِهِمْ وَمَبْلَغِ أَعْمارِهِمْ وَأَوْقاتِ وَفاتِهِمْ وَأَماكِنِ بُلْدانِهِمْ وَمَناقِبِهِمْ وَمَثالِبِهِم، مُنْذُ ابْتِداءِ كُلِّ عِلمٍ اخْتُرِعَ إلى عَصْرِنا هَذا وَهُوَ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعينَ وَثَلاثِ مائَةٍ لِلهِجْرَة".

نَحْنُ أَمامَ كِتابٍ مُكَرَّسٍ بِالكامِلِ لِذِكْرِ أَسْماءِ الكُتُبِ وَمُؤَلِّفيها في كُلِّ فَنّ، فَجاءَ مَوْسوعَةً تَأْسيسِيَّةً في التَّعْريفِ بِمُنْتَجِ الحَضارَةِ العَرَبِيَّة، وَهُوَ الأَمْرُ الذي جَعَلَهُ الرّائِدَ المُؤَسِّسَ لِهَذا الفَنِّ على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ المُحاوَلاتِ قَدْ سَبَقَتْهُ بِشَكْلٍ جُزْئِي، والقُدْوَةَ التي سَارَ على دَرْبِها كُلُّ مَنِ اهْتَمَّ بِهَذَا الفَنِّ مِنَ التَّأْريخِ لِنَشْأَةِ العُلومِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّة، لِذا جاءَتِ الكُتُبُ تَنْهَلُ مِنْ مَصادِرِهِ وَتَسيرُ على دَرْبِهِ كَما فَعَلَ حاجي خَليفَة في القَرْنِ السّابِعَ عَشَرَ الْميلادِيّ، عِنْدَما أَلَّفَ كِتابَهُ الشَّهير (كَشْف الظُّنونِ عَنْ أَسامي الكُتُبِ والفُنون)، ثُمَّ كارْل بْروكِلْمان في النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرينَ في كِتابِه (تاريخُ الأَدَبِ العَرَبِيّ)، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ فُؤاد سَزْجين في كِتابِه (تاريخُ التُّراثِ العَرَبِيّ).

رسالته واضحة أنّ المعرفة هي الحلّ لأيّ أمّة تبحث عن النهوض

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ كِتابَ النَّديم لا يُقَدِّمُ إِلّا لَمْحَةً مُوَسَّعَةً عَنْ تاريخِ التُّراثِ العَرَبيِّ في القُرونِ الهِجْرِيَّةِ الأولى، إِلّا أَنَّهُ يُعْطينا صورَةً إِجْمالِيَّةً صادِقَةً عَنِ اتِّساعِ الحَياةِ الثَّقافِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ في الحَضارَةِ العَرَبِيَّة، فَالجَميعُ يُبْدِعُ تَحْتَ مِظَلَّةِ العَرَبِيَّةِ التي تَسْتَقْبِلُ العَديدَ مِنَ الأَلفاظِ الأَعْجَمِيَّةِ وَتُعَرِّبُها، وَلَيْسَ أَصْدَقَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُنْوانَ كِتابِ النَّديمِ هُوَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةُ الأَصْل، فَهُنا نَلتَقي بِالمُرونَةِ الثَّقافِيَّةِ المَبْنِيَّةِ على احْتِرامِ المَعْرِفَةِ وَشُروطِ انْتِقالِها مَعَ العَمَلِ على تَبْيِئَتِها في مُحيطِها العَرَبيِّ الجَديد، والاسْتِفادَةِ مِنْ فُنونِ الثَّقافاتِ الأُخْرى وَمُنْتَجاتِها الحَضارِيَّةِ عَبْرَ التَّرْجَمَةِ التي يُفْرِدُ لَها النَّديمُ مَساحَةً واسِعَة، وَهُوَ يُقَدِّمُ الخَطَّ المُوازِيَ لِلتَّرْجَمَةِ عَبْرَ رَصْدِ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في العُلومِ العَقْلِيَّة، فَيَفْتَحُ أَعْيُنَنا على واقِعٍ مُخْتَلِفٍ كانَتِ الأَفْكارُ مَعْروضَةً لِلشَّمْسِ وَقابِلَةً لِلنِّقاشِ والجَدَلِ حَوْلَها بِالحُجَّةِ وَمُواجَهَةِ الفِكْرِ بِالفِكْر، والأَهَمُّ أَنَّ احْتِرامَ الكِتابِ مُقَدِّمَةٌ ضَرورِيَّةٌ لِأَيِّ صِناعَةٍ مَعْرِفِيَّة.

تَبْدو رِسالَةُ النَّديمِ مِنْ كِتابِ (الفِهْرِسْت) واضِحَة، فَهُوَ يَقولُ بِشَكْلٍ عَمَلِيٍّ إِنَّ المَعْرِفَةَ هِيَ الحَلُّ لِأَيِّ أُمَّةٍ تَبْحَثُ عَنِ النُّهوضِ والبَحْثِ عَنْ مَوْقِعٍ لَها تَحْتَ الشَّمْس، وإِنَّ احْتِرامَ المَعْرِفَةِ وَشُروطَها هُوَ الدُّسْتورُ لِبِناءِ مُجْتَمَعاتٍ صِحِّيَّة، فَالطَّريقُ نَحْوَ تَحْقيقِ هَذِهِ الأَهْدافِ يَمُرُّ عَبْرَ ثُنائِيَّةِ التَّرْجَمَةِ والإِبْداع، الأولى لِنَقْلِ مَعارِفِ الحَضاراتِ والثَّقافاتِ الأُخْرى والِاسْتِفادَةِ مِنْ خُلاصَتِها وَمُنْجَزِها، والإِبْداعِ الخَلّاقِ الذي يَحْتَرِمُ التَّنَوُّعَ والإِبْداعِيَّةَ وَيَضْمَنُ عَدَمَ التَّبَعِيَّةِ الثَّقافِيَّةِ وَيُحافِظُ على الهُوِيَّةِ الذَّاتِيَّة، هَذَا هُوَ دَرْسُ الأَجْدادِ الذي قَدَّمَهُ لَنا النَّديم، فَهَلْ نَسْتَفيدُ مِنْهُ في مُحاوَلَتِنا لِإِنْتاجِ مَعْرِفَة؟.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن