غْرينْلانْد باتَتْ عَلامَةً على مَنْطِقٍ جَديدٍ لا يَتَعامَلُ مَعَ السِّيادَةِ بِوَصْفِها خَطًا أَحْمَر، بَل كَقيمَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّفاوُضِ إِذا اقْتَضَتِ الحِساباتُ الأَمْنِيَّةُ والِاقْتِصادِيَّةُ ذَلِك. وَحَتّى لَوْ لَمْ تُتَرْجَمْ هَذِهِ المُقارَبَةُ إلى ضَمٍّ مُباشِر، يَكْفي أَنْ تُطْرَحَ الفِكْرَةُ لِلنِّقاش، وَأَنْ يُمارَسَ الضَّغْطُ على الحَليفِ تَحْتَ عُنْوانِ الأَمْنِ المُشْتَرَك، لِتَتَبَدَّلَ القَواعِد. فالخَطَرُ لَيْسَ في مَصيرِ غْرينْلانْد وَحْدَها، بَلِ في السّابِقَة، حينَ تَمْنَحُ دَوْلَةٌ عُظْمى نَفْسَها حَقَّ مُناقَشَةِ سِيادَةِ حَليف، فَما الَّذِي يَمْنَعُها لاحِقًا مِنِ اعْتِمادِ النَّهْجِ ذاتِهِ مَعَ دُوَلٍ أَضْعَف، بِخاصَّةٍ في مَنْطِقَتِنا؟.
تجربة غرينلاند تُبيّن أنّ الترتيبات الأمنية قد تتحوّل إلى مدخل لإعادة تعريف السيادة
مِنْ هُنا تَبْدَأُ التَّداعِياتُ الإِقْليمِيَّة، وَأَوَّلُها مَلَفُّ غَزَّةَ ما بَعْدَ الحَرْب. فالعالَمُ يَتَداوَلُ اليَوْمَ أَفْكارًا عَنْ تَرْتيباتٍ أَمْنِيَّة، وَحَوْكَمَةٍ انْتِقالِيَّة، وَإِعادَةِ إِعْمار. لَكِنَّ جَوْهَرَ هَذِهِ المَشاريعِ لَيْسَ إِنْسانِيًّا فَقَط، بَل سِيادِيًّا أَيْضًا: مَنْ يُسَيْطِرُ على المَعابِر؟ مَنْ يُشْرِفُ على الأَمْن؟ مَنْ يُديرُ الشُّرْطَة؟ مَنْ يَضَعُ شُروطَ التَّمْويل؟ تَجْرِبَةُ غْرينْلانْد تُبَيِّنُ أَنَّ التَّرْتيباتِ الأَمْنِيَّةَ قَدْ تَتَحَوَّلُ إلى مَدْخَلٍ لِإِعادَةِ تَعْريفِ السِّيادَةِ نَفْسِها، وَأَنَّ الشَّريكَ الأَضْعَفَ قَدْ يُدْعى لِلمُشارَكَةِ في صِياغَةِ مُسْتَقْبَلِ أَرْضِهِ ضِمْنَ شُروطٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ بِاسْمِ الاسْتِقْرار. وَهَذِهِ لَيْسَتْ نَظَرِيَّة، بَل مُمارَسَةٌ عَرَفَتْها المِنْطَقَةُ مِرارًا.
في الواقِع، دُوَلٌ كَثيرَةٌ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ خَبَرَتِ اخْتِراقَ السِّيادَة. فالتَّدَخُّلُ الخارِجِيُّ نادِرًا ما جاءَ عَبْرَ الضَّمِّ المُباشِر، بَل غالِبًا مِنْ خِلالِ مُنَظَّماتٍ وَقُوى وَكيلَةٍ تَعْمَلُ خارِجَ الدَّوْلَة. وَيُشَكِّلُ لُبْنانُ المِثالَ الأَوْضَح، مَعَ إِنْشاءِ نِظامِ الأَسَدِ السّوريِّ خِلالَ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ تَنْظيماتِ واجِهَةٍ اسْتَخْدَمَها لِمَصَالِحِه، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ هَذا المَسارُ ذُرْوَتَهُ مَعَ صُعودِ "حِزْبِ اللَّه" المَدْعومِ مِنْ إِيران، بِما مَثَّلَهُ مِنْ نَموذَجٍ لِتَآكُلِ السِّيادَةِ مِنَ الدّاخِل. خَرْقُ السِّيادَةِ هَذا يَعودُ اليَوْمَ بِغِطاءٍ جَديد: لَيْسَ احْتِلالًا مُباشِرًا، بَل "حُزْمَةُ ضَمانات" وَ"حُلولُ ما بَعْدَ الحَرْب".
إسرائيل ستسعى إلى استثمار التحوّل الأميركي لتكريس مقاربة أمنية سيادية في ملفات غزة والحدود مع لبنان وسوريا
في لُبْنان، تَتَضاعَفُ دَلالَةُ قَضِيَّةِ غْرينْلانْد، لِأَنَّ البَلَدَ يَعيشُ أَصْلًا على تَماسٍ دائِمٍ بَيْنَ السِّيادَةِ كَخِطابٍ والسِّيادَةِ كَقُدْرَةٍ فِعْلِيَّة. فَإِذا كانَ الحَليفُ الأَكْبَرُ يَسْتَطيعُ وَضْعَ سِيادَةِ حَليفٍ أوروبِّيٍّ على طاوِلَةِ التَّفاوُضِ تَحْتَ عُنْوانِ الأَمْنِ والمَصالِح، فَكَيْفَ بِدَوْلَةٍ هَشَّةٍ كَلُبْنان، تَتَقاطَعُ فَوْقَ أَرْضِها حِساباتُ النُّفوذِ الإِقْليمِيّ، وَشُروطُ المُساعَداتِ الدَّوْلِيَّة، وَمَعاييرُ العُقوباتِ وَمَلَفّاتُ الحُدودِ والطّاقَة؟ في لَحْظَةٍ كَهَذِه، يُصْبِحُ الضَّغْطُ الخارِجِيُّ أَكْثَرَ قابِلِيَّةً لِلتَّحَوُّلِ إلى صِياغَةٍ سِياسِيَّةٍ مُباشِرَة: دَعْمٌ مُقابِلَ تَنازُلات، مُساعَداتٌ مُقابِلَ تَرْتيباتٍ أَمْنِيَّة، وَوُعودُ إِنْقاذٍ مالِيٍّ مَشْروطَةٌ بِمَسارٍ سِياسِيٍّ مُحَدَّد. وَمَعَ تَآكُلِ المَرْجِعِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ كَمَصْدَرٍ ثابِتٍ لِلقَواعِد، وَعَجْزِ لُبْنانَ عَنْ خَوْضِ مَسارِ بِناءِ الدَّوْلَة، سَيَجِدُ نَفْسَهُ أَمامَ خِيارِ الارْتِهانِ لِمُعادَلاتِ القُوى بِما يُوَفِّرُ اسْتِقْرارًا مُؤَقَّتًا على حِسابِ السِّيادَة.
أَمّا في سورِيا، فَدَلالَةُ غْرينْلانْد أَكْثَرُ مُباشَرَةً لِأَنَّ السِّيادَةَ هُناكَ لا تَزالُ مَوْضِعَ نِزاعٍ عَمَلِيٍّ بَيْنَ نُفوذٍ خَارِجِيٍّ وَوَقائِعَ داخِلِيَّة. وَمَعَ تَراجُعِ ثَباتِ المِعْيارِ الغَرْبيِّ في التَّعامُلِ مَعَ سِيادَةِ الحُلَفاءِ قَبْلَ الخُصوم، سَتَكونُ سورِيا مِنْ أَوَّلِ السّاحاتِ التي يُعادُ فيها تَعْريفُ السِّيادَةِ بِوَصْفِها وَظيفَةً تَفاوُضِيَّةً لا حَقًّا مُطْلَقًا: تَرْتيباتٌ أَمْنِيَّةٌ مُقابِلَ اعْتِرافٍ سِياسِيّ، إِعادَةُ إِعْمارٍ مُقابِلَ شُروط، وَرَفْعٌ تَدْريجِيٌّ لِلعُقوباتِ مُقابِلَ مَساراتِ حُكْمٍ وَتَوازُناتٍ لا تُصاغُ داخِلِيًّا فَقَط. والتَّحَدّي في مَرْحَلَةِ إِعادَةِ تَشْكيلِ الإِقْليمِ هُوَ اسْتِعادَةُ السِّيادَةِ كَإِطارٍ وَطَنِيٍّ جامِع، لا كَبَنْدٍ قابِلٍ لِلتَّجْزِئَةِ في صَفَقاتِ الآخَرين.
يتحوّل الشرق الأوسط إلى مساحة تخضع للضغوط والتوسّع
في إِسْرائيل، تُقْرَأُ غْرينْلانْد كَمُؤَشِّرٍ إِضَافِيٍّ على صُعودِ مَنْطِقِ القُوَّة، ما يُعَزِّزُ الاعْتِقادَ أَنَّ السِّياسَةَ الإِسْرائيلِيَّةَ سَتَقومُ على تَرْتيباتِ الأَمْرِ الواقِعِ أَكْثَرَ مِنَ المَرْجِعِيّاتِ القانونِيَّةِ الدَّوْلِيَّة. لِذَلِكَ سَتَسْعى إلى اسْتِثْمارِ هَذا التَّحَوُّلِ الأَميرْكيِّ لِتَكْريسِ مُقارَبَةٍ أَمْنِيَّة – سِيادِيَّة، في ملَفّاتِ غَزَّةَ والحُدودِ مَعَ لُبْنانَ وَسورْيا، مَعَ التَّعْويلِ على أَنَّ مُناخَ الصَّفَقاتِ وَتَآكُلَ القُيودِ المِعْيارِيَّةِ سَيُضْعِفُ أَيَّ ضُغوطٍ دَوْلِيَّةٍ جِدِّيَّةٍ عَلَيْها.
التَّداعي الثّاني يَمُرُّ عَبْرَ الطَّاقَة. فَأوروبّا تَقِفُ أَمامَ مُعادَلَةٍ دَقيقَةٍ تَطْمَحُ إلى اسْتِقْلالٍ سِياسِيٍّ عَنْ واشِنْطُن، لَكِنَّها لا تَمْلِكُ بَعْدُ اسْتِقْلالًا طاقِيًّا كامِلًا وَلا مَنْظومَةَ رَدْعٍ مُكْتَفيةً بِذاتِها. وَإِذا كانَتْ غْرينْلانْد قَدْ كَشَفَتْ هَشاشَةَ أوروبّا داخِلَ التَّحالُف، فالأَرْجَحُ أَنْ تَتَّجِهَ أَكْثَرَ نَحْوَ الجَنوبِ بَحْثًا عَنْ ضَماناتِ الطّاقَةِ والاسْتِقْرار: الخَليج، شَرْقُ المُتَوَسِّطِ وَشَمالُ أَفْريقْيا. هَذِهِ العَوْدَةُ لَنْ تَعْنِيَ إِطْلاقًا اسْتِعادَةَ نَموذَجِ الشَّراكَةِ التَّقْليدِيَّة، بَل سَتَجْري ضِمْنَ بيئَةٍ دَوْلِيَّةٍ تُدارُ بِالعُقوباتِ والضُّغوطِ والمَعاييرِ المالِيَّة، فَلا تَعودُ العَلاقَةُ اقْتِصادِيَّةً بَحْتَة، بَل تَمُرُّ بِصاحِبِ القَرارِ في مَنْظومَةِ العُقوبات، وَشُروطِ التِّجارَةِ والتَّمْويل. ما يَجْعَلُ المِنْطَقَةَ ساحَةَ تَفاوُضٍ تَرْبِطُ مَصالِحَ الطَّاقَةِ بِالِاصْطِفافاتِ السِّياسِيَّة.
ثالِثُ التَّداعِياتِ يَتَعَلَّقُ بِأَمْنِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّة. واشِنْطُن باتَتْ تَعْتَبِرُ أَمْنَ طُرُقِ التِّجارَةِ جُزْءًا مُباشِرًا مِنْ أَمْنِها القَوْمِيّ، لا مُجَرَّدَ التِزامٍ دَوْلِيٍّ عام. غْرينْلانْد لَيْسَتْ سِوى عُنْوانٍ لِلتَّحَوُّل، مِنَ القُطْبِ الشَّماليِّ إلى البَحْرِ الأَحْمَر، ثُمَّ الخَليجِ فالمُتَوَسِّط. وَحينَ تُعادُ صِياغَةُ مَفْهومِ الأَمْنِ القَوْميِّ الأَميرْكيِّ لِيَشْمَلَ هَذِهِ المَسارات، يَتَحَوَّلُ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ إلى مِساحَةٍ حَيَوِيَّةٍ اسْتْراتيجِيًّا، لَكِنَّها أَيْضًا مِساحَةٌ تَخْضَعُ لِلضُّغوطِ والتَّوَسُّع.
غرينلاند تقول للمنطقة إنّ زمن القواعد الصّلبة يتآكل وزمن الصفقات حيث تقاس الحقوق بميزان القوة يقترب
الأَخْطَرُ أَنَّ غْرينْلانْد تَكْشِفُ تَغَيُّرًا في مَعْنى التَّحالُفِ نَفْسِه. فالدُّوَلُ الأوروبِّيَّةُ باتَتْ تَشْعُرُ بِأَنَّها أَمامَ شَريكٍ يُفاوِضُ أَكْثَرَ مِمّا يَقود، وَيَسْتَخْدِمُ الِاقْتِصادَ والعُقوباتِ والضَّغْطَ السِّياسِيَّ لِإِدارَةِ الحُلَفاء. هَذِهِ الرِّسالَةُ سَتَلتَقِطُها المِنْطَقَة. فالدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ التي بَنَتْ خِياراتِها لِعُقودٍ على فِكْرَةِ الضَّمانات، سَتَطْرَحُ السُّؤالَ مِنْ جَديد: هَل ما زالَتِ الضَّمانَةُ قائِمَة؟ أَمْ أَنَّ الحِمايَةَ باتَتْ مَشْرُوطَةً بِسُلوكٍ سِياسِيٍّ مُحَدَّد؟ وَهَل يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الدَّعْمُ إلى أَداةِ ابْتِزاز؟ في هَذا المُناخ، تَزْدادُ قيمَةُ البْراغْماتِيَّةِ الإِقْليمِيَّة، وَتَتَقَدَّمُ فِكْرَةُ تَنْويعِ الشَّراكاتِ بَدَلَ الارْتِهانِ لِمِحْوَرٍ واحِد، لا حُبًّا بِالقُوى الصّاعِدَة، بَل لِأَنَّ نَموذَجَ غْرينْلانْد يوحي بِأَنَّ الاعْتِمادَ الكامِلَ على جِهَةٍ واحِدَةٍ باتَ مُخَاطَرَة.
ما يَجْري في غْرينْلانْد لَيْسَ نِزاعًا بَيْنَ واشِنْطُن وَبْروكْسِل فَحَسْب، بَلِ هو انْعِكاسٌ لِسِياسَةٍ تُعيدُ تَعْريفَ القُوَّةِ والقَواعِدِ مَعًا. والشَّرْقُ الأَوْسَطُ سَيَكونُ أَوَّلَ مَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ أَوْ يَقْطِفُ الفُرْصَة: ثَمَنَ الفَوْضى إِذا تَكَسَّرَتِ الضَّوابِط، وَفُرْصَةَ المُناوَرَةِ إِذا نَجَحَتِ الدُّوَلُ في تَحْويلِ التَّحَوُّلِ العالَميِّ إلى هامِشٍ سِيادِيٍّ أَوْسَع. غْرينْلانْد تَقولُ لِلمِنْطَقَةِ إِنَّ زَمَنَ القَواعِدِ الصَّلبَةِ يَتَآكَل، وَإِنَّ زَمَنَ الصَّفَقاتِ حَيْثُ تُقاسُ الحُقوقُ بِميزانِ القُوَّة، يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ مِمّا نَظُنّ.
(خاص "عروبة 22")

