في تَأْكيدٍ على مُمانَعَةِ مِصْرَ صيغَةَ "التَّعايُشِ" مَعَ الميليشْيات، واعْتِبارِ أَنَّ أَيَّ مُحاوَلَةٍ لِشَرْعَنَتِها أَوْ دَمْجِها في هَيْكَلٍ مُوازٍ لِلجَيْشِ الوَطَنيِّ اللّيبيِّ هِيَ تَهْديدٌ مُباشِرٌ لِلأَمْنِ القَوْميِّ المِصْرِيّ، رَفَضَ الرَّئيسُ عَبْد الفَتّاحِ السّيسي ما وَصَفَهُ بِـ"مُحاوَلاتٍ نَمَطِيَّة، لِأَيِّ مَساعٍ تَسْتَهْدِفُ تَقْسيمَ دُوَلِ المِنْطَقَة، أَوِ اقْتِطاعَ أَجْزاءٍ مِنْ أَراضيها، أَوْ إِنْشاءَ ميليشْياتٍ وَكِياناتٍ مُوازِيَةٍ لِلجُيوشِ والمُؤَسَّساتِ الوَطَنِيَّةِ الشَّرْعِيَّة".
اسْتْراتيجِيًّا، أَغْلَقَ السّيسي البابَ أَمامَ أَيِّ تَسْوِيَةٍ سِياسِيَّةٍ في ليبْيا، تَعْتَمِدُ على "المُحاصَصَةِ العَسْكَرِيَّة" بَيْنَ الجَيْشِ والميليشْياتِ، بِقَوْلِهِ "إِنَّ الميليشْياتِ لا تَحْمي دُوَلًا، والدُّوَلُ التي تَصَوَّرَتْ أَنَّ إِنْشاءَ الميليشْياتِ يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ لَها دَوْرٌ في حِمايَةِ الأَنْظِمَة، تَحَوَّلَتْ إلى أَداةٍ لِتَدْميرِها".
فَخُّ الاسْتِقْرارِ الزّائِف
بَيْنَما يَتَحَدَّثُ البَعْضُ عَنْ "هُدوءٍ مَفْروض" في العاصِمَةِ طَرابُلُس، جاءَتْ مُحاوَلَةُ اغْتِيالِ اللِّواء فَرَج المَبْروك، رَئيسِ فَرْعِ جِهازِ الشُّرْطَةِ القَضائِيَّة، أَمامَ سِجْنِ الجَديدَة، لِتَنْسِفَ سَرْدِيَّةَ الاسْتِقْرارِ الزّائِف.
هَذا الاعْتِداءُ لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً أَوِ اشْتِباكًا عَشْوائِيًّا، بَلْ عَمَلِيَّةَ "تَصْفِياتٍ جَسَدِيَّة" مَدْروسَة، اسْتَهْدَفَتْ رَأْسَ الهَرَمِ الإِداريِّ لِأَحَدِ أَهَمِّ السُّجونِ الجِنائِيَّة؛ لِتُثْبِتَ بِالدَّليلِ القاطِعِ أَنَّ الميليشْياتِ المُنْفَلِتَةَ لا تَزالُ تَمْلِكُ القُدْرَةَ على اخْتِراقِ "هَيْبَةِ الدَّوْلَة" في وَضْحِ النَّهار.
وَجَسَّدَتْ إِصابَةُ المَبْروكِ بِعياراتٍ نارِيَّةٍ أَثْناءَ خُروجِهِ مِنْ عَمَلِهِ الرَّسْمِيّ، حَقيقَةَ أَنَّ اليَدَ التي تُطَبِّقُ القانونَ هِيَ نَفْسُها اليَدُ المُسْتَهْدَفَةُ مِنْ قُوى السِّلاح، وَأَنَّ السَّلامَ الحالِيَّ في طَرابُلُسَ لَيْسَ إِلّا قِشْرَةً رَقيقَةً تُخْفي تَحْتَها غابَةً مِنَ الميليشْياتِ الجاهِزَةِ لِلِانْقِضاضِ على أَيِّ مُحاوَلَةٍ لِبِناءِ مُؤَسَّساتٍ أَمْنِيَّةٍ نِظامِيَّةٍ حَقِيقِيَّة.
وبِحَسَبِ مُراقِبين، فَقَدْ فَنَّدَتْ هذِهِ العَمَلِيَّةُ مَزاعِمَ حُكومَةِ الوَحْدَةِ المُؤقَّتَةِ بِرِئاسَةِ عَبْدِ الحَميد الدُّبَيْبَة بِنَجاحِها في فَرْضِ أَمْنٍ نِسْبِيٍّ في مَناطِقِها، لِلبَقاءِ في السُّلطَة، مُقابِلَ غَريمَتِها حُكومَةِ الاسْتِقْرارِ المُوازِيَةِ في شَرْقِ وَجَنوبِ البِلاد.
تَكْشِفُ هذِهِ العَمَلِيَّة، بِالإِضافَةِ إِلى الاشْتِباكاتِ المُتَكَرِّرَةِ داخِلَ طَرابُلُس وَغَيْرِها مِنْ مُدُنِ المِنْطَقَةِ الغَرْبِيَّة، وَفْقًا لِديبْلوماسِيٍّ غَرْبِيٍّ، أَنَّ الوُجودَ المُسَلَّحَ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ بُنْيَةِ السُّلْطَةِ نَفْسِها، حَيْثُ تُسَيْطِرُ الميليشْياتُ على مَناطِقَ اسْتْراتيجِيَّةٍ داخِلَ المُدُنِ أَوْ مُنْشَآتٍ حَسّاسَة.
خَريطَةُ القُوَّة وَصِراعُ النُّفوذ
عَقِبَ سُقوطِ نِظامِ مُعَمَّر القَذّافي عامَ 2011، انْتَشَرَ السِّلاحُ وَظَهَرَتْ تَشْكيلاتٌ عَديدَةٌ خارِجَ إِطارِ الجَيْشِ أَوِ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّة، في خَلَلٍ أَمْنِيٍّ كَبيرٍ.
تُصَنِّفُ تَقاريرُ فَريقَ الخُبَراءِ التّابِعِ لِمَجْلِسِ الأَمْنِ الدَّوْلِيّ، الميليشْياتِ اللّيبِيَّةَ إلى كُتْلَتَيْنِ جُغْرافِيَّتَيْن، غَيْرِ مُتَجانِسَتَيْنِ داخِلِيًّا؛ غَرْبَ ليبْيا (طَرابُلُسَ وَمِصْراتَةَ والزّاوِيَة)، وَأُخْرى في شَرْقِ وَجَنوبِ ليبْيا حَيْثُ تَسْتَطيعُ قُوّاتُ الجَيْشِ الوَطَنيِّ بِقِيادَةِ المُشيرِ خَليفَةَ حَفْتَر، وَهِيَ بُنْيَةٌ أَكْثَرُ مَرْكَزِيَّةً تَسْعى لِلتَّخَلُّصِ مِنْ كَتائِبَ ذاتِ طابِعٍ قَبَلِيٍّ أَوْ سَلَفِيّ.

وَيُقَدَّرُ عَدَدُ الميليشْياتِ المُسَلَّحَةِ على مُسْتَوى البِلادِ بِأَكْمَلِها، بِنَحْوِ 300 مَجْموعَة، وَتُقَدَّرُ ميليشْياتُ العاصِمَةِ طَرابُلُسَ وَحْدَها بِنَحْوِ 50 ميليشْيا وَتَشْكيلًا مُسَلَّحًا أَبْرَزُها "جِهازُ الرَّدْعِ لِمُكافَحَةِ الإِرْهاب" بِقِيادَةِ عَبْدِ الرَّؤوفِ كارَة، الذي يَعْمَلُ كَقُوَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تابِعَةٍ لِلمَجْلِسِ الرِّئاسِيّ، لَكِنَّهُ يواجِهُ مَعْرَكَةً لِلتَّنازُلِ عَنِ السَّيْطَرَةِ على قَاعِدَةِ مَعيتيقَةَ الجَوِّيَّة، والمَطارِ الرَّئيسيّ، وَأَجْزاء اسْتْراتيجِيَّةٍ مِنْ طَرابُلُس.
أَمّا "اللِّواءُ 444 قِتال" بِقِيادَةِ مَحْمود حَمْزَة، وَالذي يُعْتَبَرُ مِنْ أَكْثَرِ القُوى تَنْظيمًا وانْضِباطًا عَسْكَرِيًّا في الغَرْب، فَيَحْظَى مع "111 مُجَحْفَل" بِقِيادَةِ عَبْدِ السَّلام الزّوبِيّ الذي يَلعَبُ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا في تَأْمينِ طَرابُلُس، بِدَعْمٍ سِياسِيٍّ وَأَمْنِيٍّ واسِعٍ مِنْ حُكومَةِ الدُّبَيْبَة.
فقد أَصْبَحَتْ ليبْيا أَحَدَ أَكْبَرِ مَخازِنِ السِّلاحِ في أَفْريقْيا، بِتَرْسانَةٍ تَفوقُ قُدُراتِ أَيِّ جَيْش، فيما وُثِّقَتْ عَديدٌ مِنِ انْتِهاكاتِ حَظْرِ السِّلاحِ مِنْ قِبَلِ الأُمَمِ المُتَّحِدَة مُنْذُ مُنْتَصَفِ العَقْدِ الماضي.
على الرَّغْمِ مِنْ حَظْرِ الأَسْلِحَةِ الأُمَمِيّ، اسْتَمَرَّ تَدَفُّقُ السِّلاحِ حَيْثُ تَمْتَلِكُ الميليشْياتُ دَبّاباتٍ (T-55 وَT-62)، وَعَرَباتٍ مُدَرَّعَةً حَديثَة، وَمِنَصّاتِ صَواريخَ "غْرادْ"، وَأَدْخَلَتِ "الطّائِراتُ المُسَيَّرَة" كَعُنْصُرٍ حاسِمٍ في مُعادَلَةِ القُوَّة، حَيْثُ اعْتَرَضَتِ السُّلُطاتُ الإيطالِيَّةُ العامَ الماضي شُحْنَةَ طائِراتٍ صينِيَّةٍ كانَتْ في طَريقِها إلى الشَّرْق، بَيْنَما يَمْتَلِكُ الغَرْبُ دَعْمًا تِكْنولوجِيًّا مُماثِلًا.
الاقْتِصادُ وَتَمْويلُ الميليشْيات
لَمْ تَعُدِ الميليشْياتُ مُجَرَّدَ مَجْموعاتٍ مُسَلَّحَة، بَل هِيَ "نِظامٌ اقْتِصادِيٌّ مُوازٍ" يَعيشُ على الفَوْضى، وَلِهَذا فَإِنَّ أَيَّ مُحاوَلَةٍ لِبِناءِ "دَوْلَةِ المُؤَسَّسات" هِيَ تَهْديدٌ وُجودِيٌّ لَها.
وَسُرْعانَ ما تَحَوَّلَتِ الميليشْياتُ مِنْ "ثُوّار" إلى "مافْيا اقْتِصادِيَّة" تَسْتَخْدِمُ حُقولَ وَمَوانِئَ النَّفْطِ كَرَهينَةٍ أَوْ وَرَقَةِ ضَغْطٍ سِياسِيّ، بِإِغْلاقِها لِانْتِزاعِ مَكاسِبَ مالِيَّةٍ أَوْ مَناصِبَ سِياسِيَّة.

وَكَشَفَتْ تَقَاريرُ عَنْ خَسائِرَ بِمِلْياراتِ الدّولاراتِ نَتيجَةَ تَهْريبِ النَّفْطِ المَدْعومِ إلى الخارِج، عَبْرَ شَبَكاتٍ تَقودُها قِياداتٌ عَسْكَرِيَّةٌ وَعائِلاتٌ مُتَنَفِّذَة، بَيْنَما حَوَّلَتِ الميليشْياتُ مُدُنَ الزّاوِيَةِ وَصَبْراتَةَ في الغَرْبِ اللّيبيِّ إلى مَراكِزِ احْتِجازِ المُهاجِرينَ واسْتِغْلالِهِمْ في عَمَلِيّاتِ اتِّجارٍ بِالبَشَرِ تُدِرُّ مَلايينَ الدّولارات.
وَيَجْعَلُ تَحَوُّلُ الصِّراعِ مِنْ "مَنْطِقِ الدَّوْلَة" إلى "مَنْطِقِ الغَنيمَة"، بِفَضْلِ شَبَكاتِ الميليشْياتِ المُقَسَّمَة، ليبْيا أَرْضًا خَصْبَةً لِلفَوْضى المُسَلَّحَة، وَتَنافُسِ النُّفوذِ الإِقْلِيمِيّ، وَتَهْديدًا لِأَمْنِ دُوَلِ الجِوارِ.
وَخَلَصَتْ مِصْرُ مُنْذُ 2011 إلى اعْتِبارِ الميليشْياتِ "عائِقًا بُنْيَوِيًّا" أَمامَ قِيامِ الدَّوْلَة، وَرَفْضِ أَيِّ تَرْتيبٍ سِياسِيٍّ يُشْرْعِنُ وُجودَها، لَكِنْ تَعامُلَ بَعْضِ القُوى الدَّوْلِيَّةِ مَعَ قادَةِ هَذِهِ الميليشْياتِ كَأَطْرافِ "أَمْرٍ واقِع"، هو الذي يُطيلُ أَمَدَ الأَزْمَة!.
(خاص "عروبة 22")

