نُثيرُ هُنا كُلًّا مِنَ النَّقْدِ والرَّأْيِ العامّ. فَكَما هُوَ مَعْلوم، المَفْهومُ الأَوَّلُ يُعَبِّرُ عَنْ فَلسَفَةِ الأَنْوار، أَمّا مَفْهومُ الرَّأْيِ العامِّ وَشحْنَتُهُ السَّلبِيَّةُ في الفَضاءِ العُمومِيّ، فارْتَبَطَ بِما أَثارَهُ كُلٌّ مِنْ كارْل شْميت وَرايْنْهارْت كوزيليكْ وَهانو كِسْتينْغ، الذين اسْتَطاعُوا أَنْ يُؤَصِّلوا تَوَجُّهًا مُخْتَلِفًا لِلفِعْلِ الدّيموقْراطِيّ، وَعَلاقَتِهِ بِالرَّأْيِ العام.
يُناقِشُ كوزيليكْ في كِتابِهِ "النَّقْدُ والأَزْمَة" (Kritik und Krise) السِّمَةَ الأَساسِيَّةَ لِلتَّنْويرِ التي أَرْجَعَها إلى تَطْويرِ مَساحَةٍ خاصَّةٍ لِلمُواطِنينَ القادِرينَ على مُمارَسَةِ النَّقْد، وَعَمَلِيَّةِ تَمَدُّدِها إلى الفَضاءِ السِّياسيِّ لِلدَّوْلَة. لَقَدِ امْتَدَّ هَذا التَّمْرينُ النَّقْدِيّ، المُسْتَوْحى مِنْ مُمارَسَةِ التَّفْكير، لاحِقًا لِيُشَكِّلَ قُوَّةً سِياسِيَّةً غَيْرَ مُباشِرَةٍ تَدَّعي السُّلطَةَ والسِّيادَة. وَهَكَذا يَتَوَلّى الرَّأْيُ العامُّ دَوْرًا سِياسِيًّا على اعْتِبارِ أَنَّهُ سِلاحُ النَّقْدِ المُسْتَنير. فَكانَ الرَّأْيُ العامُّ القائِمُ على النَّقْدِ ضَرورَةً تاريخِيَّةً تُتيحُ الحَدَّ مِنَ النَّقْدِ الإيدْيولوجِيّ، في أُفُقِ تَحْييدِ الأَزْمَةِ السِّياسِيَّةِ وَتَجاوُزِها. وَمِنْ هُنا اكْتَسَبَ الرَّأْيُ العامُّ مَكانَةً جَديدَةً تَجاوَزَتْ سَقْفَ الـ"دوكْسا" (Doxa) إلى مَرْتَبَةٍ قانونِيَّةٍ وَسُلطَوِيّة.
الرأي العام صار جزءًا من نظام الحُكم يُعزِّز به شموليّته
نَزْعُمُ أَنَّ مُحاوَلَةً بَسيطَةً لِقِراءَةِ طَبيعَةِ الرَّأْيِ العامِّ العَرَبيِّ وَكَذا عَمَلِيَّةِ تَشْكيلِه، تُمَكِّنُنا مِنْ تَبَيُّنِ أَنَّ الرَّأْيَ العامَّ الذي كانَ يُمَثِّلُ سِلاحًا خاصًّا بِسُلطاتِ المُعارَضَة - أَوْ قُل "سِلاحًا غَيْرَ مُباشِر" - فَإِنَّهُ اليَوْمَ قَدْ غَيَّرَ مَكانَهُ وَغَايَتَه، إِذْ لَمْ يَعُدِ الرَّأْيُ العامُّ يَخْتَصُّ بِالمُعارَضَة، بَل صارَ جُزْءًا مِنْ نِظامِ الحُكْمِ ذاتِهِ الذي يُعَزِّزُ بِهِ شُمولِيَّتَهُ واسْتِمْرارَه. لِهَذا، فَإِنَّ هَذِهِ العُدَّةَ الحَداثِيَّةَ الغَرْبِيَّةَ تَفْقِدُ مَنْطِقَها وَفَعّالِيَّتَها النَّقْدِيَّةَ في المُجْتَمَعِ العَرَبِيّ، خُصوصًا عِنْدَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالرَّأْيِ العامِّ المُهَيْمِنِ على الفَضاءِ العُمومِيّ، حَيْثُ يَتَبَدّى العَجْزُ العَقْلِيُّ عَنْ تَجاوُزِ الوِصايَةِ الجَماعِيَّة، التي قَدْ تَكونُ سُلطَوِيَّةً أَوْ تَيّاراتٍ إيدْيولوجِيَّة، فَيَصيرُ الفَرْدُ حامِلًا وَمُشَكِّلًا لِهَذِهِ الوِصايَةِ وَكَذا مُضَخِّمًا لَها، وَنَنْتَقِلُ مِنَ النَّقْدِ التّاريخيِّ المُشَكِّلِ لِنَظَرِيَّةِ الحَرَكِيَّةِ التّاريخِيَّةِ إلى النَّقْدِ الإيدْيولوجيِّ الضَّيِّق. فَكَيْفَ يُمْكِنُ قِراءَةُ ذَلِك؟.
مِنَ المُتَعارَفِ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّأْيَ العامَّ هُوَ رَأْيٌ خاصٌّ اكْتَسَبَ قُوَّةَ العَلَنِيَّةِ أَوِ الخُروجِ مِنَ الفَضاءِ الخاصِّ إلى العُمومِيّ، فعَمَلِيَّةُ الخُروجِ هَذِهِ تُؤَطَّرُ حَداثِيًّا مِنْ خِلالِ عَمَلِيَّةِ النَّقْدِ بَيْنَ جِهازِ الدَّوْلَةِ والمُواطِنين، حَيْثُ النَّقْدُ العَقْلانِيُّ يُؤَطَّرُ عَبْرَ الهاجِسِ الأَخْلاقِيّ، مِمّا يَجْعَلُنا أَمامَ رَأْيٍ عامٍّ يُمارِسُ رِقابَةً نَقْدِيَّةً تَنْفَلِتُ عَنِ الوِصايَةِ السِّياسِيَّةِ وَتُوَجِّهُها في الآنِ نَفْسِه. هَذا التَّصَوُّرُ نَظَرِيًّا يَحْمِلُ وَجاهَةً إيجابِيَّة، لَكِنَّ واقِعَ الأَمْرِ يُظْهِرُ أَنَّ الرَّأْيَ العامَّ يَعْكِسُ طَبيعَةً عامَّةً مُرَكَّبَةً وَهَجينَة؛ وَمِنْ هُنا خُطورَتُه، لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ يَظَلُّ السَّقْفُ الغائِيُّ لِهَذا الرَّأْيِ العُموميِّ هُوَ المَصْلَحَةُ العامَّة، فَهَذِهِ المَصْلَحَةُ التي تُوافِقُ إِرادَةَ الجَماهير، وَمِنْ هُنا طَبيعَتُهُ الإيدْيولوجِيَّة، فَنَسْقُطُ مِنْ جَديدٍ في بِرْكَةِ التَّصْنيفاتِ الإيدْيولوجِيَّةِ التي تُرْبِكُ المَشْهَدَ العُمومِيَّ وَتُغَيِّبُ في المُقابِلِ النَّقْدَ التّاريخِيّ.
مِمّا سَبَق، يُمْكِنُ اسْتِخْلاصُ الآتي:
ــ يَتَحَوَّلُ النَّقْدُ في الفَضاءِ العُموميِّ العَرَبيِّ إلى أَداةٍ إيدْيولوجِيَّةٍ تَعْمَلُ على خَلقِ اصْطِفافاتٍ مُتَعاكِسَة، وَهُوَ ما يُؤَثِّرُ على تَوَجُّهاتِ الجُمْهورِ الذي يَتَحَوَّلُ بِالغالِبِ إلى جُمْهورٍ سَلبِيّ، وَواضِحٌ أَنَّ سَلبِيَّتَهُ هَذِهِ تُعَزِّزُ قُوَّةَ النَّقْدِ الإيدْيولوجِيِّ وَتُكْسِبُهُ سُلطَةً سِياسِيَّةً لا يُسْتَهانُ بِها.
ــ تَسْتَلزِمُ نَظَرِيَّةُ الحَرَكِيَّةِ التّاريخِيَّةِ العَرَبِيَّة، أَنْ يَكونَ لِمَفْهومِ النَّقْدِ فَعّالِيَّةٌ سِياسِيَّةٌ واقِعِيَّةٌ، وفُقْدَانُهُ لِهَذِهِ الفَعّالِيَّة ــ وَهُوَ ما يَسْري على الوَضْعِ العَرَبيّ ــ أَشْبَهُ بِخَلْقِ أَزْمَةٍ دائِمَةٍ تُخَنْدِقُ التَّجْرِبَةَ التّاريخِيَّةَ وِفْقَ تَوَجُّهاتٍ تِكْرارِيَّةٍ لا تَسْمَحُ بِإِحْداثِ انْفِلاتاتٍ سِياسِيَّةٍ خارِجَها. يَقولُ هانو كِسْتينْغ (Hanno Kestings) "الرَّأْيُ العامُّ لَيْسَ سِوى رَأْيٍ مَنْشورٍ تُشَكِّلُهُ النُّخَبُ المُوَجِّهَةُ لِضَمانِ سُلطَتِها".
ــ لا يُمارِسُ النَّقْدُ الإيدْيولوجِيُّ نَقْدًا إِلّا في إِطارِ المُواجَهاتِ الثُّنائِيَّةِ بَيْنَ الإيدْيولوجِيّاتِ المُتَعاكِسَة، والمَسْموحِ بِها سُلطَوِيًّا، فَكُلُّ تَوَجُّهٍ إيدْيولوجِيٍّ يَسْتَعينُ بِالنَّقْدِ لِتَنْميطِ الوَعْيِ بِما يَتَوافَقُ وَتَوَجُّهاتِهِ وَيَرْفُضُ في المُقَابِلِ مُمارَسَةَ النَّقْدِ الذّاتِيّ، لِأَنَّهُ يوازي هُنا بَيْنَ النَّقْدِ الذّاتيِّ والتَّنْقيصِ مِنْ قيمَةِ تَوَجُّهِهِ الإيدْيولوجِيّ. فَيَخْلُقُ نَوْعًا واحِدًا مِنَ الرَّأْيِ لَدى الجَماهير، التي تَصيرُ هِيَ بِدَوْرِها وَصِيًّا، لَكِنْ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ شُمولِيَّةً وَتَعَصُّبًا، مِمّا يُدْخِلُ الكُلَّ في دينامِيَّةِ القَطيعِ التي تُمارِسُ الوِصايَةَ على الوَعْيِ الجَماعِيّ.
الدولة تُشكّل رأيها العام بما يتناسب والفاعلين السياسيين فيها
ــ يَنْزِعُ النَّقْدُ الإيدْيولوجِيُّ عَنِ الرَّأْيِ العامِّ قُوَّتَهُ السِّياسِيَّة، لِأَنَّ الفَرْدَ في ظِلِّ الانْصِياعِ لِإيدْيولوجْيا الوِصايَةِ لا يَتَعامَلُ مَعَ النَّقْدِ كَأَداةٍ سُلطَوِيَّةٍ لِتَحْريكِ العَمَلِ السِّياسِيّ، ما دامَ أَنَّ حِجابَ اللّافِتَةِ الجَماعِيَّةِ لا يَسْمَحُ بِهَذا الأَمْر، بِقَدْرِ ما يَسْمَحُ بِعَمَليةِ الانْصِياعِ وَراءَه.
ــ لَيْسَتْ إيدْيولوجِيَّةُ النَّقْدِ مُجَرَّدَ صيغَةٍ بَسيطَةٍ لِتَرْجَمَةِ تَجْرِبَةٍ سِياقِيَّةٍ تُساهِمُ في تَشْكيلِ الرَّأْيِ الوَطَنيِّ العَرَبِيّ، بَلْ إِنَّها تَرْتَفِعُ إلى مُسْتَوى تَأْسيسِ التَّجْرِبَةِ السِّياسِيَّةِ العَرَبِيَّةِ نَفْسِها وَرَسْمِ أُفُقِها التّاريخِيّ، فَيَحْمِلُ المُصْطَلَحُ هُنا مُهِمَّةَ سَلْبِ العَمَلِ المُسْتَقْبَليِّ أُفُقَه، وَطَبْعِ السِّياسَةِ العَرَبِيَّةِ بِالهُدْنَةِ الرّاكِنَةِ لِلجِدالاتِ التَّصْنيفِيَّةِ الضَّيِّقَة.
ــ تُشَكِّلُ الدَّوْلَةُ الوَطَنِيَّةُ في السِّياقِ العَرَبيِّ رَأْيَها العامَّ المُسَيْطِرَ على الفَضاءِ العُموميِّ بِما يَتَناسَبُ والفاعِلينَ السِّياسِيّينَ فيها، والطُّموحُ نَحْوَ تَوْسيعِ رُقْعَةِ الوِصايَةِ السِّياسِيَّةِ قَدْ يَتَعَدّى الحُدودَ الوَطَنِيَّةَ وَيَرْسُمُ وُجودًا لَهُ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مِمّا يُعَمِّقُ النَّزَعاتِ الإِقْليمِيَّةَ وَيُؤَجِّلُ التَّحالُفاتِ المُؤَمَّلَة.
(خاص "عروبة 22")

