يشهد الإقليم في الأعوام الثلاثة الماضية حالة كثيفة من التوتّر المتراكم، تتداخل فيها الجبهات وتتقاطع المصالح وتتسع رقعة العنف من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق والسودان، وصولاً إلى البحر الأحمر، والتصعيد المتبادل بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتشكل هذه الوقائع المتزامنة لحظة انفجار إقليمي بالمعنى التاريخي للكلمة، لحظة تكشف عن تحوّل عميق في بنية الإقليم، وفي طريقة اشتغال السياسة داخله، وهذا التحول يعكس انتقال المنطقة إلى طور مكشوف من الصراع المفتوح، حيث تتراجع أدوات الاحتواء، وتتصاعد احتمالات الانزلاق، ويغيب الأفق الذي يسمح بقراءة الأحداث ضمن مسار قابل للضبط أو التنبؤ.
يأخذ هذا الانفجار الإقليمي دلالته الأساسية من كونه كشف طبيعة الاستقرار الذي كان سائداً في المنطقة، حيث تقدّمت على طول الخط قراءة تقوم على أولوية الأمن، كانت هذه القراءة تبني الفعل السياسي داخل كل دولة على حدة، أو في العلاقات بين دول المنطقة، وقد عطّلت هذه القراءة المبنية على أولوية الأمن إمكانية نهوض قراءات سياسية أخرى، كان يمكن لها أن تحتوي بشكل أفضل التناقضات الاجتماعية والسياسية، بدل العمل على تعطيل هذه التناقضات بشكل مؤقت، فقد بدت الدولة في معظم دول الإقليم وكأنها جهاز إدارة أزمات، متهربة بذلك من الاستحقاق الرئيسي، وهو أن تكون الدولة كياناً سياسياً مكتمل السيادة في المقام الأول والأخير.
كما أظهر الانفجار الإقليمي تحوّل الصراع من أنماطه المعهودة إلى بنية أكثر تعقيداً وتشظياً، فالصراعات الجارية تقوم على تداخل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، وعلى تراكب المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وعلى حضور كثيف للهويات التي يجري توظيفها سياسياً وعسكرياً، وقد أنتج هذا الواقع مشهداً متحوّلاً يصعب احتواؤه ضمن مفاهيم الصراع الكلاسيكي، وأضعف قدرة الخطاب السياسي السائد على إنتاج تفسير شامل أو سردية قادرة على تنظيم الفهم العام.
في هذا السياق، لم يكن النظام الدولي أفضل حالاً، فقد شهدنا تحولات كبيرة في هذا النظام جعلته أقرب إلى منظومة قوة انتقائية، تعمل على إدارة الأزمات بدل معالجتها، وتتعامل مع القانون والمعايير الأخلاقية بوصفها أدوات ظرفية تخضع لموازين القوى، بعيداً عن القانون الدولي، وهو ما كشفته المواقف المتباينة من الضحايا، والصمت أمام انتهاكات واسعة، والانخراط في تبرير العنف حين يخدم توازنات محدّدة، وكل ذلك أسهم في تآكل ما تبقّى من صدقية الخطاب الدولي، وفي تعميق الإحساس بأن العالم يُدار بلا مرجعية قيمية جامعة، وبمنطق يسمح باستمرار المأساة ما دامت لا تهدّد مراكز القوى بشكل مباشر.
هذا التحوّل العميق انعكس مباشرة على موقع الفاعل السياسي ذاته داخل الإقليم. فالأحزاب، والحركات، والنخب التي تشكّلت ضمن السرديات القديمة، وجدت نفسها أمام واقع لا يستجيب لأدواتها ولا لخطابها، فقد تراجعت القدرة على التعبئة الشعبية، كما فقدت اللغة قدرتها على الإقناع، وحلّت ردود الأفعال محل المبادرة السياسية، المبنية على توازن المبادئ والمصالح. في المقابل، أخذت المجتمعات تدفع ثمن هذا الفراغ التفسيري والسياسي معاً، فقد عاشت المنطقة زمناً، كانت فيه سرديات واضحة تقدم للجمهور، بغض النظر عن صوابيّتها من عدمها في حينها، لكن ما يحدث منذ سنوات هو غياب السرديات الجامعة، الأمر الذي فتح الباب أمام هيمنة سرديات جزئية تقوم على الخوف والانتماءات الضيّقة، وأصبحت الحياة العامة سلسلة صدمات متلاحقة، فيما يغيب الأفق الذي يسمح بتخيّل مستقبل مختلف، خصوصاً أن وقائع السنوات الماضية في عدد من بلدان الإقليم، ولّدت موجات نزوح وهجرة ولجوء، تعد بالملايين من مواطني هذه الدول، في الوقت الذي تزداد فيه الأوضاع الاقتصادية والمعاشية والخدمية لمن فضلوا البقاء صعوبة وقسوة.
في ضوء هذا المسار، يتبيّن أن الانفجار الإقليمي لم يكتفِ بتفكيك توازنات القوة، بل أنهى فعلياً الثقة بالسرديات الكبرى التي حكمت الفهم السياسي لعقود، وهو ما أدخل المنطقة كاملة في حالة من فراغ المعنى السياسي، إذ يصعب تخيل إعادة بناء مجتمعات ومنظومات متوازنة ومستقرة ومزدهرة من دون إيجاد معنى جديد للسياسة نفسها، وإلا فالبديل هو استمرار دوامة العنف، التي يبدو أنها بالفعل مستمرة.
(الخليج الإماراتية)

