الحوكمة والديموقراطية

الاسْتِبْدادُ دَعْوَةٌ لِلتَّدَخُّلِ الخارِجي!

عَلَّمَتْ خِبْراتُ الشُّعوب، كَما عَلَّمَ التّاريخ، حَقيقَةً باتَتِ اليَوْمَ أَكْثَرَ وُضوحًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضى: الاسْتِبْدادُ لَيْسَ شَأْنًا داخِلِيًّا مَحْضًا، وَلا خَطَأً سِياسِيًّا يُمْكِنُ احْتِواؤُهُ داخِلَ الحُدودِ الوَطَنِيَّة. إِنَّهُ، في جَوْهَرِه، أَقْصَرُ الطُّرُقِ إلى التَّدَخُّلِ الخارِجِيّ، وَدَعْوَةٌ مَفْتوحَةٌ لِلقُوى الأَجْنَبِيَّةِ لِفَرْضِ وصايَتِها.

الاسْتِبْدادُ دَعْوَةٌ لِلتَّدَخُّلِ الخارِجي!

ما يُخَلِّفُهُ الاسْتِبْدادُ في الأَوْطانِ لا يَتَوَقَّفُ أَثَرُهُ عِنْدَ قَمْعِ الدّاخِلِ أَوْ تَعْطيلِ السِّياسَة، بَل يَتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى تَوْفيرِ الذَّريعَةِ الجاهِزَة، وَالتَّسْويغِ المُسْبَق، لِكُلِّ تَدَخُّلٍ يَبْحَثُ عَنْ مُبَرِّرٍ أَخْلاقِيٍّ أَوْ أَمْنِيّ. وَحِينَ تُفَرَّغُ الدَّوْلَةُ مِنْ إِرادَةِ مُجْتَمَعِها، يُصْبِحُ اخْتِراقُها مَسْأَلَةَ وَقْت، لا مُؤامَرَةً اسْتِثْنائِيَّة.

الاستبداد خلل بنيويّ يُصيب المنظومة السياسية والأخلاقية للدولة

حينَ يُقْصى الشَّعْبُ عَنِ المُشارَكَة، وَتُصادَرُ إِرادَتُه، وَتُغْلَقُ مَساراتُ التَّعْبيرِ وَالتَّصْحيح، تَتَحَوَّلُ الدَّوْلَةُ تَدْريجِيًّا إلى جَسَدٍ هَشّ، يَبْدو مُتَماسِكًا مِنَ الخارِج، لَكِنَّهُ فاقِدٌ لِلمَناعَةِ مِنَ الدّاخِل. عِنْدَ هَذِهِ اللَّحْظَة، لا تَعودُ الدَّوْلَةُ طَرَفًا فاعِلًا في مُعادَلاتِ القُوَّة، بَل ساحَةً مُحْتَمَلَةً لِلتَّدَخُّل، مَهْما رَفَعَتْ مِنْ شِعاراتِ السِّيادَةِ وَالاسْتِقْلال. هُنا، يُصْبِحُ الاسْتِبْدادُ دَعْوَةً صامِتَةً لِلتَّدَخُّلِ الخارِجِيّ، حَتّى وَإِنْ لَمْ يُعْلنْ ذَلِكَ بِلِسانِ الحال.

الاسْتِبْداد، في جَوْهَرِه، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَسَلُّطِ فَرْدٍ أَوْ هَيْمَنَةِ نُخْبَة، بَلْ خَلَلٌ بُنْيَوِيٌّ يُصيبُ المَنْظومَةَ السِّياسِيَّةَ وَالأَخْلاقِيَّةَ لِلدَّوْلَةِ مَعًا. إِنَّهُ تَعْطيلٌ مُتَعَمَّدٌ لِلعَقْدِ الاجْتِماعِيّ، وَتَجْفيفٌ لِلسِّياسَةِ بِوَصْفِها مَجالًا عامًّا، وَتَحْويلُ الدَّوْلَةِ مِنْ إِطارٍ جامِعٍ لِلمَصالِحِ المُتَعارِضَةِ إلى جِهازٍ فَوْقَ المُجْتَمَع، لا يَراهُ شَريكًا، بَلْ مَوْضوعًا لِلإِدارَةِ وَالضَّبْط.

مَعَ إِغْلاقِ قَنَواتِ التَّعْبير، لا يُقْمَعُ الصَّوْتُ المُعارِضُ فَحْسْب، بَل يَتَآكُلُ الوَعْيُ الجَمْعِيُّ نَفْسُه. تَضْمُرُ القُدْرَةُ على النِّقاش، وَيَحُلُّ الخَوْفُ مَحَلَّ الحِوار، وَالطّاعَةُ مَحَلَّ المُشارَكَة، وَتَتَحَوَّلُ السِّياسَةُ مِنْ فِعْلٍ جَماعِيٍّ إلى شَأْنٍ أَمْنِيٍّ مَحْض. وَمَعَ الزَّمَن، تُخْتَزَلُ الدَّوْلَةُ في شَخْصِ الحاكِم، أَوْ في دائِرَةٍ ضَيِّقَةٍ تَحْكُمُ بِاسْمِه. تَفْقِدُ المُؤَسَّساتُ مَعْناها وَوَظيفَتَها، فَيَتَحَوَّلُ البَرْلَمانُ إلى صَدًى، وَالقَضاءُ إلى أَداة، وَالإِدارَةُ إلى جِهازِ تَنْفيذٍ بِلا روح.

تَبْدو الدَّوْلَة، في هَذِهِ الحالَة، قَوِيَّةً بِقَبْضَتِها، لَكِنَّها في الحَقيقَةِ ضَعِيفَةً بِشَرْعِيَّتِها. صَلْبَةً في القَمْع، لَكِنَّها رَخْوَةً في مُواجَهَةِ الضُّغوطِ الخارِجِيَّة. وَحينَ تُفَرَّغُ المُؤَسَّساتُ مِنْ مَضْمونِها، وَتُفْصَلُ الدَّوْلَةُ عَنْ مُجْتَمَعِها، يَنْشَأُ فَراغٌ سِياسِيٌّ عَميق. هَذا الفَراغُ لا يَظَلُّ فَراغًا طَويلًا. الخارِجُ، تاريخِيًّا، لا يَخْلُقُه، لَكِنَّهُ يَعْرِفُ جَيّدًا كَيْفَ يَدْخُلُ إِلَيْه. وَلَيْسَ في ذَلِكَ مُبالَغَةً نَظَرِيَّة. فَالتّاريخ، حينَ يُقْرَأُ بِلا انْتِقائِيَّة، يُقَدِّمُ شَواهِدَ مُتَكَرِّرَةً على هَذِهِ العَلاقَة. التَّجْرِبَةُ العَرَبِيَّةُ تَكْشِفُ أَنَّ التَّدَخُّلَ الخارِجِيَّ لَمْ يَكُنْ لَحْظَةً مُفاجِئَة، وَلا قَطيعَةً غَيْرَ مَفْهومَة، بَل تَتْويجًا لِمَسارٍ طَويلٍ مِنَ التَّآكُلِ الداخِلِيّ.

حينَ دَخَلَ العالَمُ العَرَبِيُّ القَرْنَ العِشْرين، تَكَرَّرَتِ الصّورَةُ بِأَشْكالٍ مُخْتَلِفَة. أَنْظِمَةٌ نَشَأَتْ في سِياقِ الاسْتِقْلال، لَكِنَّها سُرْعانَ ما أَغْلَقَتِ المَجالَ العام، وَصادَرَتِ السِّياسَةَ بِاسْمِ الأَمْنِ أَوِ الاسْتِقْرارِ أَوِ الضَّروراتِ الوَطَنِيَّة.

يفرض المستبد سلطته باسم الخوف من الفوضى كما يفرض الخارج هيمنته باسم إنقاذ الدولة والجوهر واحد

وَمَعَ غِيابِ الشَّرْعِيَّةِ الشَّعْبِيَّة، وَجَدَتْ هَذِهِ الأَنْظِمَةُ نَفْسَها مُعْتَمِدَة، بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُباشِرَة، على الخارِجِ لِضَمانِ بَقائِها. وَهَكَذا لَمْ يَعُدِ التَّدَخُّلُ الخارِجِيُّ اسْتِثْناءً، بَل أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ مُعادَلَةِ الحُكْمِ نَفْسِها، وَنَتيجَةً طَبيعِيَّةً لِغِيابِ التَّوازُنِ الداخِلِيّ.

في هَذا السِّياق، لا يَعودُ الاسْتِبْدادُ وَالتَّدَخُّلُ الخارِجِيُّ نَقيضَيْن، كَما تُصَوِّرُهُما الخِطاباتُ السَّطْحِيَّة، بَل يَتَحَوَّلانِ إلى طَرَفَيْنِ في عَلاقَةٍ غَيْرِ مُعْلَنَة. كِلاهُما يَقومُ، في الأَساس، على نَفْيِ الإِرادَةِ الشَّعْبِيَّة.

يَفْرِضُ المُسْتَبِدُّ سُلطَتَهُ بِاسْمِ الخَوْفِ مِنَ الفَوْضى، كَما يَفْرِضُ الخارِجُ هَيْمَنَتَهُ بِاسْمِ إِنْقاذِ الدَّوْلَةِ مِنْ نَفْسِها. يَخْتَلِفُ الخِطاب، لَكِنَّ الجَوْهَرَ واحِد: مُصادَرَةُ الحُرِّيَّة، وَتَجْريدُ المُجْتَمَعِ مِنْ قُدْرَتِهِ على الفِعْلِ المُسْتَقِلّ.

نادِرًا ما يُعْلِنُ أَيٌّ مِنْهُما حَقيقَتَهُ عارِيَة. فَكِلاهُما يُدْرِكُ أَنَّ القَهْر، حينَ يَفْقِدُ لُغَتَه، يَفْقِدُ شَرْعِيَّتَه. مِنْ هُنا تولَدُ مُفْرَداتُ "الأَمْنِ وَالاسْتِقْرار" بِوَصْفِها اللُّغَةَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْن، وَالغِطاءَ الأَكْثَرَ فاعِلِيَّةً لِنَفْيِ الإِرادَةِ الشَّعْبِيَّة.

في الدّاخِل، تُقَدَّمُ هَذِهِ اللُّغَةُ بِاعْتِبارِها بَديلًا عَنِ السِّياسَة، فَتُخْتَزَلُ الدَّوْلَةُ في مُعادَلَةٍ زائِفَة: إِمّا النِّظامُ القائِمُ أَوِ الفَوْضى. وَفي الخارِج، تُسْتَعْمَلُ المُفْرَداتُ نَفْسُها لِتَسْويغِ التَّدَخُّل، لا بِوَصْفِهِ هَيْمَنَة، بَل ضَرورَةً أَمْنِيَّة.

أبوابنا كانت تُفتح من الداخل قبل أن تُكسر من الخارج

يَلتَقي الخِطابانِ عِنْدَ نَتيجَةٍ واحِدَة: تَأْجيلُ الحُرِّيَّةِ إلى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمّى، وَفَرْضُ الوَصَايَةِ بِاعْتِبارِها خِيارًا عَقْلانِيًّا. وَبِهَذا المَعْنى، لا يَكونُ خِطابُ الأَمْنِ وَالاسْتِقْرارِ أَداةَ تَبْريرٍ فَحَسْب، بَل أَخْطَرُ أَشْكالِ القَمْع، لِأَنَّهُ يَمْنَحُ الاسْتِبْدادَ شَرْعِيَّةَ الدّاخِل، وَيَمْنَحُ الخارِجَ ذَريعَةً لِلتَّدَخُّل.

وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ مُقاوَمَةَ التَّدَخُّلِ الخارِجيِّ لا يُمْكِنُ أَنْ تُخْتَزَلَ في رَفْضِ القُوى الأَجْنَبِيَّةِ أَوْ رَفْعِ الشِّعاراتِ السِّيادِيَّة. فَالسِّيادَةُ التي لا تَسْتَنِدُ إلى مُجْتَمَعٍ حُرّ، وَإلى عَقْدٍ سِياسِيٍّ حَيّ، تَظَلُّ سِيادَةً مَنْقوصَة، قابِلَةً لِلاهْتِزازِ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبار.

إِنَّ بِناءَ دَوْلَةٍ قَائِمَةٍ على المُشارَكَة، وَالعَدالَة، وَتَداوُلِ السُّلطَة، لَيْسَ تَرَفًا أَخْلاقِيًّا وَلا وَصْفَةً مِثالِيَّة، بَل هُوَ شَرْطٌ واقِعِيٌّ لِحِمايَةِ الاسْتِقْلال. فَالحُرِّيَّة، في هَذَا المَعْنى، لَيْسَتْ قيمَةً تَجْميلِيَّة، بَل خَطُّ الدِّفاعِ الأَوَّلِ عَنِ الوَطَن.

وَلَيْسَتِ المُشْكِلَة، في جَوْهَرِها، أَنَّ القُوى الأَجْنَبِيَّةَ تَتَرَبَّصُ بِنا. فَذَلِكَ شَأْنُ القُوى الكُبْرى مُنْذُ وُجِدَ ميزانُ القُوَّةِ في العالَم. المُشْكِلَةُ الأَعْمَقُ أَنَّ أَبْوابَنا، في لَحَظاتٍ كَثيرَةٍ مِنْ تارِيخِنا الحَديث، كانَتْ تُفْتَحُ مِنَ الدّاخِلِ قَبْلَ أَنْ تُكْسَرَ مِنَ الخارِج.

الدَّوْلَةُ التي تُدارُ بِالخَوْف، لا تَسْتَطيعُ أَنْ تُطالِبَ العالَمَ بِاحْتِرامِها. وَالنِّظامُ الذي يُعادي شَعْبَه، لا يَمْلِكُ أَنْ يُقْنِعَ الآخَرينَ بِسِيادَتِه.

وَحينَ يُخْتَزَلُ الوَطَنُ في السُّلطَة، وَتُخْتَزَلُ الدَّوْلَةُ في الحاكِم، يُصْبِحُ الدِّفاعُ عَنِ "الاسْتِقْرار" دِفاعًا عَنْ هَشاشَةٍ مُقَنَّعَة، لا عَنْ قُوَّةٍ حَقيقِيَّة.

الاستبداد يهزم الوطن لأنّه يترك خلفه كيانًا معزولًا يبحث عن الحماية في الخارج

عِنْدَها لا يَكونُ التَّدَخُّلُ الخارِجِيُّ عُدْوانًا صِرْفًا، بَل نَتيجَةً مَنْطِقِيَّةً لِمَسارٍ طَويلٍ مِنْ إِقْصاءِ السِّياسَةِ وَتَجْفيفِ الإِرادَةِ العامَّة. فَالسِّيادَةُ لا تُحْمى بِالخِطابات، بَل تُبْنى يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ على الرِّضا وَالمُشارَكَةِ وَالثِّقَةِ المُتَبادَلَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَمُجْتَمَعِها.

وَلِهَذا، فَإِنَّ السُّؤالَ الحَقيقِيَّ الذي يَنْبَغي أَنْ يُطْرَح، لا يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَةِ الخارِجِ على التَّدَخُّل، بَل بِقُدْرَتِنا نَحْنُ على مَنْعِه.

وَهَلْ يُمْكِنُ لِأُمَّةٍ تُصادِرُ حَقَّ مُوَاطِنيها في الاخْتِيار، أَنْ تُطالِبَ العالَمَ بِالِاعْتِرافِ بِحَقِّها في الاسْتِقْلالِ الكامِل؟ وَهَل يُمْكِنُ لِدَوْلَةٍ تَخْشى شَعْبَها، أَنْ تَقِفَ نِدًّا لِقُوى لا تَرى في هَذا الشَّعْبِ إِلّا ساحَةَ مَصالِح؟.

الاسْتِبْداد، في نِهايَةِ المَطاف، لا يَهْزِمُ الحُرِّيَّةَ فَقَط، بَل يَهْزِمُ الوَطَنَ ذَاتَه. لِأَنَّهُ لا يَتْرُكُ خَلفَهُ دَوْلَةً قَوِيَّةً تُقاوِم، بَل كِيانًا مَعْزولًا يَبْحَثُ عَنِ الحِمايَةِ في الخارِج، ثُمَّ يَكْتَشِفُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ الحِمايَةَ كانَتْ ثَمَنًا، وَأَنَّ الثَّمَنَ كانَتِ السِّيادَةُ نَفْسُها!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن