منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والمنطقة لم تشهد يومًا من السلام، الذي كان يُبشرّنا به. فحديثه المتكرّر عن إنهاء الحروب لم يتبلور على أرض الواقع والدليل الأكبر على ذلك الخروقات اليومية لاتفاق وقف النار في غزة وتعثر خطته وعدم التزام "حليفته" إسرائيل بما تم التوافق عليه، فيما العالم يحبس أنفاسه بإنتظار ما ستؤول اليه الأمور المتعلقة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، الذي يعيش سكانها هول ما أصابهم خلال أسبوعين من "الانتفاضة الشعبية" التي عملت السلطات "على وأدها" والتعتيم التام عن حصيلة الضحايا والمصابين كما المعتقلين. فطهران التي تتوجس من السياسات الأميركية وتنسيقها المباشر مع اسرائيل تنظر بعين الريبة للشروط الموضوعة على الطاولة والتي ترفض التحدث بشأنها رابطة أي مفاوضات بالملف النووي حصرًا.
وهذا "التعنت" كاد أن يشعل الأمور ويوقف المفاوضات لولا الجهود المكوكية التي بذلتها عدة دول عربية وإسلامية بهدف الحدّ من التوتر ومنع تفلت الأمور من عقالها. ففي السياق، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين إشارتهم إلى أن خطط عقد المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، غدًا الجمعة، عادت إلى مسارها بعد أن كانت مهدّدة بالانهيار، وذلك عقب ضغوط مارستها قيادات عربية وإسلامية على الرئيس ترامب لإبقاء الاجتماع قائمًا وعدم إلغائه، وإتاحة الفرصة للاستماع إلى ما سيطرحه الجانب الإيراني. وبحسب الموقع عينه، فإن 9 دول في المنطقة بعثت برسائل إلى الإدارة الأميركية تحثها على عدم إلغاء المباحثات سعيًا للحفاظ على المسار الدبلوماسي، من دون تقديم المزيد من التفاصيل. وتأتي هذه التطورات بعد لحظات من تهديد ترامب لطهران بفرض الخيارات العسكرية، إذ هاجم المرشد الإيراني علي خامنئي، قائلًا "أنه يجب أن يكون قلقًا للغاية". وأضاف "سمعت أن إيران تحاول إعادة برنامجها النووي، وسنرسل المقاتلات مرة أخرى إذا قامت بذلك".
وفي حال استمرار الأوضاع على هذا المنوال دون "تعكير" صفوها، فإنه من المتوقع أن يسافر المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر إلى قطر اليوم لإجراء محادثات بشأن إيران مع رئيس وزرائها، قبل التوجه إلى سلطنة عُمان للقاء الإيرانيين. وتمنح واشنطن "الفرصة الأخيرة" لطهران التي تريد اغتنامها خوفًا على الداخل المشتعل، والذي يمكن وصفه بـ"النار التي لا تزال تحت الرماد" بعد العديد من التسريبات عن العنف والقمع الذي مارسته السلطات تجاه المحتجين والمتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع تنديدًا بأوضاعهم المعيشية المتردية. ولكن "الهمّ الاقتصادي" ما لبث أن تم توظيفه وبالتالي أُتهم هؤلاء بالعمالة والتخوين وتنفيذ أجندات خارجية. ويرفض نظام خامنئي الاعتراف بتدهور الاقتصاد نتيجة عدة عوامل منها عودة العقوبات والحصار المشدّد على طهران ناهيك عن تحكم "فئة" بمقاليد الحكم. ولكن رغم هذا المشهد "الضبابي"، فإن طهران تمدّ يدها للمباحثات وتسعى اليها وقد بذل وزير الخارجية عباس عراقجي جهودًا مضنية من خلال اللقاءات والاتصالات التي أجراها مع قادة الدول وأبرزها في انقرة والرياض كما الدوحة. وحاليًَا لا تريد إلا اسرائيل أن تنهار المحادثات حيث ينظر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالكثير من القلق لما يجري.
تزامنًا، أفادت "هيئة البث الإسرائيلية" بأن نتنياهو سيعقد اليوم اجتماعًا أمنيًا لبحث التطورات المتعلقة بإيران، وأنه سيجري مشاورات مع كبار قادة الأجهزة الأمنية، في إطار متابعة المستجدات الإقليمية. وكان الأخير لعب دورًا "خفيًا" من أجل منع عقد المفاوضات في تركيا، في ظل الدور الذي تلعبه في سوريا، وغزة وبين روسيا وأوكرانيا، وبالتالي رفض إعطائها "دورًا" جديدًا، فيما أيضًا سعت طهران، رغم التقارب مع أنقرة، إلى الاحتفاظ بحليفها التقليدي سلطنة عُمان، والتي لطالما شكلت قناة للتقارب بين الطرفين. ومن هنا ستبقى العيون شاخصة للعاصمة مسقط التي ستستضيف هذه المباحثات بعد "النكسة" التي أصابت الجولة الماضية بسبب حرب الـ12 يومًا، في ظل مخاوف حقيقية من فشلها ودخول المنطقة برمتها في توترات هي بأمس الحاجة لتفاديها. في موازاة ذلك، نقلت وكالة "مهر" الحكومية عن مصدر مطلع أن إيران مستعدة للتفاوض بشأن الملف النووي ضمن إطار محدد يقوم على الاحترام المتبادل، محمّلاً الولايات المتحدة مسؤولية أي أنهيار محتمل للمحادثات بسبب إصرارها على طرح مطالب وملفات خارج نطاق الاتفاق. في وقت لفت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن الولايات المتحدة "مستعدة لعقد لقاء مع إيران"، لكنه شدّد على أن أي محادثات يجب أن تتناول برنامجيها الصاروخي والنووي.
بدوره، هدّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بفرض عقوبات جديدة على إيران، ما لم توقف "ممارسة العنف ضد شعبها"، مشيرًا إلى ان بلاده مستعدة لإجراء محادثات تهدف إلى إنهاء سريع للبرنامج النووي وبرنامج التسلح الإيرانيين. ويتزامن هذا التصريح مع بدء جولته الخليجية التي ستشمل السعودية وقطر كما الإمارات بعدما أعلن رغبته في تعميق الشراكة الإستراتيجية مع هذه الدول، وذلك "نظرًا لما تحظى به من أهمية اقتصادية وسياسية". هذه المستجدات على حماوتها لا يمكن أن تحرّف الانظار عما يدور في قطاع غزة من تصعيد متعمد وتعكير صفو الهدنة الهشة كما استخدام معبر رفح كورقة ضغط جديدة. فأمس، شهد القطاع المنكوب سلسلة من الغارات اسفرت عن استشهاد 23 فلسطينيًا بينهم 6 أطفال، بينما عرقل الاحتلال خروج الدفعة الثالثة من المرضى ومرافقيهم من معبر رفح رغم مرور ثلاثة ايام على إعادة فتحه بالإتجاهين. وتتحكم تل أبيب بكل مفاصل الحياة في غزة وتحرم السكان من حقوقهم الطبيعية ما دفع المدير التنفيذي لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" فيليب بولوبيون إلى القول إن الحكومة الإسرائيلية لا تريد شهودًا على الفظائع التي ترتكبها، محذرًا أيضًا من قيامها بأعمال "فصل عنصري في الضفة الغربية مع انتشار المستوطنات وتوسعها".
ورغم الاجواء الايجابية التي رافقت الاعلان عن خطة ترامب - التي أنهت عامين من الإبادة الجماعية في غزة- إلا ان كل المؤشرات تؤكد وجود الكثير من العراقيل والعثرات. وبهذا الصدد، أشارت مصادر لوكالة "رويترز" إلى أن الولايات المتحدة لم تتمكن حتى الآن من تأمين التزامات مالية لخطة إعادة إعمار قطاع غزة، في ظل تردد المانحين المحتملين بسبب الخلافات حول نزع سلاح حركة "حماس"، ومخاوف من أن يؤدي فشل هذا الملف إلى استئناف حرب واسعة النطاق مع إسرائيل. هذا ولا يزال أصداء "مجلس السلام" يتردّد خاصة أن العديد من الدول المانحة تفضل حصر تلك الأموال بالأمم المتحدة التي ترفض أن يكون هذا المجلس بديلًا او رديفًا لها. وهذه الخلافات تصب في صالح تل أبيب التي تسعى لمواصلة الحرب في غزة وتغيير الوجه الديمغرافي في الضفة الغربية التي لا تلق الاهتمام الدولي المطلوب. في حين أنها، أي حكومة الاحتلال، تواصل تدميرها للمناطق الجنوبية اللبنانية وتسعى لفرض التهجير وذلك بعد تأكيدات برّشها مواد سامة مبيدة للأعشاب تُدعى "غليفوسات"، وذلك بهدف إلحاق أضرار فادحة بالإنتاج الزراعي وخصوبة التربة. وقالت وزارتا الزراعة والبيئة إنهما سترفعان تقريرًا لمجلس الوزراء بهدف "المتابعة والمحاسبة"، بينما أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية أنها تعتزم تقديم شكوى لمجلس الأمن الدولي.
أما سوريا فتحظى برعاية اميركية تثير انزعاج حكومة نتنياهو وخاصة بسبب الدور الذي يقوم به المبعوث الأميركي توم برّاك الذي نوه بالإدارة الجديدة، موضحًا أن بلاده ترى في القيادة السورية الحالية عاملًا حاسمًا في فتح صفحة جديدة من التعافي والاستقرار، كما شدّد على أن الاستثمار في قطاع الطاقة يشكل مدخلًا رئيسيًا لإعادة بناء الاقتصاد وخلق فرص عمل. وجاءت تلك التصريحات خلال مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين دمشق وشركتي "شيفرون" الأميركية و"باور إنترناشونال القابضة" القطرية، لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة وُصفت بأنها تحوّل نوعي في مسار قطاع الطاقة. في الأثناء، أكد مصدر خاص لـ"تلفزيون سوريا" أن القوات الأميركية في قاعدة الشدادي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا تستعد للانسحاب الكامل خلال الـ24 ساعة المقبلة. وهذا التطور لا يمكن أن يكون منفصلًا عن الاتفاق بين الحكومة و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والذي دخل حيّز التنفيذ يوم الاثنين الماضي وبموجبه دخلت القوات الرسمية إلى الحسكة والقامشلي وكوباني (عين عرب). وكانت سوريا أمس على موعد مع استقبال وفد عسكري روسي رفيع المستوى، في زيارة تمتد عدة أيام، بهدف تطوير التعاون العسكري وتعزيزه بما يخدم المصالح المشتركة بين البلدين، في إنعكاس إلى مدى التقارب بين دمشق وموسكو بعد طي صفحة الماضي.
والمستجدات السورية التي تعيد قلب التوزانات تترافق مع الوضع العراقي الذي يمكن وصفه بـ"الحساس" مع تراجع حظوظ رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في الحصول على ولاية ثالثة لرئاسة الحكومة بعد التهديدات الاميركية وتزايد الانقسامات داخل "الإطار التنسيقي". إلى ذلك، أفادت المعلومات أن زيارة وفد "الإطار"، برئاسة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، إلى أربيل والسليمانية أخفقت في تليين الموقف الكردي حيال ملف رئاسة الجمهورية، ما أسهم في بلورة موقف أعطى الكرد مهلة يومين إضافيين لتحديد موقفهم قبل التهديد باللجوء إلى خيار "الأغلبية البرلمانية"، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة أحد الحزبين الكرديين هذا المنصب. في إطار آخر، أعلنت القوات المسلحة الألمانية، أمس، أنها ستقلص عدد الجنود المنتشرين في شمال العراق "لأسباب أمنية"، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. أما في الشؤون الأخرى، فلا تزال قضية اغتيال سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي تطفو على السطح، خاصة ان الأخير كان يحاول العودة إلى الحياة السياسية ولطالما كان اسمه محل اهتمام وتداول. وأعلنت النيابة العامة في ليبيا فتح تحقيق في حادثة الاغتيال الغامضة لتحديد هوية القاتلين، في حين حثّ رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي كافة الأطراف على ضبط النفس.
عربيًا أيضًا، حط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في العاصمة المصرية القاهرة، قادمًا من الرياض، حيث يسعى لتعزيز أواصر التعاون ورفع مستوى التنسيق. وشملت المباحثات بين الطرفين الأوضاع العربية ومن بينها أهمية الحفاظ على اتفاق وقف النار في غزة كما تم التطرق للأزمة السودانية والدعوة إلى هدنة تفضي إلى اتفاق سلام شامل. وتنشط تركيا على أكثر من خط وهي تلعب دورًا محوريًا متزايدًا في منطقة الشرق الأوسط. ويترافق ذلك مع مساعيها للتوسط في الحرب الأوكرانية إلى جانب أبوظبي، التي جمعت طرفي الخلاف في جولة جديدة من المحادثات بين موسكو وكييف بوساطة أميركية في مسعى لدفع الجهود الرامية لإنهاء أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وقد اتفق سفراء الاتحاد الأوروبي على تفاصيل قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا من أجل مساعدتها على مواجهة تداعيات الحرب. في حين أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن نحو 55 ألف جندي أوكراني قتلوا منذ اندلاع الحرب عام 2022.
وفي الشق الدولي، أعلنت روسيا أنها لم تعد ملزمة بمعاهدة "نيو ستارت" للحدّ من التسلح النووي مع الولايات المتحدة، مع انتهاء صلاحية الاتفاق اليوم، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضبابية في المجال النووي العالمي وسط مخاوف من سباق تسلح مُحتمل.
هذه الأوضاع على أهميتها وسخونتها كانت مدار اهتمام الصحف العربية الصادرة اليوم، وهنا موجز بأبرز ما تداولته:
شدّدت صحيفة "الوطن" القطرية على أن "ممارسات الاحتلال الإرهابية بحق العائدين إلى قطاع غزة إرهاب منظم وانتهاك فاضح للحقوق، ولا يمكن الصمت عن الإذلال المهين الذي يتعمد جيش الاحتلال ممارسته بحق السكان العائدين إلى وطنهم ويجب احترام القانون الدولي والسماح بتنقل الإفراد بكل حرية"، مؤكدة أن "هذه السياسات الممنهجة التي تمارسها حكومة الاحتلال المتطرفة باتت تعيق أي تقدم بشان عملية السلام وتكرس السيطرة الأمنية على قطاع غزة والتي تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف، وتهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإضعاف مقاومته المشروعة ضد الاحتلال".
صحيفة "الرياض" السعودية عكست موقف الرياض من خلال تأكيدها ان الموقف الرسمي "ينطلق من حقيقة راسخة مفادها أن استخدام القوة لا ينتج حلولًا مستدامة، بل يفاقم الأزمات ويفتح أبوابًا جديدة لعدم الاستقرار، ويعرّض المدنيين والبنية التحتية لمخاطر جسيمة، ويهدد أمن المنطقة ومصالح شعوبها واقتصاداتها". وأضافت "أن النهج القائم على التوازن والحكمة وتغليب منطق التهدئة وبناء الجسور بدلًا من توسيع دوائر الصراع، يعكس قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة شرط أساسي للتنمية والازدهار، وأن السلام المستدام لا يُصنع بالقوة، بل بإرادة سياسية صادقة وحوار يفتح آفاقًا جديدة للتعايش والأمن المشترك".
من جهتها، قاربت صحيفة "الأهرام" المصرية الملف الايراني من خلال إشارتها إلى أن "الفصل بين الاستعراض العسكري والقرار السياسي صعب بين واشنطن وطهران. بين حشود بحرية أمريكية، مع رسائل تهديد متبادلة. وبين مسار عسكري تصعيدي، محفوف بمخاطر الانزلاق". وقالت "الخطورة هنا لا تكمن في نية الطرفين فقط. بل في ديناميكية الفعل ورد الفعل. ضربة محدودة، قد تؤدي إلى رد محدود. لكنه قد يتوسع سريعا، بفعل سوء التقدير، أو ضغط الحلفاء، وخصوصا إسرائيل، يغير قواعد اللعبة قبل استحقاقاتها السياسية الداخلية..فهل تريد واشنطن، اتفاقًا أم استثمار الضغط العسكري، لتحقيق مكاسب سياسية داخلية؟"، وفق تساؤلاتها.
الموضوع عينه تطرقت له صحيفة "الغد" الأردنية التي رأت أن إحدى السيناريوهات المطروحة هي أن "الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الضربات إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية النوعية، ولا سيما تلك المرتبطة بالبرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، إضافة إلى توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي تهديد مباشر للمصالح الأميركية أو لحلفائها سيُواجَه برد قوي ولكن محسوب". وإذ عددت سيناريوهات أخرى خلصت إلى أن "الانتقال من الضربات المحدودة إلى الحرب الإقليمية أو المواجهة الشاملة يحمل مخاطر متزايدة قد تتجاوز حدود الطرفين لتطال أمن واستقرار المنطقة بأكملها".
(رصد "عروبة 22")

