فلسطين... القضية والبوصلة

ابْنُ الجِنِرال".. مُذَكِّراتُ يَهودِيٍّ إِسْرائيلِيٍّ مِنَ الدّاخِل!

تَكْمُنُ قيمَةُ مُذَكِّراتِ "اِبْنِ الجِنِرال": رِحْلَةُ إِسْرائيلِيٍّ في فِلَسْطين (The General’s Son: Journey of an Israeli in Palestine – 2012) لِلكولونيل "ميكو بيليد" (Miko Peled) في مَوْقِعِ صاحِبِها؛ فَبيليد هو ابْنُ الجِنِرالِ الإِسْرائيليِّ "ماتيتْياهو بيليد" الذي شارَكَ في صِناعَةِ الرِّوايَةِ العَسْكَرِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ وَفي تَثْبيتِ سَرْدِيَّةِ "الأَمْنِ" وَ"الضَّرورَةِ الوُجودِيَّة". وَهُوَ أَحَدُ مُؤَسِّسي الجَيْشِ النِّظاميِّ لِدَوْلَةِ إِسْرائيل عامَ 1948، وَأَحَدُ أَبْطالِ حَرْبِ 1967. هُنا، لا نَتَلَقّى خِطابًا عَنْ إِسْرائيلَ مِنْ خَصْمِها التَّقْليدِيّ، إِنَّما مِنَ الابْنِ الذي كَبُرَ داخِلَ البَيْتِ ثُمَّ غادَرَهُ أَخْلاقِيًّا.

ابْنُ الجِنِرال

تَنْطَلِقُ المُذَكِّراتُ مِنْ قَلْبِ حَياةٍ عائِلِيَّةٍ مُشْبَعَةٍ بِالرُّموزِ المُؤَسِّسَةِ لِلدَّوْلَةِ الصُّهْيونِيَّة: الجَيْش، الحَرْب، أَرْضِ الميعاد، وَقَدْ عامَلَ بيليد هَذِهِ الرُّموزَ كَحَقائِقَ عاشَها وَتَشَرَّبَها مُنْذُ طُفولَتِه. غَيْرَ أَنَّ هَذا البِناءَ الصَّلْبَ بَدَأَ يَتَشَقَّقُ مُبَكِّرًا، في لَحْظَةٍ عائِلِيَّةٍ كاشِفَةٍ حينَ رَفَضَتْ والِدَتُهُ الإِقامَةَ في مَنْزِلٍ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الدَّوْلَةُ مِنْ عائِلَةٍ فِلَسْطينِيَّة. في تِلكَ اللَّحْظَة، بَدا التَّناقُضُ الأَخْلاقِيُّ عارِيًا: دَوْلَةٌ تُطالِبُ أَبْناءَها بِالإيمانِ بِالعَدالَة، لَكِنَّها تَبْني حَياتَهُمُ اليَوْمِيَّةَ على ظُلْمٍ صامِت، وَمِنْ هُنا بَدَأَ الوَعْيُ الصُّهْيونِيُّ المَوْروثُ لَدى بيليد يَفْقِدُ تَماسُكَه.

أدرك أنّ الجريمة الحقيقية كامنة في البنية السياسية التي تخلق المأساة كلّ يوم أي في الاحتلال

هَكَذا بَدَأَ التَّحَوُّلُ في حَياةِ بيليد بِاحْتِكاكاتٍ صَغيرَة: لِقاءات، تَفاصيلَ يَوْمِيَّة، تَناقُضاتٍ بَيْنَ ما قيلَ لَهُ وَما رَآه، وَبَيْنَ صورَةِ "الجَيْشِ الأَخْلاقيّ" وَمُمارَساتِ الاحْتِلالِ على الأَرْض. فَبَعْدَ حَرْبِ 1967، حينَ شارَكَ والِدُهُ في إِدارَةِ الأَراضي المُحْتَلَّة، بَدَأَ بيليد يَكْتَشِفُ الخَديعَةَ الأَخْلاقِيَّةَ التي وَقَعَتْ فيها إِسْرائيل. لَقَدْ فَهِمَ أَنَّ "الاحْتِلالَ الدّائِمَ" هو لَعْنَةٌ سَتَقودُ إلى تَآكُلِ روحِ الدَّوْلَةِ مِنَ الدّاخِل.

وَتَعَمَّقَتِ القَطيعَةُ لَدَيْهِ مَعَ التَّجْرِبَةِ العَسْكَرِيَّةِ المُباشِرَةِ عِنْدَما شاهَدَ رِفاقَهُ مِنَ الجُنودِ الإِسْرائيلِيِّينَ يُهْلِكونَ حَرْثَ فَلّاحٍ فِلَسْطينِيٍّ في الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ مِنْ دونِ سَبَب؛ ثُمَّ جاءَتِ الصَّدْمَةُ الكُبْرى حينَ فَقَدَ بيليد ابْنَةَ شَقيقَتِهِ ناعومي في تَفْجيرٍ نَفَّذَهُ فِلَسْطِينِيٌّ عامَ 1997 في القُدْس. في تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَدَأَ بيليد يَسْأَلُ عَنِ الأَسْباب. وَتَحَوَّلَ الوَجَعُ الشَّخْصِيُّ إلى يَقْظَةٍ إِنْسانِيَّة. وَأدْرَكَ أَنَّ الجَريمَةَ الحَقيقِيَّةَ كامِنَةٌ في البُنْيَةِ السِّياسِيَّةِ التي تَخْلُقُ المَأْساةَ كُلَّ يَوْمٍ، أَيْ في الاحْتِلال. وَقَرَّرَ عَدَمَ الرُّجوعِ إلى الخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ مَرَّةً أُخْرى، مَهْما كانَتِ العَواقِب.

غَزَّة: اخْتِبارُ الإِنْسانِيَّةِ في أَقْسى شُروطِها

تَبْلُغُ المُذَكِّراتُ ذُرْوَةَ كَشْفِها الأَخْلاقِيِّ حينَ يَصِلُ بيليد إلى غَزَّةَ بَعْدَ عُبورِ نَفَقٍ طَويل. يواجِهُ مَكانًا مُحاصَرًا بِكُلِّ المَعاني: غِيابَ الماءِ الصّالِحِ لِلشُّرْب، الدَّمارَ العُمْرانِيّ، انْسِدادَ الأُفُقِ السِّياسِيّ. وَمَعَ ذَلِكَ، يَكْتَشِفُ مُجْتَمَعًا نابِضًا بِالحَياة، جامِعاتٍ تَعْمَل، مُؤَسَّساتٍ قائِمَة، مُتَرْجِمينَ يَنْقُلونَ حَتّى الكُتُبَ العِبْرِيَّة، طاقَةً بَشَرِيَّةً تَرْفُضُ الاسْتِسْلام.

في هَذا المَشْهَد، يَسْقُطُ التَّصْويرُ الأَمْنِيُّ الجامِد، وَيَبْرُزُ الفِلَسْطينِيُّ كَإنْسانٍ كامِل، يُحاوِلُ العَيْشَ والإِبْداع، وَسْطَ القَهْرِ والظُّلْمِ والتَّهْميش.

الجَيْشُ وَمَنْطِقُ السَّيْطَرَة

يُفْرِدُ بيليد مَساحَةً واسِعَةً لِتَحْليلِ الجَيْشِ الإِسْرائيليِّ كَمَنْظومَةٍ لِإِدارَةِ السَّيْطَرَة. يَكْشِفُ كَيْفَ يُعادُ إِنْتاجُ العُنْفِ داخِلَ هَذِهِ المُؤَسَّسَةِ بِاعْتِبارِهِ ضَرورَةً أَخْلاقِيَّة، وَكَيْفَ تُرَبّى الأَجْيالُ على التَّعامُلِ مَعَ الاحْتِلالِ كَحالَةٍ اعْتيادِيَّةٍ قابِلَةٍ لِلِاسْتِمْرار. النَّقْدُ هُنا لا يَسْتَهْدِفُ الأَفْراد، بَلِ الدَّوْرَ التّاريخِيَّ الذي أُسْنِدَ إلى الجيلِ المُؤَسِّس، حينَ تَحَوَّلَ صُنّاعُ الدَّوْلَةِ إلى أَسْرى تَبْريرِ مُمارَسَةٍ تَتَناقَضُ مَعَ القِيَمِ التي رَفَعَتْ شِعاراتِها الأولى. هَذِهِ المُقارَبَةُ تَمْنَحُ النَّصَّ عُمْقًا إِنْسانِيًّا، وَتُحَرِّرُهُ مِنْ لُغَةِ الاتِّهامِ المُباشِر.

خلص في كتابه إلى أنّ الحكومة الإسرائيلية ارتكبت جرائم حرب وإبادة وحشية

بَعْدَ انْكِشافِ الحَقائِقِ المُظْلِمَة، قَدَّمَ بيليد اسْتِقالَتَهُ مِنَ الجَيْشِ لِيَتَفَرَّغَ لِلدَّعْوَةِ إلى السَّلام، وَأَعْلَنَها صَراحَةً: "لَمْ تَعُدْ لَدَيَّ أَيُّ رابِطَةٍ عاطِفِيَّةٍ مَعَ الصُّهْيونِيَّة". أَصْبَحَ يُعارِضُ كُلَّ ما تَقومُ بِهِ إِسْرائيلُ مِنْ جَرائِمَ وانْتِهاكاتٍ لِحُقوقِ الإِنْسانِ في الضِّفَّةِ وَغَزَّة، فَكَتَبَ كِتابَهُ هَذا وَخَلَصَ فيهِ إلى أَنَّ الحُكومَةَ الإِسْرائيلِيَّةَ ارْتَكَبَتْ جَرائِمَ حَرْبٍ وَإبادَةً وَحْشِيَّة، وَلِذا انْتَقَلَ إلى مَعْسْكَرِ السَّلامِ وَأَصْبَحَ مِنْ دُعاةِ الحِوارِ الإِسْرائيليِّ مَعَ مُنَظَّمَةِ التَّحْريرِ الفِلَسْطِينِيَّة. المُذَكِّراتُ تَأْتي امْتِدادًا طَبيعِيًّا لِهَذا المَسار، وَتَكْثيفًا لِتَجْرِبَةٍ طَويلَةٍ مِنَ التَّحَوُّل.

الفِلَسْطيني: مِنْ صورَةٍ أَمْنِيَّةٍ إلى ضَميرٍ حَيّ

إِحْدى أَقْوى لَحَظاتِ الكِتابِ تَتَجَسَّدُ في انْتِقالِ الفِلَسْطيني مِنْ حُضورٍ باهِتٍ في السَّرْدِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ إلى مَرْكَزٍ أَخْلاقِيٍّ في الوَعْيِ الجَديد. وَقَدْ شَكَّلَ "الإِنْسانُ الفِلَسْطينِيّ" المِحْوَرَ الرَّئيسِيَّ في تَفْكيرِ "ابْنِ الجِنِرال"، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ مُعايَشَتِهِ لِلمُعاناةِ اليَوْمِيَّة، والواقِعِ المَريرِ الذي يَعيشُهُ الفِلَسْطينِيُّ المَسْلوبُ الكَرامَة؛ فَيَظْهَرُ الفِلَسْطينِيُّ جارًا وَصَديقًا وَإِنْسانًا مَسْحوقَ الكَرامَةِ في تَفاصيلِ حَياتِهِ اليَوْمِيَّة.

هَذَا التَّحَوُّلُ يُعيدُ صِياغَةَ صورَةِ اليَهوديِّ ذاتِه، فَيَنْتَقِلُ مِنْ ذاتٍ مَحْكومَةٍ بِالخَوْفِ إلى ذاتٍ تَتَحَمَّلُ مَسْؤولِيَّةَ العُنْفِ الذي يُمارَسُ بِاسْمِها.

يذهب إلى توصيف إسرائيل ككيان وظيفي نشأ في سياق مشروع استعماري أوسع لتنفيذ مهام سياسية وأمنية

تَتَجاوَزُ المُذَكِّراتُ حُدودَ نَقْدِ السِّياساتِ لِتَصِلَ إلى تَفْكيكِ الصُّهْيونِيَّةِ كَمَنْظومَةٍ فِكْرِيَّة. الخَلَلُ في نَظَرِ بيليد يَتَجَذَّرُ في مَنْطِقٍ يَقومُ على إِقْصاءِ الآخَرِ وَتَحْويلِ الخَوْفِ إلى أَداةِ حُكْم. ضِمْنَ هَذا الأُفُق، تَظْهَرُ الدَّوْلَةُ كَتَجْسيدٍ طَبيعِيٍّ لِفِكْرَةٍ تَأَسَّسَتْ على القُوَّة.

وَيَذْهَبُ بيليد إلى تَوْصيفِ إِسْرائيل كَكِيانٍ وَظيفِيٍّ نَشَأَ في سِياقِ مَشْروعٍ اسْتِعْمارِيٍّ أَوْسَع، لِتَنْفيذِ مَهامَّ سِياسِيَّةٍ وَأَمْنِيَّةٍ تَتَجاوَزُ ادِّعاءَ تَمْثيلِ اليَهودِيَّةِ كَتَجْرِبَةٍ أَخْلاقِيَّة.

ثَمَنُ الانْشِقاقِ واتِّساقُ الذّات

لا تُخْفي المُذَكِّراتُ كُلْفَةَ هَذَا المَسار: عُزْلَةٌ اجْتِماعِيَّة، تَخْوين، قَطيعَةٌ مَعَ شَرائِحَ واسِعَةٍ مِنَ المُجْتَمَع، وَتَحْويلُ صاحِبِها إلى شَخْصِيَّةٍ مَرْفوضَةٍ داخِلَ إِسْرائيلَ وَخارِجَها.

وَمَعَ ذَلِكَ، تَتَقَدَّمُ الصَّفَحاتُ بِنَبْرَةِ تَحَرُّر، كَأَنَّ الانْشِقاقَ أَعادَ لِلذّاتِ تَوازُنَها الداخِلِيّ، وَحَرَّرَ الضَّميرَ مِنْ عِبْءِ الصَّمْت.

تُقرَأ هذه المذكّرات كمرآة لتصدُّع الصهيونية من داخلها

تَبْرُزُ هَذِهِ المُذَكِّراتُ كَنَصٍّ نادِرِ الأَهَمِّيَة؛ فَصُدورُها عَنْ ابْنِ المُؤَسَّسَةِ العَسْكَرِيَّةِ يَمْنَحُها قُوَّةً مُضاعَفَة، لِأَنَّها تَكْشِفُ التَّصَدُّعَ مِنَ الدّاخِل، وَتَفْتَحُ مَساحَةً لِمُساءَلَةِ الدَّوْلَةِ كَواقِعٍ يَوْمِيّ، وَمُساءَلَةِ الصُّهْيونِيَّةِ كَمَشْروعٍ اسْتِعْمارِيٍّ مَبْنِيٍّ على مَنْطِقِ الإِبادَةِ وَإِقْصاءِ الآخَر.

بِهَذا المَعْنى، يَغْدو الكِتابُ حَلْقَةَ وَصْلٍ نادِرَةً بَيْنَ نَقْدِ السِّياساتِ اليَوْمِيَّةِ وَنَقْدِ البُنْيَةِ الفِكْرِيَّةِ التي أَنْتَجَتْها، وَبَيْنَ مُساءَلَةِ الدَّوْلَةِ بِوَصْفِها مُمارَسَة، وَمُساءَلَةِ الإيدْيولوجْيا بِاعْتِبارِها مَنْطِقًا يُبَرِّرُ تِلكَ المُمارَسَة...

هَذِهِ المُذَكِّراتُ أَخَذَتْ مَكانَتَها لا شَكَّ داخِلَ سِلْسِلَةِ "الأَصْواتِ مِنَ الدّاخِل"، لِأَنَّها تُقَدِّمُ وَعْيًا تَحْليلِيًّا نابِعًا مِنَ التَّجْرِبَةِ المُباشِرَة. لِهَذَا، تُقْرَأُ هَذِهِ المُذَكِّراتُ كَمِرْآةٍ لِتَصَدُّعِ الصُّهْيونِيَّةِ مِنْ داخِلِها، في اللَّحْظَةِ التي يَبْدَأُ فيها الأَبْناءُ بِطَرْحِ الأَسْئِلَةِ التي ظَلَّ الآباءُ يُؤَجِّلونَها زَمَنًا طَويلا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن