تَمُرُّ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ في لَحْظَةٍ مِفْصَلِيَّةٍ مِنْ تَطْويرِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تَتَطَوَّرَ الحَوْكَمَةُ والاعْتِباراتُ الأَخْلاقِيَّةُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ مَعَ التَّقَدُّمِ التِّكْنولوجِيّ. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الحُكوماتِ بَدَأَتْ بِالفِعْلِ مُعالَجَةَ هَذِهِ التَّحَدِّيات، فَإِنَّ الوَتيرَةَ السَّريعَةَ لِلتَّغْييرِ تَتَطَلَّبُ نَهْجًا مَرِنًا في التَّنْظيمِ وَصُنْعِ السِّياسات، وَمِنْ خِلالِ تَعْزيزِ الشَّراكاتِ بَيْنَ القِطاعَيْنِ العامِّ والخاصّ، يُمْكِنُ أَنْ تُسَخَّرَ كامِلُ إِمْكاناتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ لِخَلْقِ فُرَصٍ شامِلَةٍ وَعادِلَة. وَمِنَ المُهِمِّ الإشارةُ إلى أَنَّهُ يُمْكِنُ لِلذَّكاءِ وَحْدَهُ أَنْ يَدُرَّ ما يَصِلُ إلى أَكْثَرَ مِنْ 320 مِلْيارَ دولارٍ بِحُلولِ عامِ 2030 في الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَمِنْها الاقْتِصاداتُ الخَليجِيَّةُ لِفَتْحِ هَذِهِ الفُرْصَة.
المهارات البشرية المطلوبة أصبحت أكثر تخصُّصًا وتعقيدًا
لا يَدْري الكَثيرُ مِنَ العامِلينَ الذينَ فَقَدوا أَعْمالَهُمْ أَنَّهُمْ ضَحايا الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ الرّابِعَة، التي كانَ كْلاوس شْواب (Klaus Schwab)، مُؤَسِّسُ المُنْتَدى الاقْتِصاديِّ العالَميِّ وَمُديرُهُ حينَها، قَدْ نَبَّهَ إلى نَتائِجِها قَبْلَ حُدوثِها بِقَوْلِه، أَمامَ القِمَّةِ العالَمِيَّةِ لِلحُكوماتِ في دُبَيْ عامَ 2016، إِنَّ العالَمَ يَقِفُ على حَافَّةِ ثَوْرَةٍ تِكْنولوجِيَّةٍ مِنْ شَأْنِها أَنْ تُحْدِثَ تَغْييرًا جَذْرِيًّا في أَنْماطِ الحَياةِ التي نَعيشُها والعَمَلِ الذي نُؤَدّيهِ والطَّريقَةِ التي نَتَعامَلُ بِها، وَبِسَبَبِ عِظَمِ حَجْمِ هَذِهِ الثَّوْرَةِ وَنِطاقِها وَتَعْقيداتِها، فَإِنَّ التَّغْييراتِ التي سَتُرافِقُها لَمْ تَرَ البَشَرِيَّةُ مَثيلًا لَها مِنْ قَبْل، وَنَحْنُ لا نَعْرِفُ كَيْفَ سَتَكونُ تِلْكَ التَّغْييرات، لَكِنَّ شَيْئًا واحِدًا واضِحٌ لَنا الآن، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكونَ تَجاوُبُنا، في القِطاعِ الخاصِّ والعامِّ والأَوْساطِ الأَكاديمِيَّةِ والمُجْتَمَعِ المَدَنيّ، مَعَها مُتَكامِلًا وَشامِلًا.
إِنَّ ما تَحَقَّقَ في السَّنَواتِ الأَخيرَة كبير، مَعَ تَزايُدِ تَبَنّي الشَّرِكاتِ حَوْلَ العالَمِ لِأَدَواتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، إِذْ لَمْ تَعُدِ الخِبْرَةُ وَحْدَها كافِيَةً لِلبَقاءِ ضِمْنَ سوقِ العَمَلِ التَّنافُسِيّ، حَيْثُ إِنَّ الوَظائِفَ التَّقْليدِيَّةَ تَتَغَيَّرُ بِسُرْعَة، والمَهاراتِ البَشَرِيَّةَ المَطْلوبَةَ أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ تَخَصُّصًا وَتَعْقيدًا، إِذْ لَمْ يَعُدِ التَّرْكيزُ مُنْصَبًّا فَقَطْ على الأَداءِ الفَرْدِيّ، بَل على القُدْرَةِ على التَّعاوُنِ مَعَ الأَنْظِمَةِ الذَّكِيَّةِ وَتَحْويلِ المَعْلوماتِ إلى قيمَةٍ مُضافَة. في هَذا السِّياق، يَبْرُزُ دَوْرُ الخُبَراءِ المِهْنِيّينَ الذينَ يَفْهَمونَ كَيْفيةَ دَمْجِ أَدَواتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ في العَمَلِ اليَوْميِّ مِنْ دونِ التَّضْحِيَةِ بِجَوْدَةِ النَّتائِجِ أَوِ العُمْقِ التَّحْليلِيّ، وَأَصْبَحَ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ جُزْءًا أَساسِيًّا مِنَ العَمَلِ اليَوْميِّ مِنْ ناحِيَةِ السُّرْعَةِ والكَمِّيَّة، بَيْنَما تَبْقى مَسائِلُ المُراجَعَةِ والتَّحْريرِ والتَّحْليلِ مُرْتَبِطَةً بِالكامِلِ بِالإِنْسانِ لِضَمانِ الجَوْدَة.
الاستثمار في الشباب وصقل مهاراتهم أمر أساسي
بَدَأَ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ يُؤَثِّرُ على مَلايينِ الوَظائِف، وَهُناكَ تَوَقُّعاتٌ لِلمُنْتَدى الاقْتِصاديِّ العالَميِّ بِزَوالِ 92 مِلْيونَ وَظيفَةٍ خِلالَ السَّنَواتِ الخَمْسِ المُقْبِلَة، لَكِنْ في المُقابِل، سَيولَدُ أَكْثَرُ مِنْ 170 مِلْيونَ وَظيفَةٍ جَديدَة، ما يَعْنِي تَحَوُّلًا جَذْرِيًّا في بُنْيَةِ العَمَل، لا بَطالَةً جَماعِيَّة. وَمِنَ المَنْطِقِ أَنَّ فِقْدانَ الوَظائِفِ مِنْ دونِ تَعْويضِها لا يَخْدِمُ الشَّرِكاتِ وَلا الاقْتِصادات، ما يَجْعَلُ تَوْليدَ وَظائِفَ جَديدَةٍ أَمْرًا حَتْمِيًّا. لَكِنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ تَعَلُّمَ كَيْفِيَّةِ العَمَلِ مَعَ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، لِأَنَّ تَجاهُلَ هَذا التَّحَوُّلِ قَدْ يَتْرُكُ الكَثيرِينَ خارِجَ سوقِ العَمَلِ المُتَغَيِّر، خصوصًا وأنّ ما يُؤَكِّدُهُ تَقْريرٌ صادِرٌ عَنِ المُنْتَدى الاقْتِصاديِّ العالَمِيّ، يُفيدُ بِأَنَّ 41% مِنَ الشَّرِكاتِ العالَمِيَّةِ تُخَطِّطُ لِتَقْليصِ قُواها العامِلَةِ بِحُلولِ عامِ 2030، نَتيجَةَ اعْتِمادِها المُتَزايِدِ على الذَّكاءِ الاصْطِناعيِّ والأَتْمَتَة.
مِنَ الجَديرِ بِالإِشارَةِ إلى أَنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ يُمَثِّلُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ مِحْوَرِيَّةً في أَسْواقِ العَمَل، تُعَزِّزُ الكِفاءَةَ وَتُعيدُ تَشْكيلَ طَبيعَةِ الوَظائِفِ والمَهاراتِ المَطْلوبَة، وَلا شَكَّ أَنَّهُ تَسَبَّبَّ في فِقْدانِ وَظائِفَ تَقْليدِيَّةٍ كالمَهامِّ الرّوتينِيَّة. لَكِنَّه، في المُقابِل، يُعَدُّ مُحَرِّكًا ضَخْمًا لِتَوْليدِ فُرَصِ عَمَلٍ جَديدَةٍ في مَجالاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِثْلَ تَحْليلِ البَيانات، والأَمْنِ السّيبْرانِيّ، وَإِدارَةِ الأَنْظِمَةِ الذَّكِيَّة، وَهَنْدَسَةِ الحُلولِ الرَّقْمِيَّة، وَوَظائِفَ لَمْ تَكُنْ مَوْجودَةً قَبْلَ سَنَواتٍ قَليلَة.
الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية للدول العربية شرط تبنّي سياسات استباقية واستراتيجيات مرنة وبنية تحتية متينة
سَيَكونُ الاسْتِثْمارُ في الشَّبابِ وَصَقْلُ مَهاراتِهِمْ لِدَفْعِ القُدْرَةِ التَّنافُسِيَّةِ والاسْتِعْدادِ لِلمُسْتَقْبَلِ أَمْرًا أَسَاسِيًّا، فَقَدْ بَلَغَتْ نِسْبَةُ بَطالَةِ الشَّبابِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ نَحْوَ 25% في عامِ 2023، أَيْ ضِعْفَ المُتَوَسِّطِ العالَمِيّ، مِمّا يُسَلِّطُ الضَّوْءَ على الحاجَةِ إلى التَّرْكيزِ على خَلْقِ وَظائِفَ جَديدَةٍ وَأَكْثَرَ جاذِبِيَّةً في القِطاعَيْنِ العامِّ والخاصِّ. وَإِنَّ المُنْتَدى يَعْمَلُ بِشَكْلٍ وَثيقٍ مَعَ قِطاعِ الأَعْمالِ والحُكوماتِ وَبِشَكْلٍ خاصٍّ في ما يَتَعَلَّقُ بِتَطْوِيرِ الإِمْكاناتِ التَّكْنُولُوجِيَّةِ في الدولِ العَرَبِيَّة.
إِنَّ قُدْرَةَ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ على إِحْداثِ ثَوْرَةٍ في الصِّناعاتِ في مُعْظَمِ الدولِ العَرَبِيَّة، لَمْ تَعُدْ احْتِمالًا نَظَرِيًّا، بَلْ باتَت واقِعًا، فَمِنْ خِلالِ تَعْزيزِ الإِنْتاجِيَّةِ وَتَسْريعِ العَمَلِيّاتِ وَجَعْلِها أَكْثَرَ كِفاءَة، يُمْكِنُ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ أَنْ يَقودَ إلى قَفَزاتٍ كَبيرَةٍ في قِطاعِ الرِّعايَةِ الصِّحِّيَّة، مِثْلَ الطِّبِّ الشَّخْصيِّ وَتَسْريعِ اكْتِشافِ الأَدْوِيَة، كما يُسْهِمُ في مَجالِ التِّكْنولوجِيا الحَيَوِيَّة في تَبْسيطِ البَحْثِ والتَّطْوير.
في الخِتام، يُمَثِّلُ الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ فُرْصَةً اسْتِثْنائِيَّةً لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِبِناءِ مُسْتَقْبَلٍ مُزْدَهِرٍ وَمُسْتَدام، شَرْطَ تَبَنّي سِياساتٍ اسْتِباقِيَّة، واسْتْراتيجِياتٍ مَرِنَة، وَبُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ مَتينَة، بِما يَضْمَنُ تَوْجيهَ هَذِهِ التِّقْنِيَّةِ نَحْوَ خِدْمَةِ الإِنْسانِ والمُجْتَمَعِ مَعَ الحِفاظِ على القِيَمِ الثَّقافِيَّةِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

