صحافة

الشرق الأوسط بين وهم التفكيك ومخاطر الفوضى

لطفي العبيدي

المشاركة
الشرق الأوسط بين وهم التفكيك ومخاطر الفوضى

تبدو إسرائيل اليوم أقل نجاحا في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى. لم تنجح في تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة، رغم استخدام أقصى أدوات القوة والقمع وارتكاب المجازر وفعل الإبادة. ولم تستطع تحويل سوريا إلى كيان مفكك يسهل احتواؤه، بل ساهمت، في إعادة توحيدها سياسيا وشعبيا. كما أخفقت في توسيع نفوذها في القرن الافريقي عبر بوّابة الصومال، وبدأت تخسر دعم أطراف عربية كانت تُعدّ ركائز للاستقرار من وجهة نظرها، كما هو حال الإمارات. يبدو أنّ نتنياهو، الذي سعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، يجد نفسه أمام شرق أوسط يعيد تشكيل نفسه ضده.

هذا التشكيل الذي يحاول أن يُفصح عن نفسه، ليس حبا بإيران، ولا تعاطفا مع سوريا، بل خوفا من منطق الفوضى، الذي لا يوفّر أحدا. وهنا تحديدا تكمن النقطة التي يجب على صناع القرار العرب التوقف عندها، وهي أنّ الدفاع عن سيادة الدول، حتى المختلف معها، قد يكون في لحظة ما دفاعا عن الذات. في سوريا، لم يكن سقوط نظام الأسد نهاية الدولة كما توقّع كثيرون، بل لحظة إعادة تعريف للهوية الوطنية. كذلك تركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان، رغم تباين مصالحها وخلافاتها السابقة، تلتقي فيما يبدو عند نقطة واحدة: انهيار التوازن الإقليمي سيكون مكلفا للجميع، لذلك، فإن ما تصفه إسرائيل بسخرية بأنه "ناتو إسلامي" ليس تحالفا هجوميا، بل مظلة ردع تهدف إلى منع الانفراد بكل دولة على حدة. وهذا أمر من الجيد أن يُبنى عليه.

التحول الحقيقي الذي تشهده المنطقة لا يأتي من صعود قوة جديدة بقدر ما يأتي من انكشاف حدود القوة الإسرائيلية نفسها. فإسرائيل، التي بنت استراتيجيتها منذ عقود على تفكيك خصومها ومنع تشكّل أي جبهة إقليمية متماسكة، وجدت نفسها اليوم أمام نتيجة معاكسة تماما، خصوم أضعف كلٌّ على حدة، لكنهم أكثر ميلا للتقارب والتنسيق فيما بينهم. أمام هذا الانسداد، تصبح إيران الخيار الأخير. فالهجوم عليها ليس دليلا على قوة، بل على نفاد البدائل. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن إضعاف إيران أو انهيارها لا يعني بالضرورة تعزيز أمن إسرائيل، بل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية غير مسبوقة. وهذا ما لمّح إليه المرشد الأعلى خامنئي أثناء إحياء عيد الثورة. دولة بحجم إيران، حين تنهار، لا تسقط إلى الداخل فقط، بل تتشظى إلى موجات بشرية وأمنية وسياسية تجتاح جوارها، وتجعل المنطقة بأكملها على بساط متحرك من الفوضى العارمة.

إيران اليوم في قلب صراع كسر التوازن، والعنف المفرط الذي استخدمه المشاغبون ضد الشرطة وقوى الأمن الإيرانية حتى الذروة في 9 يناير الماضي، وإحراق البنوك والحافلات والمكتبات، ونهب المساجد، صُمّم على الأرجح من قِبل أجهزة استخبارات غربية، لإظهار دولة متداعية، متحللة، تقتل شعبها في لحظة احتضارها. اللافت أن أخطر ما في هذه المحاولة لم يكن الضربات العسكرية بحد ذاتها، تلك التي هدد بها ترامب في سياق الاحتجاجات، بل الهندسة الاجتماعية للعنف. ما جرى لم يكن احتجاجا خرج عن السيطرة، بل محاولة واعية لصناعة لحظة دم تُفرض على الدولة. فالعنف لم يكن هدفه إسقاط النظام فورا، بل دفعه إلى ارتكاب خطأ أخلاقي وإعلامي كبير، على نحو قتل أعداد كبيرة من المدنيين أمام الكاميرات، بما يسمح بتبرير تدخل خارجي يوصف بأنه إنساني.

الصراع إذن لم يكن بين نظام وشعب، بل بين دولة وشبكة عابرة للحدود تحاول استخدام التناقضات الاجتماعية كوقود. وحين فشلت هذه الشبكة في الحفاظ على الإيقاع المطلوب، عاد المشهد إلى توازنه النسبي، وظهرت الدولة، بكل تناقضاتها، كالإطار الوحيد القادر على منع الانزلاق إلى الفوضى. وهنا تتبدّى المفارقة الأخيرة: كلما صمدت إيران أكثر، تقلّصت خيارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أي ضربة جديدة ستكون محفوفة بردّ مباشر، وربما واسع، وهو ما لا يتوافق مع خيال "الانفجار النظيف" الذي يريده. في هذه المرحلة، لا يعود السؤال: كيف تسقط إيران؟ بل: كيف يخرج ترامب من المواجهة من دون أن يبدو خاسرا؟ من هنا يمكن فهم لماذا عُوّل إلى هذا الحد على عنصر الصدمة، كما كان الحال في حرب 12 يوما.

فاستراتيجية الصدمة لا تنجح إلا حين تكون الدولة المستهدفة هشّة من الداخل، أو حين يفقد المجتمع ثقته الكاملة بأي سلطة. غير أن واضعي الخطة أسقطوا تجارب دول أخرى على إيران، متجاهلين أن الجمهورية الإسلامية، مهما كان تقييم أدائها، ليست نظاما معزولا عن المجتمع، بل متشابكة معه عبر مؤسسات، وشبكات مصالح، وذاكرة تاريخية عميقة للصراع الخارجي. ترامب لا يفكّر في الحروب بوصفها مسارات معقّدة ذات ارتدادات طويلة، بل بوصفها مشاهد قصيرة. دخول، انفجار، خروج، ثم عنوان كبير. هذا الخيال السياسي هو ما جعل إيران تُقارب لا كدولة ذات عمق تاريخي ومجتمعي، بل كـ"بيت من ورق" يُفترض أن ينهار عند أول صدمة مركّزة. المشكلة لم تكن في ضعف المعلومات الاستخباراتية فقط، بل في وهم ثقافي يرى الخصم من خلال عدسة هوليوودية، ويعتقد أن تجربة فنزويلا تصلح مع الجميع.

إن رفض واشنطن الاستناد إلى المبادئ عند صياغة سياستها الخارجية، يُغيّر جذرياً قواعد التنافس بالنسبة للدول الأضعف. قد ينتقد البعض سياسات ترامب باعتبارها فجة، أو أنانية، لكنهم يجدون صعوبة في اتهام الرئيس الأمريكي بالنفاق. لطالما لعب النفاق دورا مزدوجا في السياسة الدولية. فقد ولّد الاستياء وانعدام الثقة بين القوى العالمية، ولكنه في الوقت نفسه قيّد النفوذ بجعل الدول مسؤولة أمام المعايير الأخلاقية، التي تدّعي التمسك بها. طوال فترة الحرب الباردة، برّرت الولايات المتحدة دورها القيادي في النظام الدولي باستخدام خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى في الوقت الذي لم ترقَ فيه أفعالها إلى مستوى تلك المُثُل. لم يمرّ هذا النفاق، دون معارضة.

فقد استشهد الحلفاء والدول غير المنحازة مرارا وتكرارا بالخطاب الأمريكي لانتقاد سلوك الولايات المتحدة، والمطالبة بمزيد من الاتساق بين المبادئ التي كانت الولايات المتحدة تدافع عنها وما كانت تفعله على أرض الواقع. لا يوجد تناقض بين الفضيلة المعلنة والممارسة الفعلية عندما يُتخلى عن ادعاء الفضيلة. لم تعد القوة تستند إلى مبادئ عالمية كما جاء في "فورين أفيرز"، بل تؤكد على استحقاق خاص. والنتيجة ليست مجرد أسلوب دبلوماسي أكثر قسوة، بل تحول في الأسس الجوهرية التي تعمل بها القوة الأمريكية، والأهم من ذلك، في كيفية مقاومتها.

في المحصلة، ما فشل في إيران ليس مجرد خطة، بل وهم، وهم أن الدول يمكن كسرها بالطريقة نفسها، وبالأدوات نفسها، وبالعقلية الاستعراضية ذاتها. وهذا وهم قد يدفع ثمنه الإقليم بأكمله، إذا أصرّ أصحابه على اختباره مرة أخرى، أو التهليل له والمساعدة في استجلابه.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن