اقتصاد ومال

هَلْ تَحتاجُ الدولُ العَرَبِيَّةُ إلى أَنْظِمَةِ تَصْنيفٍ ائْتِمانِيَّةٍ خاصَّة؟!

يُعَدُّ التَّصْنيفُ الائْتِمانِيُّ أَحَدَ الأَدَواتِ المِحْوَرِيَّةِ في النِّظامِ الماليِّ العالَمِيّ، إِذْ يُؤَثِّرُ مُباشَرَةً في كُلْفَةِ الاقْتِراضِ السِّيادِيّ، وَتَدَفُّقاتِ الاسْتِثْمارِ الأَجْنَبِيّ، وَصورَةِ الدُّوَلِ في الأَسْواقِ الدَّوْلِيَّة. غَيْرَ أَنَّ هَيْمَنَةَ عَدَدٍ مَحْدودٍ مِنْ وَكالاتِ التَّصْنيفِ العالَمِيَّة، واعْتِمادَها مَعاييرَ مُوَحَّدَةً مُسْتَمَدَّةً أَساسًا مِنْ تَجارِبِ الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة، أَثارَ جَدَلًا مُتَزايِدًا حَوْلَ عَدالَةِ هَذِهِ التَّصْنيفاتِ وَمُلاءَمَتِها لِواقِعِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَدُوَلِ الجَنوب.

هَلْ تَحتاجُ الدولُ العَرَبِيَّةُ إلى أَنْظِمَةِ تَصْنيفٍ ائْتِمانِيَّةٍ خاصَّة؟!

العَديدُ مِنَ الاقْتِصاداتِ في العالَمِ العَرَبيِّ وَأَفْريقْيا والشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَآسْيا تُواجِهُ حالاتٍ مِنَ التَّصْنيفاتِ لا تَأْخُذُ في الحِسْبانِ الخَصائِصَ الاقْتِصادِيَّةَ والاجْتِماعِيَّةَ والسِّياسِيَّةَ المَحَلِّيَّة، بَلْ تَعْتَمِدُ على نَماذِجَ قَدْ تَكونُ مُصَمَّمَةً مِنْ مَنْظورٍ اقْتِصادِيٍّ غَرْبِيٍّ بَحْت، قَدْ لا يَعْكِسُ خُصوصِيَّةَ القُروضِ الحُكومِيَّةِ والضَّماناتِ الإِقْليمِيَّة.

فَالتَّصْنيفُ لَيْسَ فَقَطْ قِياسًا لِلْمَخاطِر، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ أَداةً سِياسِيَّةً أَوْ اقْتِصادِيَّةً تُؤَثِّرُ في قُدْرَةِ الدُّوَلِ على الوُصولِ إلى التَّمْويلِ الدَّوْليِّ أَوْ فَرْضِ سِياساتٍ تَقَشُّفية. وَهَذا ما دَفَعَ بَعْضَ الدُّوَلِ إلى التَّشْكيكِ في حَيادِيَّةِ وَكالاتِ التَّصْنيفِ في حالاتٍ واقِعِيَّةٍ توضِحُ اِنْقِسامَ الآراءِ حَوْلَ التَّصْنيفِ في دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ تَحْتَ تَصْنيفاتٍ قَوِيَّةٍ مِثْلَ الإِماراتِ وَقَطَرَ والسعودية، بَيْنَما دُوَلٌ أُخْرى مِثْلَ الأُرْدُن أَوْ مِصْرَ في مَراتِبَ أَقَلّ، وَدُوَلٌ تُواجِهُ ضُغوطًا في التَّصْنيف، وَأَزَماتٍ في دُوَلٍ مِثْلَ لُبْنانَ أَوْ العِراق، أَدَّتْ إلى تَصْنيفِها في دَرَجاتِ مُخاطَرَةٍ عالِيَة، على اللّائِحَةِ الرَّمادِيَّةِ مِمّا يَزيدُ الضَّغْطَ على اقْتِصادِها (الدَّيْنُ الخارِجِيُّ لِلشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا وَصَلَ عامَ 2023 إلى حَوالَيْ 443 مِلْيارَ دولار، مَعَ إِنْفاقِ دُوَلِ المِنْطَقَةِ حَوالَيْ 24 مِلْيارَ دولارٍ على سَدادِ أَصْلِ الدَّيْنِ + 12 مِلْيارَ دولارٍ فَوائِد). بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لَدَيْها نِسَبٌ عالِيَةٌ مِنَ الدُّيونِ إلى النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْمالي (مُؤَشِّرُ قِياسِ العِبْء)، السّودان: نَحْوَ 272% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيّ، البَحْرَيْن: نَحْوَ 142.5%، الأُرْدُنُّ والإِماراتُ وَمِصْرُ وَتونُسُ وَلُبْنانُ وَغَيْرُها في نِسَبٍ مُرْتَفِعَةٍ أَيْضًا).

تدفّق المزيد من الأموال من البلدان النامية لسداد الديون أكثر مما تمّ الحصول عليه من التمويل والمساعدات

بِدَوْرِها، تَحْتاجُ الدُّوَلُ في الجَنوبِ العالَميِّ إلى المَزيدِ مِنَ القُروضِ مِنْ أَسْواقِ رَأْسِ المالِ بَدَلًا مِنَ التَّمْويلِ مِنَ البُنوكِ التَّنْمَوِيَّةِ مُتَعَدِّدَةِ الأطْراف. العامُ الماضي، تَدَفَّقَ المَزيدُ مِنَ الأَمْوالِ مِنَ البُلْدانِ النّامِيَةِ لِسَدادِ الدُّيونِ أَكْثَرَ مِمّا تَمَّ الحُصولُ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْويلِ الجَديدِ والمُساعَداتِ التَّنْمَوِيَّة. في المُتَوَسِّط، تَدْفَعُ الدُّوَلُ الأَفْريقِيَّةُ دولارَيْنِ اثنَيْنِ مُقابِلَ خِدْمَةِ الدَّيْنِ عَنْ كُلِّ دولارٍ مِنَ المُساعَداتِ التي تَتَلَقاها. على سَبيلِ المِثال، لِكُلِّ دولارٍ يُمْكِنُ أَنْ تُنْفِقَهُ كِينِيا على البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، يَتَعَيَّنُ عَلَيْها إِنْفاقُ دولارٍ على خِدْمَةِ الدَّيْن؛ وَلِكُلِّ دولارٍ مِنَ المُساعَداتِ التي تَتَلَقاها، تَدْفَعُ 1.85 دولارٍ كَخِدْمَةِ دَيْن (وِفْقًا لِتَحْليلِ "بَنْكْ سْتانْدَرْدْ"). وَتُواجِهُ الدُّوَلُ في الجَنوبِ العالَميِّ نَقْصًا سَنَوِيًّا في اسْتِثْماراتِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ يَصِلُ إلى مِئاتِ المِلْياراتِ مِنَ الدّولارات.

وَقَدْ أَلْقى بَعْضُ الخُبَراءِ المالِيّينَ بِاللَّوْمِ على ارْتِفاعِ تَكاليفِ رَأْسِ المالِ بِسَبَبِ المَعاييرِ المُسْتَخْدَمَةِ لِتَقْييمِ جَدارَةِ مَشاريعِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ في الجَنوبِ العالَميِّ والدُّوَلِ النّاشِئَة، وَهِيَ مَقاييسُ مُصَمَّمَةٌ لِلِاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة. وَتَتَمَثَّلُ إِجابَتُهُمْ في إِنْشاءِ أَنْظِمَةِ تَصْنيفٍ ائْتِمانِيٍّ خاصَّةٍ في الْمِنْطَقَة، مِثْلَ وِكالَةِ التَّصْنيفِ الائْتِمانيِّ الأَفْريقِيَّةِ الجَديدَة. لَكِنَّ وُجودَ مَجْموعَتَيْنِ مِنْ أَنْظِمَةِ التَّصْنيفِ الائْتِمانيِّ لَيْسَ هُوَ الحَلُّ الأَمْثَل. في التَّعْريف، التَّصْنيفُ الائْتِمانِيُّ هُوَ تَقْييمٌ لِقُدْرَةِ جِهَةٍ ما (دَوْلَة، بَنْك، شَرِكَة) على سَدادِ دُيونِها، يَعْتَمِدُ على مَعاييرَ مالِيَّةٍ واقْتِصادِيَّةٍ وَسِياسِيَّة، وَيَصْدُرُ عادَةً عَنْ وَكالاتٍ دَوْلِيَّةٍ كُبْرى مِثْلَ (Standard & Poor’s، Moody’s، Fitch) هَذا التَّصْنيفُ يُؤَثِّرُ مُباشَرَةً في تَكْلُفَةِ الاقْتِراضِ في الأَسْواقِ المالِيَّةِ الدَّوْلِيَّة. فَكُلَّما ارْتَفَعَ التَّصْنيف، انْخَفَضَتِ الفَوائِدُ المَطْلوبَةُ مِنَ المُسْتَثْمِرين، والعَكْسُ صَحيح.

سَيَتَطَلَّبُ الأَمْرُ وَقْتًا وَجُهْدًا لِتَنْفيذِ وَبِناءِ مِصْداقِيَّة، وَقَدْ يُؤَدّي وُجودُ المَقاييسِ البَديلَة، التي مِنَ المُحْتَمَلِ أَنْ تُقَدِّمَ وُجْهاتِ نَظَرٍ مُتَضَارِبَة، إلى جَعْلِ المُسْتَثْمِرِينَ أَكْثَرَ تَرَدُّدًا في الاسْتِثْمارِ في المَشَاريعِ الأَفْريقِيَّة.

من الضروري تطوير خرائط طريق وطنية تهدف إلى تحسين التصْنيفات الائتمانية السيادية

يَتَطَلَّبُ خَفْضُ تَكْلُفَةِ رَأْسِ المالِ المُرْتَفِعَةِ تَحْسينَ الاسْتْراتيجِيّاتِ الحالِيَّةِ لِهَذِهِ الدُّوَلِ في لُعْبَةِ التَّصْنيفِ العالَمِيّ. يَتَّفِقُ الجَميعُ على أَنَّ الطَّريقَ العَمَلِيَّ لِلمُضيِّ قُدُمًا هُوَ ما تَمَّ تَحْديدُهُ مِنْ قِبَلِ "مَجْموعَةِ عَمَلِ المالِيَّةِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ في B20" كَجُزْءٍ مِنْ رِئاسَةِ جَنوبِ أَفْريقْيا لِمَجْموعَةِ العِشْرين:

أَوَّلًا، يُعَدُّ تَعْزيزُ مَجْموعَةٍ قَوِيَّةٍ مِنَ المَشارِيعِ القابِلَةِ لِلِاسْتِثْمارِ أَمْرًا أَساسِيًّا. يُمْكِنُ تَحْقيقُ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ دَعْمِ الحُكومَةِ والبُنوكِ التَّنْمَوِيَّةِ لِمُبادَراتِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَراحِلِ التَّنْمِيَة. وَتَشْمَلُ التَّدابيرُ تَحْسينَ مَرافِقِ إِعْدادِ المَشاريع، وَتَبْسيطَ العَمَلِيّاتِ التَّنْظيمِيَّة، وَزِيادَةَ الشَّفافِيَّةِ في خُطوطِ المَشارِيعِ الوَطَنِيَّةِ والإِقْليمِيَّة. يُمْكِنُ لِلْكِياناتِ السِّيادِيَّةِ وَمُطَوِّري المَشاريعِ والمُسْتَثْمِرينَ الخاصّينَ العَمَلُ مَعًا لِتَسْهيلِ تَجْميعِ الاسْتِثْماراتِ وَتَنَوُّعِ المَخاطِرِ، مِمّا يُقَلِّلُ في النِّهايَةِ مِنْ تَكْلُفَةِ رَأْسِ المال.

ثانِيًا، يُعَدُّ تَعْزيزُ البَياناتِ المُتاحَةِ لِلْجُمْهورِ حَوْلَ اسْتِثْماراتِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ أَمْرًا حَيَوِيًّا لِزِيادَةِ الشَّفَافِيَّةِ وَتَتَبُّعِ التَّقَدُّم. يُمَكِّنُ ذَلِكَ الرُّعاةَ مِنْ تَخْصيصِ رَأْسِ المالِ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ فَعّالِيَّةً لِلْمَشاريعِ القابِلَةِ لِلْتَّطْبِيق. تَعْمَلُ مُؤَسَّساتٌ مِثْلَ "البَنْكِ الدوليِّ" وَ"بَنْكِ التَّنْمِيَةِ الأَميركيِّ" وَ"مُنَظَّمَةِ هوفَرْ" بِالْفِعْلِ على قاعِدَةِ بَياناتٍ عالَمِيَّةٍ لِلْمَخاطِرِ في الأَسْواقِ النّاشِئَة، والتي تَجْمَعُ مُعَدَّلاتِ التَّخَلُّفِ عَنِ السَّدادِ والتَّعافي التّاريخِيَّةِ في اسْتِثْماراتِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة.

ثالِثًا، مِنَ الضَّروريِّ تَطْويرُ خَرائِطِ طَريقٍ وَطَنِيَّةٍ تَهْدِفُ إلى تَحْسينِ التَّصْنيفاتِ الائْتِمانِيَّةِ السِّيادِيَّةِ لِلِاقْتِصاداتِ النّامِيَة. وَيُعَدُّ تَعْزيزُ الفَهْمِ العَميقِ لِلْعَوامِلِ التي تُسْهِمُ في انْخِفاضِ التَّصْنيفاتِ الائْتِمانِيَّةِ أَمْرًا حَيَوِيًّا لِتَقْليلِ تَكْلُفَةِ رَأْسِ المالِ بِشَكْلٍ عام. سَيُساعِدُ تَعْزيزُ العَلاقاتِ مَعَ المُسْتَثْمِرينَ أَيْضًا على صِياغَةِ وَتَنْفيذِ السِّياساتِ بِشَكْلٍ فَعّال.

البديل الأنجح قد يكمن في إصلاح وتطوير أنظمة التصنيف القائمة بمشاركة أوسع للدول النامية

عِنْدَما يَبْدو أَنَّ النِّظامَ السّائِدَ يَفْشَل، يَكونُ الدّافِعُ غالِبًا هُوَ اسْتِبْدالَهُ بِنِظامٍ جَديدٍ تَمامًا مَعَ تَجاهُلِ الأَهَمِّيَّةِ الحَيَوِيَّةِ لِلتَّعاوُنِ الدوليِّ والشَّرِكاتِ في التَّخْفيفِ مِنْ تَكاليفِ تَجْزِئَةِ السِّياسات، والتَّحْويلاتِ الدَّوْلِيَّةِ الأَكْثَرِ تَكْلُفَةً. وَقَدْ تَكونُ هَذِهِ التَّكاليفُ ضَخْمَة، تَصِلُ إلى 5.7 تْريلْيوناتِ دولارٍ مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْماليِّ سَنَوِيًا، وَفِقًا لِلْمُنْتَدى الاقْتِصاديِّ العالَميِّ في دافوس، وَلِمَنْعِ مِثْلِ هَذِهِ التَّجْزِئَة، يَجِبُ مُساعَدَةُ العالَمِ الناميِّ على تَحَمُّلِ رَأْسِ المالِ الذي يَحْتاجُهُ لِلنُّمُوّ.

هُناكَ أَسْبابٌ حَقيقِيَّةٌ تُبَرِّرُ مُناقَشَةَ أَنْظِمَةِ تَصْنيفٍ ائْتِمانِيٍّ خاصَّةٍ لِلْدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَدُوَلِ الجَنوب (مِثْلَ التَّحَيُّزِ واحْتِكارِ السّوق)، وَتَكْمُنُ المُنافَسَةُ الحَقيقِيَّةُ اليَوْمَ في تَحْسينِ الهَياكِلِ القائِمَةِ عَبْرَ المَزيدِ مِنَ الشَّفافِيَّة، والمَعاييرِ القابِلَةِ لِلتَّطْبيقِ مَحَلِّيًا، وَزِيادَةِ قابِلِيَّةِ الدُّوَلِ لِتَقْديمِ بَياناتٍ مالِيَّةٍ دَقيقَةٍ وَمَوْثوقَة. بِالتّالي، لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِأَنَّ نِظامًا جَديدًا بَديلًا هُوَ الحَلُّ الأَمْثَل، لَكِنَّ البَديلَ الأَنَجَحَ قَدْ يَكْمُنُ في إِصْلاحِ وَتَطْويرِ أَنْظِمَةِ التَّصْنيفِ القائِمَةِ بِمُشارَكَةٍ أَوْسَعَ لِلدُّوَلِ النَّامِيَةِ نَفْسِها.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن