بصمات

في شَرْعِيَّةِ النِّقاشِ العُمومِي!

باتَ مِنَ الضَّروريِّ العَوْدَةُ إلى واقِعِ الفَضاءِ العُموميِّ لِتَأْطيرِ النِّقاشِ في البِلادِ العَرَبِيَّة، لِمُحاوَلَةِ فَهْمِ المُسْتَجَدِّ المَعْنَويِّ الذي غَيَّرَ دَلالَةَ القِيَمِ والرُّموزِ التي كانَتْ تُمَيِّزُ خُصوصِيَّتَها الثَّقافِيَّةَ والتّاريخِيَّة، ابْتِداءً مِنَ العَقْدِ الأَخيرِ الذي طُبِعَ بِتَغَوُّلِ إِسْرائيلَ وَبِمُتَغَيِّرِ التَّطْبيعِ العَلَنيِّ والسِّرِّي.

في شَرْعِيَّةِ النِّقاشِ العُمومِي!

لَمّا كانَ الفَضاءُ العُمومِيُّ آلِيَّةً موسَّعَةً لِفَهْمِ المَعاني التي تُنَظِّمُ المُجْتَمَعَ والسِّياسَةَ وَعَلاقَةَ الأَفْرادِ بِالدَّوْلَةِ والسُّلْطَة، فَإِنَّ دِراسَتَهُ اليَوْمَ وَفْقَ مَعاييرَ عِلْمِيَّةٍ مَطْلَبٌ بَحْثِيٌّ عَرَبِيٌّ يُقَرِّبُنا مِنْ فَهْمِ الحَقائِقِ الجَديدَةِ التي صارَتْ عَلَيْها العَقْلِيَّةُ العَرَبِيَّةُ في عَلاقَتِها بِالسِّياسَةِ والمُجْتَمَعِ والمُواطَنَة. لِذَلِكَ مَنَحَتْهُ الفَلْسَفَةُ السِّياسِيَّةُ المُعاصِرَةُ مِحْوَرِيَّةً خاصَّةً في فَهْمِ ما يَحْدُثُ في وَعْيِ الأَفْرادِ وَأَفْعالِهِم.

لم تسمح السلطة العربية بإنتاج رأي عام حُر في التعبير عن القضايا التي تهمُّه سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا

ولا يَمْنَعُ في سِياقِ المُثاقَفَةِ وَكَوْنِيَّةِ المَفاهيم، أَنْ نَسْتَثْمِرَ مَعْنى السياقِ العربيِّ بِاعْتِبارِهِ فَضاءً لِلتَّعْبيرِ التَّفاعُليِّ بَيْنَ أَفْرادٍ تُمَيِّزُهُمُ العَقْلانِيَّةُ لِلْخَوْضِ في قَضايا عامَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنْ هَيْمَنَةِ الدَّوْلَةِ واحْتِكارِ السّوق. وَإذا تَوَجَّبَ في هَذا الفَضاءِ أَخْلاقِيّاتٌ مَخْصوصَةٌ في بَلْوَرَةِ النِّقاشِ العادِلِ وَبِناءِ رَأْيٍ عامٍّ نَقْدِيّ، حَتّى تَتَحَقَّقَ لَهُ وَظيفَتُهُ الفَلْسَفِيَّةُ والعَمَلانِيَّة، فَإِنَّ خَلْفِيّاتِهِ الفِكْرِيَّةَ والتَّارِيخِيَّةَ مُرْتَبِطَةٌ عُضْوِيًّا بِمُنْجَزَاتِ الحَداثَةِ الأُوروبِّيَّة.

غَيْرَ أَنَّ هَذا المُعْطى لا يَنْطَبِقُ على واقِعِ السُّلْطَةِ العَرَبِيَّةِ وَعَقْلِيَّةِ مُجْتَمَعاتِها. إِذْ يَتَعَذَّرُ في السِّياقِ الحاليِّ تَصَوُّرُ فَضاءٍ عامٍّ عَرَبِيٍّ بِالأَوْصافِ التي تَنُصُّ عَلَيْها كَوْنِيَّةُ المَفْهوم، لَيْسَ نَظَرًا لِفَشَلٍ سِياسِيٍّ وَمُؤَسَّسِيٍّ فَقَط، وَإِنَّما لِتاريخٍ مُعَقَّدٍ لِتَماهي العُموميِّ بِالسُّلْطَة. فالسُّلْطَةُ العَرَبِيَّةُ لَمْ تَسْمَحْ في أَيِّ لَحْظَةٍ مِنْ تاريخِها بِإِنْتاجِ رَأْيٍ عامٍّ مُنْتَصِرٍ لِقَضِيَّتِه، وَحُرٍّ في التَّعْبيرِ عَنِ القَضايا التي تَهُمُّهُ سِياسِيًّا واجْتِماعِيًّا وَثَقافِيًّا. لِذَلِكَ جَنَّدَتْ آلِيّاتِها لِلتَّبْريرِ "القانونيّ" والمُؤَسَّسيِّ لِلْهَيْمَنَةِ على المَصْلَحَةِ العامَّةِ وَإِعادَةِ إِنْتاجِ مَفْهومِها بِما يُحَوِّلُ الخِطابَ العُمومِيَّ إلى خِطابٍ رَسْمِيّ، بِالموازاةِ مَعَ الالْتِفافِ على التَّعْبيراتِ النَّقْدِيَّة، إِمّا بِتَطْويعِها وَتَدْجينِها وَإمّا بِقَمْعِها وَإِنْهاءِ وُجودِها.

أفراد يمارسون السياسة عبر الولاءات والوساطات والتوافقات المصلحية

لَمْ يَبْرُزِ الفَضاءُ العُمومِيُّ العَرَبِيّ، إِلّا بِأَقَلِّيَّةٍ مِنَ الأَفْرادِ نادِرًا ما يُعَبِّرونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَفاعِلينَ سِياسِيّينَ يَحْمِلونَ أَفْكارًا مُضادَّةً لِلسُّلْطَةِ وَلِخَرائِطِها في الهَيْمَنَة. بَلْ يُمَثِّلونَ كَأَفْرادٍ مُجْتَمِعينَ في بُنْيَةٍ وَسيطَةٍ تَحْكُمُها القَرابَةُ العائِلِيَّةُ أَو الإِثْنِيَّةُ أَو المَحَلِّيَّة. هَذا لا يَعْني أَنَّ هَؤُلاءِ الأَفْرادَ بَعيدونَ عَنِ السِّياسَة، وَإِنَّما يُمارِسونَها عَبْرَ الوَلاءاتِ والوَساطاتِ والتَّوافُقاتِ المَصْلَحِيَّة، أَكْثَرَ مِمّا تُدارُ في حَلَقاتٍ مِنَ النِّقاشِ الحُرِّ والمَفْتوح.

مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، يُمْكِنُ رَدُّ هَذا الواقِعِ إلى غِيابِ شُروطِ التَّداوُلِ العَقْلانيِّ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ في ميزَانِ القُوَّةِ السِّياسِيَّةِ والرَّمْزِيَّة، وَبِقَلَقِ الشَّرْعِيّاتِ اللُّغَوِيَّةِ والفِكْرِيَّة.

النقاش العموميّ المستقل يُحوّل الانتماء من الشعور بالإخضاع إلى شعور بالاعتراف

إِنَّ خُصوصِيَّةَ الفَضاءِ العُموميِّ في السِّياقِ العَرَبيِّ تَقْتَضي أَوَّلًا ضَرورَةَ الوَعْيِ بِإِعادَةِ بِنائِهِ والتَّمَكُّنِ مِنْ بُلوغِ تَفاوُضٍ مُثْمِرٍ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والمُكَوِّناتِ السِّياسِيَّةِ والمَدَنِيَّة، حَيْثُ إِنَّ الاقْتِناعَ بِأَنَّ هَذا الفَضاءَ لَنْ يَكونَ إِلّا وَسيطًا مُنْتِجًا بَيْنَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَع، يَمْنَحُ الدَّوْلَةَ الوَطَنِيَّةَ شَرْعِيَّتَها، كَما يُحَصِّنُ المُجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ المَنْزَلَقاتِ التي تَضُرُّ بِهِما.

وَجَبَ التَّنْبيهُ إلى أَنَّهُ، في ظِلِّ تَدَفُّقِ المَعْلوماتِ والأَحْداثِ عَبْرَ شَبَكاتِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيّ، لَمْ يَبْقَ أَيُّ خِيارٍ أَمامَ الدَّوْلَةِ العَرَبِيَّة اليَوْم، إِلّا المُبادَرَةُ إلى فِعْلِ التَّفاوُضِ مِنْ مَدْخَلِ الاعْتِرافِ بِأَشْكالِ التَّعْبيرِ مَحَلِّيًّا وَقَوْمِيًّا. إِذْ يُمَثِّلُ هَذا التَّفاوُضُ شَرْطًا لِإِعادَةِ تَجْسيرِ العَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَع، لِأَنَّ النِّقاشَ العُمومِيَّ المُسْتَقِلَّ لا يَمْنَحُ شَرْعِيَّةً سِياسِيَّةً لِلدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ فَقَط، وَإِنَّما يُحَوِّلُ الانْتِماءَ مِنَ الشُّعورِ بِالإِخْضاعِ إلى شُعورٍ بِالاعْتِرافِ وَتَعْزيزِ الرَّغْبَةِ في المُشارَكَةِ المُواطِنَة، الأَمْرُ الذي يُفَكِّكُ تِلْكَ العَلاقاتِ الهَجينَةَ التي تَجْعَلُ المُمارَسَةَ السِّياسِيَّةَ والمَدَنِيَّةَ مُلْتَبِسَةً بِالوَلاءاتِ بِمُخْتَلَفِ مُسْتَوَياتِها. وَهَذا إِضْرارٌ بِمَنْظومَةِ المُؤَسَّسَات؛ وَمِنْ ثَمَّةَ إِفْسادٌ لِنَسيجِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ العَرَبِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن