بصمات

الخِطابُ الاخْتِزالِيُّ لِـ"الإِسْلامِ السِّياسِيّ": "وَثائِقُ إِبْسْتين" نَموذَجًا!

منعم دائخة

المشاركة

تَمَيَّزَ مَطْلَعُ العامِ الجارِي بِانْدِلاعِ "قَضِيَّةِ جيفْري إِبْسْتين" (Jeffrey Edward Epstein)، كاشِفَةً تَوَرُّطَ عَدَدٍ غَيْرِ قَليلٍ مِنَ الزُّعَماءِ والحُكّامِ والوُزَراءِ وَرِجالِ الأَعْمال، بَلْ وَحَتَّى بَعْضِ المُفَكِّرينَ والأَساتِذَةِ الجامِعِيّين. وَلَمْ تَخْلُ هَذِهِ الوَثائِقُ مِنَ الإِشارَةِ إلى أَسْماءٍ لامِعَةٍ في المَجالِ الأَكاديميِّ والعِلْمِيّ، وَلا شَكَّ أَنَّ القارِئَ المُتابِعَ لِمَضامينِ هَذِهِ الوَثائِقِ يُصابُ بِالذُّهولِ إِزاءَ مُمارَساتٍ هَمَجِيَّةٍ وَمُتَوَحِّشَةٍ تَنْتَهِكُ إِنْسانِيَّةَ النِّساءِ والأَطْفال.

الخِطابُ الاخْتِزالِيُّ لِـ

واضِحٌ أَنَّ هَذِهِ المُمارَساتِ لا تَنْسَجِمُ مَعَ الفِطْرَةِ الإِنْسانِيَّةِ وَلا مَعَ العَقْلانِيَّةِ التَّنْويرِيَّةِ التي تَرْفُضُ مِثْلَ هَذِهِ السُّلوكِيّاتِ وَتُدينُها إِنْسانِيًّا. وَهِي، في جَوْهَرِها، مُؤَشِّرٌ على انْحِطاطٍ نَفْسِيٍّ عَميقٍ لَدى بَعْضِ النُّخَبِ السِّياسِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ التي لَمْ تَجِدْ ما يُطْفِئُ جُموحَ رَغَباتِها سِوى ارْتِكابِ أَفْعالٍ يَتَسامى الإِنْسانُ عَنْ ذِكْرِها أَوْ مُشاهَدَتِها. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُحَلِّلينَ إلى رَبْطِ هَذِهِ الفَضائِحِ بِارْتِفاعٍ مَرَضِيٍّ في مُسْتَوى الـ"دوبامين" (Dopamine) النّاتِجِ عَنِ الإِدْمانِ المُفْرِطِ على السُّلْطَة، وَجَمْعِ الأَمْوالِ والثَّراءِ الفاحِش.

لو كانت هذه الوثائق مودَعة في أرشيف حكومات عربية أو إسلامية فلن يخرج مصيرها في الغالب عن الإتلاف أو الحرق

ما يَهُمُّنا أَكْثَرُ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، وَكَما عايَنّا ذَلِكَ في مُناسَباتٍ عِدَّةٍ سابِقَة، انْخِراطُ خِطابِ "الإِسْلامِيّينَ" في التَّفاعُل، مُسْتَثْمِرًا هَذِهِ القَضِيَّة، وَلِيَتَّخِذَ مِنْ وَثائِقِ إِبْسْتين ذَريعَةً يُعَلِّقُ عَلَيْها فَشَلَهُ الحَضارِيَّ والتَّنْمَوِيَّ والعِلْمِيّ، مَعَ تَكْرارِ لازِمَةٍ مَفادُها أَنَّ الحَضارَةَ الغَرْبِيَّةَ لَيْسَتْ سِوى تَوَحُّشٍ وَغَرائِزَ مُنْفَلِتَةٍ بِلا ضَوابِط، تَجَسَّدَتْ في جَزيرَةِ إِبْسْتين.

يَتَمَيَّزُ خِطابُ "الإِسْلامِيّين"، بِجُمْلَةٍ مِنَ المُفارَقات، إِلّا أَنَّهُ يَتَفَرَّدُ بِجُمودِهِ وَتَوَقُّفِهِ عِنْدَ لَحْظَةٍ تاريخِيَّةٍ غابِرَة، مُتَجاهِلًا تَعْقيدَ التاريخِ وَتَشابُكَ مَساراتِ الحَضارات. فالحَضارات، وَلا سِيَّما الحَضارَةُ الغَرْبِيَّة، كِياناتٌ مُرَكَّبَة، تَتَفاعَلُ مَعَ النَّقْدِ والمُساءَلَة، بِدَليلِ أَنَّ هَذِهِ الوَثائِقَ نَفْسَها خَرَجَتْ إلى العَلَنِ عَبْرَ مُؤَسَّساتٍ غَرْبِيَّة، وَعلى رَأْسِها وِزارَةُ العَدْلِ الأَميرْكِيَّة. وَمِنَ المُفارَقَةِ أَنَّ الحَضارَةَ الغَرْبِيَّةَ التي يُهاجِمُها "الإِسْلامِيّونَ" هِيَ الحَضارَةُ ذاتُها التي كَشَفَتْ هَذِهِ الجَرائِمَ وَفَضَحَتْ أَصْحابَ النُّفوذ. وَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الوَثائِقُ مودَعَةً في أَرْشيفِ حُكوماتٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ إِسْلامِيَّة، فَلَنا أَنْ نَتَخَيَّلَ مَصيرَها، وَلَنْ يَخْرُجَ في الغالِبِ عَنِ الإِتْلافِ أَوِ الحَرْق.

مدن غربية عديدة شهدت حراكًا شعبيًا تضامُنًا مع الفلسطينيين مقابل صمت التزمت به معظم العواصم العربية والإسلامية

يُغْفِلُ خِطابُ "الإِسْلامِيّين"، في تَعاطيهِ مَعَ هَذِهِ الفَضيحَة، إِشْكالِيَّةً جَوْهَرِيَّةً تَتَمَثَّلُ في تَعْطيلِهِ لِلنَّقْدِ الذّاتيِّ داخِلَ مُجْتَمَعاتِه. فَهُوَ يُدينُ "الآخَرَ الغَرْبِيَّ" أَخْلاقِيًّا، بَيْنَما يَتَعامى عَنْ قَضايا مُوازِيَةٍ في المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ والإِسْلامِيَّة، مِثْلَ التَّحَرُّش، واغْتِصابِ الفَتَيات، وَزَواجِ القاصِرات، وَجَرائِمِ "الشَّرَف"، والتَّمْييزِ الجَنْدَريِّ ضِدَّ النِّساء. في هَذا السِّياق، يُدانُ الغَرْبُ بِاعْتِبارِهِ مُخالِفًا أَخْلاقِيًّا وَسُلوكِيًّا، بَيْنَما تُغَيَّبُ مُساءَلَةُ الذّاتِ التي تُمارِسُ التَّدَيُّن، وَكَأَنَّ الانْتِهاكَ يُصْبِحُ مَقْبولًا أَوْ مَسْكوتًا عَنْهُ حينَ يَصْدُرُ مِنَ الدّاخِل!.

يَزْدادُ هَذا التَّناقُضُ وُضوحًا إِذا ما اسْتُحْضِرَ المَوْقِفُ مِنَ العُدْوانِ على غَزَّةَ مُنْذُ السّابِعِ مِنْ أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّل 2023، بِحَيْثُ شَهِدَتْ مُدُنٌ غَرْبِيَّةٌ عَديدَةٌ حِراكًا شَعْبِيًّا في سِياقِ التَّضامُنِ مَعَ الفِلَسْطينِيّين، في مُقابِلِ صَمْتٍ التَزَمَتْ بِهِ مُعْظَمُ العَواصِمِ العَرَبِيَّةِ والإِسْلامِيَّة، بِاسْتِثْناءاتٍ مَحْدودَةٍ كَتونِسَ والمَغْرِب.

العقل النقدي شرط لازم لبناء الأخلاق والمعرفة والإنسان

تَكْشِفُ لَنا العَوْدَةُ إلى تاريخِ الفِكْرِ والفَلْسَفَةِ في الغَرْبِ أَنَّ الحَضارَةَ الغَرْبِيَّةَ لَمْ تُبْنَ على نَزَواتِ إِبْسْتين وَلا على انْحِرافاتِ رِجالِ الأَعْمالِ والسّاسَة، بَلْ على جُهودِ فَلاسِفَةٍ انْتَصَروا لِلإِنْسان، وَلِلْقِيَمِ العَقْلانِيَّة، وَلِحُقوقِ النِّساء. وَمِنْ رَحِمِ هَذا التارِيخِ نَشَأَتْ تَيّاراتٌ نَقْدِيَّةٌ كُبْرى، مِنْ بَيْنِها النَّظَرِيّاتُ النِّسْوِيَّةُ والجَنْدَرِيَّة، التي دافَعَتْ عَنِ المَرْأَةِ وَكَرامَتِها. غَيْرَ أَنَّ خِطابَ "الجَماعاتِ الإِسْلامِيَّة" يُكَفِّرُ هَذِهِ النَّظَرِيّاتِ وَيُفَسِّقُها لِأَنَّها "غَرْبِيَّة"، بَيْنَما "يَسْتَثْمِرُ" جَرائِمَ إِبْسْتين وَرِفاقِهِ لِيُبَرْهِنَ على "سُقوطِ الغَرْبِ أَخْلاقِيًّا"، في تَعْميمٍ يَصْرِفُ النَّظَرَ عَنِ الوَجْهِ الآخَرِ لِلْغَرْبِ نَفْسِهِ في حُقولٍ عِدَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ وَفَنِّيَّةٍ وَجَمالِيَّةٍ وَغَيْرِها.

في المُحَصِّلَة، تَكْمُنُ أَزْمَةُ خِطابِ "الإِسْلامِيّين"، في كَوْنِها أَزْمَةً حَضارِيَّةً وَفِكْرِيَّةً نابِعَةً مِنْ غِيابِ العَقْلِ النَّقْديِّ بِوَصْفِهِ شَرْطًا لازِمًا لِبِناءِ الأَخْلاقِ والمَعْرِفَةِ والإِنْسان. إِنَّ شِعارَ "سُقوطِ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّة" أَشْبَهُ بِغِطاءٍ إيدِيولوجِيٍّ يُخْفي عَجْزًا ذاتِيًّا وَأَخْلاقِيًّا وَحَضارِيًّا، لا سِيَّما أَنَّ هَذا الخِطابَ لا يُقَدِّمُ أَيَّ نَموذَجٍ بَديلٍ مُتَكامِلٍ - اجْتِماعِيًّا أَوْ أَخْلاقِيًّا أَوْ سِياسِيًّا بَلْ واقْتِصادِيًّا - قادِرٍ على مُنافَسَةِ ما يَدَّعي سُقوطَه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن