بصمات

السِّياسَةُ مِنْ دونِ "خَيال"!

غالِبًا ما تُقَدَّمُ تَفْسيراتُ أَزْمَةِ الحُكْمِ والفِعْلِ السِّياسيِّ بِمَنْظوراتِ الاسْتِبْداد، وَفَشَلِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة، وَغِيابِ المُشارَكَةِ والتَّعَدُّدِيَّة، والاعْتِرافِ بِحُقوقِ الآخَرين، وَكُلُّها أَسْبابٌ وَجيهَةٌ وَصَحيحَةٌ مِنَ النّاحِيَةِ التَّفْسيرِيَّة، لَكِنَّها تَبْقى قاصِرَةً عَنْ فَهْمِ آلِيّاتِ اشْتِغالِ الفِعْلِ السِّياسِيّ، وَعَنِ الوُقوفِ على عَتَبَةِ المُشْكِلَةِ التي تُوَجِّهُ الذَّوْق، والتي تَتَمَثَّلُ في "غِيابِ الخَيال"، أَيْ أَنْ تَتَحَوَّلَ السِّياسَةُ إلى مُمارَسَةٍ مِنْ دونِ خَيال، وَهُنا نُحاوِلُ رَبْطَ ذَلِكَ بِغِيابِ المَشاريع، وَنَكونُ أَمامَ سُؤال: أَلا يُؤَدّي غِيابُ الخَيالِ إلى كُمونِ المَشاريعِ على مُسْتَوى الدَّوْلَة؟ وَكَأَنَّ الذَّوْقَ نَفْسَهُ واحِد، وَإِنْ أَخَذَ أَشْكالًا مُتَعَدِّدَة، بِشَكْلٍ تَعاقُبِيّ... وَهُوَ ذَوْقٌ مُتَمَرْكِزٌ على تَعالي حَقْلِ السُّلْطَةِ وانْسِحابِهِ مِنَ المَجالِ العُموميِّ الذي لا يَلْحَظُ أَنَّ الحاضِرَ هُوَ نَفْسُهُ مُعاوَدَةٌ وَتَكْرارٌ لِآلِيّاتِ الفِعْلِ نَفْسِها، مِنْ دونِ أَنْ يَصْنَعَ حِكايَةً لِلمُسْتَقْبَلِ تَكونُ قادِرَةً على خَلْقِ خِطَطٍ وَبَرامِجَ لِلغَد.

السِّياسَةُ مِنْ دونِ

المَوْضوعُ بِهَذا البُعْد، لَيْسَ مَوْضوعًا حَوْلَ الحُكْم، بِقَدْرِ ما هُوَ في مَنْطِقِ اشْتِغالِ الحُكْم، فَالسِّياسَةُ العَرَبِيَّةُ لا تَعْمَلُ ضِمْنَ دُروبٍ مَفْتوحَة، إِنَّما في حاضِرٍ مُغْلَق، يُعادُ إِنْتَاجُهُ بِاسْتِمْرار، مِنْ خِلالِ أَدَواتِ الأَمْن، والإِعْلامِ المُوَجَّه، وَإِدارَةِ الأَزَمات، وَكُلُّها أَدَواتٌ تَتَمَحْوَرُ لَيْسَ على خَلْقِ البَديلِ وَصِناعَةِ الدُّروبِ الأُخْرى، وَقِياسِ الأَهْدافِ المَنْشودَة، إِنَّما على التَّبْريرِ الدّائِمِ في مَنْعِ الانْهِيار، وَإِدارَةِ الخَوْفِ مِنَ الفَوْضى.

الخطاب النقدي العربي وقع في فخّ السلبية الدائمة

بَدَلَ أَنْ يَكونَ السُّؤالُ في الخِطابِ الرَّسْميِّ العَرَبيِّ هُوَ سُؤالُ البِناء، ما زِلنا نَرى أَنَّهُ سُؤالٌ يَقومُ دائِمًا على التَّحْذير، لَمْ يَعُدْ يَسْأَل: إلى أَيْنَ نَذْهَب؟ بَل يُكَرِّر: ماذا سَيَحْدُثُ إِنْ تَغَيَّرْنا؟ وَهُنا لُبُّ المُشْكِلَةِ في أَزْمَةِ الخَيالِ السِّياسيِّ العَرَبِيّ، وَبِهَذا يُصْبِحُ التَّحَوُّلُ مُسْتَحيلًا، لَيْسَ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ يُؤَدّي إلى خَطَر، بَل لِأَنَّ الذَّوْقَ السِّياسِيَّ هُوَ ذَوْقٌ قاصِرٌ عَنِ التَّخَيُّل.

يَتَجَلَّى هَذا المَوْضوعُ بِشَكْلٍ واضِح، في الخِطابِ الرَّسْمِيّ، الذي لا يَتَحَدَّثُ عَنِ المُسْتَقْبَل، إِنَّما كُلُّ الحَديثِ هُوَ عَنِ الخَوْفِ مِنَ الِانْهِيار، والتَّحْذيرِ مِنَ الحُروبِ الأَهْلِيَّة، وَتَفَكُّكِ المُجْتَمَعات، وَهُنا الأَمْثِلَةُ لا تُسْتَخْدَمُ لِلتَّعَلُّم، بَل كَتِقْنِيَةِ تَخْويفٍ بِالمَصيرِ البَديل، لِيَتَحَوَّلَ الزَّمَنُ السِّياسِيّ، إلى قاعِدَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ في الفِعْلِ السِّياسيِّ وَهُوَ أَنَّ الحاضِرَ مَهْما كانَ سَيِّئًا، لَكِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُسْتَقْبَلٍ مَجْهول، وَهَذا تَعْليقٌ لِلتّاريخ.

وَهَذا ما يُؤَدّي بِشَكْلٍ كَبِيرٍ إلى إِنْتاجِ مُواطِنٍ لَيْسَ فاعِلًا، بَلْ مُواطِنٍ مُتَكَيِّف، لا يَهْتَمُّ بِالشَأْنِ العام، وَكُلُّ فِعْلِهِ هُوَ عَدَمُ الدُّخولِ في مُخاطَرَةِ خِصامِ أَهْلِ الحُكْم، على قَوْلِ المَثَلِ الشَّعْبيّ: "حُطّْ راسَكَ بَيْنِ الرّوسِ وَقُول يا قِطّاع الرُّؤوس"!.

الدولة التي لا تتخيّل مستقبلها محكومٌ عليها بإعادة إنتاج أزماتها

وَلا يُمْكِنُ تَجاهُلُ دَوْرِ النُّخَبِ في تَعْميقِ هَذِهِ الأَزْمَة. فَجُزْءٌ كَبيرٌ مِنَ الخِطابِ النَّقْديِّ العَرَبيِّ وَقَعَ في فَخِّ السَّلْبِيَّةِ الدّائِمَة: تَشْخيصٌ دَقيق، إِدانَةٌ أَخْلاقِيَّة، لَكِنْ مِنْ دونِ مُحاوَلَةٍ جِدِّيَّةٍ لِبِناءِ تَصَوُّراتٍ بَديلَةٍ قابِلَةٍ لِلنِّقاشِ العامّ. هَكَذا نَشَأَتْ فَجْوَةٌ غَريبَة: سُلطَةٌ لا تَتَخَيَّل، وَمُعارَضَةٌ لا تَصوغ. والنَّتيجَةُ فَراغٌ سِياسِيٌّ يُدار، لا يُناقَش.. بِمَعْنى آخَرَ وَصْفٌ كَثيفٌ حَدَّ الحَشْو، أَشْبَهُ بِالإِنْشاء، وَلَكِنْ مِنْ دونِ عِلم. والانْسِحابُ مِنَ السِّياسَةِ لَمْ يَعُدْ لامُبالاة، بَلِ اسْتْراتيجِيَّةَ بَقاء.

يُمْكِنُ مُلاحَظَةُ آثارِ هَذا الفَراغِ في سُلوكِ الأَفْراد. فَالهِجْرَةُ لَمْ تَعُدْ فِعْلَ احْتِجاجٍ، بَل خِيارًا عَقْلانِيًّا. والانْسِحابُ مِنَ السِّياسَةِ لَمْ يَعُدْ لامُبالاةً، بَلِ اسْتْراتيجِيَّةَ بَقاءٍ. حَتّى الاحْتِجاجات، حينَ تَحْدُث، غالِبًا ما تَفْتَقِرُ إلى لُغَةِ المُسْتَقْبَل، وَتَكْتَفي بِالتَّعْبيرِ عَنِ الغَضَب. وَهَذا بِحَدِّ ذاتِهِ مُؤَشِّرٌ على أَزْمَةِ الخَيالِ السِّياسِيّ، لا على غِيابِهِ فَقَطْ عِنْدَ السُّلطَة، بَلْ داخِلَ المُجْتَمَعِ كَكُلّ.

الأَخْطَرُ أَنَّ هَذا الفَراغَ يُمْلَأُ أَحْيانًا بِسَرْدِيّاتٍ بَديلَةٍ غَيْرِ سِياسِيَّة: دينِيَّةٍ مُتَشَدِّدَة، أَوْ هُوِيّاتِيَّةٍ مُنْغَلِقَة، أَوْ حَتَّى خِطابٍ اسْتِهْلاكِيٍّ يَعِدُ بِالخَلاصِ الفَرْديِّ بَدَلَ التَّغْييرِ الجَماعِيّ. وَفي غِيابِ خَيالٍ سِياسِيٍّ جامِع، تُصْبِحُ هَذِهِ السَّرْدِيّاتُ أَكْثَرَ قُدْرَةً على التَّعْبِئَةِ مِنَ الدَّوْلَةِ نَفْسِها، لِأَنَّها تُقَدِّمُ ما عَجَزَتِ السُّلْطَةُ عَنْ تَقْديمِه: وَعْدًا بِالمَعْنى، وَلَوْ كانَ وَهْمِيًّا أَوْ مُدَمِّرًا.

الإبداع لا يولَد من التكرار ولا من الولاء والطاعة

إِنَّ تَجاوُزَ أَزْمَةِ الحُكْمِ العَرَبِيَّة، مِنْ هَذا المَنْظور، لا يَبْدَأُ فَقَطْ بِإِصْلاحِ الدَّساتِيرِ أَوْ إِعادَةِ هَيْكَلَةِ المُؤَسَّسات، بَل يَسْتَدْعي إِعادَةَ تَأْسيسِ السِّياسَةِ بِوَصْفِها فِعْلَ تَخَيُّلٍ جَماعِيّ. تَخَيُّلٌ يَعْتَرِفُ بِالتَّعَدُّد، وَيَتَعامَلُ مَعَ التَّاريخِ بِصِدْق، وَيَطْرَحُ المُسْتَقْبَلَ بِوَصْفِهِ مَجالًا مَفْتوحًا لا تَهْديدًا. فَالدَّوْلَةُ التي لا تَسْتَطيعُ أَنْ تَتَخَيَّلَ مُسْتَقْبَلَها، مَحْكومٌ عَلَيْها بِإِعادَةِ إِنْتاجِ أَزْماتِها.

إِنَّ تَجاوُزَ أَزْمَةِ الحُكْمِ العَرَبِيَّةِ لا يَبْدَأُ بِالسُّؤال: مَنْ يَجِبُ أَنْ يَحْكُم؟ بَل بِالسُّؤالِ الأَكْثَرِ إِزْعاجًا: كَيْفَ نُفَكِّرُ في الحُكْمِ أَصْلًا؟ فَالمُجْتَمَعُ الذي لا يُدْعى إلى تَخَيُّلِ مُسْتَقْبَلِه، لَنْ يُدافِعَ عَنْ حاضِرِه. والدَّوْلَةُ التي تَحْكُمُ بِلا خَيال، قَدْ تَسْتَمِرّ، لَكِنَّها تَفْعَلُ ذَلِكَ ضِدَّ الزَّمَن، لا مَعَه.

الخَيالُ لَيْسَ تَرَفًا ذِهْنِيًّا وَلا هُروبًا مِنَ الواقِع، بَل شَرْطُهُ الأَعْمَقُ لِلإِبْداع. فَكُلُّ فِعْلٍ إِبْداعِيٍّ يَبْدَأُ بِلَحْظَةِ تَخَيُّل: القُدْرَةُ على رُؤْيَةِ ما لا يوجَدُ بَعْد، أَوْ إِعادَةِ تَرْتيبِ المَوْجودِ خارِجَ قَوالِبِهِ المَأْلوفَة. حينَ يُجَمَّدُ الخَيال، لا يَتَوَقَّفُ الحُلْمُ فَقَط، بَل يَتَعَطَّلُ الإِبْداعُ نَفْسُه، لِأَنَّ الإِبْداعَ لا يولَدُ مِنَ التَّكْرارِ وَلا مِنَ الوَلاءِ والطَّاعَة، بَل مِنَ المَسافَةِ التي يَخْلُقُها الخَيالُ بَيْنَ ما هُوَ كائِنٌ وَما يُمْكِنُ أَنْ يَكون. أَلَيْسَ هَكَذا نَمَتِ الدُّوَلُ والعُلومُ والبُحوثُ والفُنونُ والآداب؟!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن