اقتصاد ومال

"اقتصادُ التَّحْويلاتِ" العَرَبية! دولاراتُ المُغْتَرِبين.. بَيْنَ إِنْقاذِ الأُسَرِ وَتَعْطيلِ الإِصْلاح!

تَحْويلاتُ المُغْتَرِبينَ باتَتْ أَحَدَ أَعْمِدَةِ الاقْتِصادِ في بُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ كَثيرَة، تُؤَمِّنُ العُمْلَةَ الصَّعْبَةَ وَتَحْمي مَلايينَ الأُسَرِ مِنَ الانْزِلاقِ إلى الفَقْرِ في أَوْقاتِ الأَزمات. غَيْرَ أَنَّ هَذا الدَّوْرَ الحَيَوِيَّ يُخْفي مُفارَقَةً أَعْمَق، إِذْ قَدْ تَنْقَلِبُ هَذِهِ التَّحْويلاتُ إلى مُسَكِّناتٍ تُؤَجِّلُ العِلاج.

في الكَثيرِ مِنْ بُلْدانِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، لَمْ تَعُدْ تَحْويلاتُ المُغْتَرِبينَ مُجَرَّدَ "مُساعَدَةٍ عائِلِيَّة"، بَلْ تَحَوَّلَتْ إلى شِرْيانٍ مالِيٍّ يُوازي قِطاعاتٍ كامِلَةً مِنَ الاقْتِصاد. هِيَ تُبْقي مَلايينَ الأُسَرِ فَوْقَ خَطِّ الانْهِيارِ حينَ تَتَآكَلُ الأُجورُ وَتَتَراجَعُ الخِدْماتُ العامَّة، وَتُؤَمِّنُ تَدَفُّقاتٍ مِنَ العُمْلاتِ الصَّعْبَةِ في لَحَظاتٍ يَضْعُفُ فيها التَّصْديرُ أَوِ السِّياحَةُ أَوِ الاسْتِثْمارُ الأَجْنَبِيّ. غَيْرَ أَنَّ الوَجْهَ الآخَرَ لِهَذِهِ الظّاهِرَةِ أَقَلُّ طُمَأْنينَة: عِنْدَما تَتَحَوَّلُ دولاراتُ المُغْتَرِبينَ إلى بَديلٍ دائِمٍ عَنِ السِّياساتِ العامَّة، تُصْبِحُ مُسَكِّنًا يَشْتَري الوَقْتَ وَيُؤَجِّلُ العِلاج، وَيُبْقي الاقْتِصادَ في دائِرَةِ اعْتِمادٍ هَشٍّ على الخارِج.

"رئة مالية" في الدول التي تراجعت فيها الثقة بنظامها المالي أو ضعفت قدرتها على توفير الخدمات الأساسية

عالَمِيًّا، تَكْشِفُ أَرْقامُ البَنْكِ الدوليِّ حَجْمَ هَذا "الاقْتِصادِ المُوازِي". وَفْقَ آخِرِ تَحْديثٍ صَدَرَ في نِهايَةِ عامِ 2024، يُتَوَقَّعُ أَنْ تَكونَ التَّحْويلاتُ المُسَجَّلَةُ رَسْمِيًّا إلى البُلْدانِ المُنْخَفِضَةِ والمُتَوَسِّطَةِ الدَّخْلِ قَد بَلَغَت نَحْوَ 685 مِلْيارَ دولارٍ في عامِ 2024، بِزِيادَةٍ تُقارِبُ 5.8 في المِئَةِ مُقارَنَةً بِعامِ 2023. هَذِهِ التَّدَفُّقات، التي تَنْبَعُ في جَوْهَرِها مِنْ قَرارٍ أُسَرِيٍّ لا مِنْ حِساباتٍ رِبْحِيَّة، أَثْبَتَتْ تاريخِيًّا أَنَّها أَكْثَرُ صُمودًا مِنَ الكَثيرِ مِنَ التَّدَفُّقاتِ المالِيَّةِ الأُخْرى في زَمَنِ الأَزمات، لِأَنَّها مُرْتَبِطَةٌ بِالاحْتِياجاتِ المَعيشِيَّةِ المُباشِرَةِ لا بِدَوْراتِ الأَسْواقِ وَحْدَها.

في العالَمِ العَرَبِيّ، تَتَجَلّى هَذِهِ "الرِّئَةُ المالِيَّةُ" بِوُضوحٍ أَكْبَرَ في البُلْدانِ التي تَراجَعَتْ فيها الثِّقَةُ بِنِظامِها الماليِّ أَوْ ضَعُفَتْ قُدْرَةُ الدَّوْلَةِ على تَوْفيرِ الخِدْماتِ الأَساسِيَّة.

الجُمْهورِيَّةُ اللُّبْنانِيَّةُ مِثالٌ فاقِعُ الدَّلالَة: تُظْهِرُ أَحْدَثُ بَياناتِ البَنْكِ الدوليِّ أَنَّ تَحْويلاتِ المُغْتَرِبينَ بَلَغَتْ نَحْوَ 33.3 في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْماليِّ في عامِ 2023، وَهِيَ مِنْ أَعْلى النِّسَبِ عالَمِيًّا، وَتَعْكِسُ إلى أَيِّ حَدٍّ باتَتِ الأُسَرُ والاقْتِصادُ يَتَنَفَّسانِ عَبْرَ الخارِج.

وَفي جُمْهورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّة، حَيْثُ تُؤَدّي التَّحْويلاتُ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا في ميزانِ العُمْلاتِ الأَجْنَبِيَّةِ وَسِعْرِ الصَّرْف، أَعْلَنَ المَصْرِفُ المَرْكَزِيُّ أَنَّ تَحْويلاتِ المِصْرِيّينَ في الخارِجِ خِلالَ الفَتْرَةِ مِنْ يولْيو/تَمّوز 2024 إلى مارس/آذارَ 2025 بَلَغَتْ نَحْوَ 26.4 مِلْيارَ دولارٍ، مُسَجِّلَةً نُمُوًّا سَنَوِيًّا بِنَحْوِ 82.7 في المِئَة، في قَفْزَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة.

أَمّا في المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّة، فَقَدْ أَفادَتِ النَّشْرَةُ الشَّهْرِيَّةُ لِمَكْتَبِ الصَّرْفِ بِأَنَّ تَحْويلاتِ مَغارِبَةِ العالَمِ بَلَغَتْ نَحْوَ 11.7 مِلْيارَ دولارٍ في عامِ 2024، بِزِيادَةٍ تُقارِبُ 2.1 في المِئَةِ عَنِ العامِ السّابِق.

شبكة أمان حيوية لكنها قد تتحوّل إلى مُسَكِّن يؤجّل العلاج

الأَثَرُ الاقْتِصادِيُّ لِهَذِهِ التَّحْويلاتِ مُزْدَوِج. مِنْ جِهَة، هِيَ تُخَفِّفُ الضَّغْطَ على ميزانِ المَدْفوعات، وَتَدْعَمُ الاسْتِهْلاك، وَتَمْنَعُ في الكَثيرِ مِنَ الأَحْيانِ انْهِيارًا اجْتِماعِيًّا واسِعًا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرى، تَرْفَعُ الطَّلَبَ الداخِلِيَّ بِسُرْعَةٍ في اقْتِصاداتٍ تُعاني اخْتِناقاتٍ إِنْتاجِيَّةً واعْتِمادًا كَبيرًا على الاسْتيراد، فَتَتَحَوَّلُ الزِّيادَةُ إلى تَضَخُّمٍ وارْتِفاعٍ في الأَسْعارِ بَدَلَ أَنْ تُتَرْجَمَ نُمُوًّا في الإِنْتاج. كَذَلِكَ، قَدْ تَدْفَعُ الأُسَرَ إلى تَفْضيلِ الأُصول، وَلا سِيَّما العَقاراتِ والأَراضي، بِوَصْفِها مَلاذًا آمِنًا، مِمّا يُفاقِمُ أَزَماتِ السَّكَنِ والإِيجارات.

هُنا يَبْرُزُ السُّؤالُ المَرْكَزيّ: هَلِ التَّحْويلاتُ شَبَكَةُ أَمانٍ أَمْ مُسَكِّنٌ يُؤَجِّلُ العِلاج؟ الواقِعُ أَنَّها شَبَكَةُ أَمانٍ حَيَوِيَّةٌ لِلأُسَر، لَكِنَّها قَدْ تَتَحَوَّلُ إلى مُسَكِّنٍ إِذا اكْتَفَتِ السُّلْطَةُ بِالقَوْلِ إِنَّ المُجْتَمَعَ "يَعيشُ على حَوالاتِه".

ماذا يَخْسَرُ البَلَدُ عِنْدَما تُصْبِحُ التَّحْويلاتُ بَديلًا عَنِ السِّياساتِ العامَّة؟

أَوَّلًا، يَخْسَرُ ضَغْطَ الإِصْلاح، لِأَنَّ قُدْرَةَ الأُسَرِ على سَدِّ فَجَواتِ الكَهْرَباءِ والتَّعْليمِ والطَّبابَةِ بِدولاراتِها الخاصَّةِ تُخَفِّفُ الإِلْحاحَ السِّياسِيَّ لِلتَّغْييرِ البُنْيَوِيّ.

ثانِيًا، يَخْسَرُ القُدْرَةَ على تَوْجيهِ المَوارِد، إِذْ تُدارُ التَّحْويلاتُ بِمَنْطِقٍ أُسَرِيٍّ قَريبِ الأَجَلِ لا بِمَنْطِقِ الاسْتِثْمارِ العامِّ بَعيدِ الأَجَل.

ثالِثًا، يَخْسَرُ الشَّفافِيَّةَ والبَيانات، لِأَنَّ اتِّساعَ القَنَواتِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ التي تَنْشَأُ حينَ تَكونُ لِلدولارِ أَسْعارُ صَرْفٍ مُخْتَلِفَة - حُكومِيَّةٌ وَمُوازِيَة - يَعْني اقْتِصادًا نَقْدِيًّا أَكْبَرَ وَمَعْلوماتٍ أَقَلَّ لِصُنّاعِ القَرار.

يمكن أن تتحوّل دولارات المغتربين من إسعاف يومي إلى تنمية قابلة للتراكُم

المَدْخَلُ الواقِعِيُّ لا يَكْمُنُ في نَقْلِ التَّحْويلاتِ مِنَ الاسْتِهْلاكِ إلى الاسْتِثْمارِ دَفْعَةً واحِدَة، بَلْ في بِناءِ أَدَواتٍ تُقَلِّلُ المَخاطِرَ وَتُعيدُ الثِّقَةَ وَتَسْتَقْطِبُ جُزْءًا مَحْدودًا مِنَ التَّدَفُّقات. وَيَشْمَلُ ذَلِكَ إِصْدارَ سَنَداتٍ مُوَجَّهَةٍ إلى المُغْتَرِبينَ تَتَعَلَّقُ بِمَشَاريعَ واضِحَةٍ وَتَتَمَيَّزُ بِشَفافِيَّةٍ عالِيَة، وَإِنْشاءَ حِساباتِ ادِّخارٍ تَحْمي مِنْ تَقَلُّباتِ العُمْلَة، مَعَ حَوافِزَ ضَريبِيَّةٍ لِلاسْتِثْمارِ في مَشاريعَ مُوَلِّدَةٍ لِفُرَصِ العَمَلِ أَوْ داعِمَةٍ لِلتَّصْدير، إِضافَةً إلى تَطْويرِ مِنَصّاتِ تَحْويلٍ مُنْخَفِضَةِ التَّكْلُفَةِ تَكْسِرُ الاحْتِكارَ وَتُظْهِرُ الرُّسومَ وَأَسْعارَ الصَّرْفِ بِوُضوح. فَكُلُّ نُقْطَةٍ مِئَوِيَّةٍ تُخَفَّضُ مِنْ تَكْلُفَةِ التَّحْويلِ تَعْني مَلايينَ إِضَافِيَّةً تَبْقَى في جُيوبِ الأُسَرِ والاقْتِصاد.

خَريطَةُ الطَّريقِ الأَبْسَطُ يُمْكِنُ اخْتِصارُها بِثَلاثِ خُطُوات: تَقْليصُ فَجْوَةِ أَسْعارِ الصَّرْفِ والحَدُّ مِنَ الحَوافِزِ التي تَدْفَعُ إلى السّوقِ المُوازِيَة؛ وَتَوْجيهُ نِسْبَةٍ مُتَواضِعَة، بَيْنَ خَمْسَةٍ وَ10 في المِئَة، مِنَ التَّحْويلاتِ إلى ادِّخارٍ اخْتِيارِيٍّ سَهْلٍ وَمُنْخَفِضِ المَخاطِر؛ ثُمَّ تَحْويلُ هَذا الِادِّخارِ تَدْرِيجِيًّا إلى اسْتِثْمارٍ مُنْتِجٍ عَبْرَ صَناديقَ شَفّافَةٍ لِلْمَشاريعِ المُتَوَسِّطَةِ والصَّغيرَة، والطّاقَةِ اللّامَرْكَزِيَّةِ، والإِسْكان. عِنْدَها فَقَط، يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ دولاراتُ المُغْتَرِبينَ مِنْ إِسْعافٍ يَوْمِيٍّ إلى تَنْمِيَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّراكُم، مِنْ دونِ أَنْ تَفْقِدَ وَظيفَتَها الأولى: إِنْقاذَ الأُسْرَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن