بصمات

ابْنُ النَّفيس.. وَجُرْأَةُ العَقْلِ النَّقْدي!

يُعَدُّ الشَّيْخُ عَلاءُ الدّينِ عليّ بْنُ أَبي الحَزْمِ القُرَشِيّ، المَعْروفُ بِابْنِ النَّفيس (تُوُفي سَنَةَ 687هـ/ 1288م)، أَحَدَ أَبْرَزِ عُلَماءِ الطِّبِّ في الحَضارَةِ العَرَبِيَّة، وأحَدَ العُقولِ الفَذَّةِ التي بَنَتْ لَبِنَةً أَساسيةً في صَرْحِ المَنْهَجِ العِلْميِّ والعِلْمِ الطِّبّيِّ في تاريخِ الإِنْسانِيَّة، وَضَرَبَ المَثَلَ في اسْتِخْدامِ العَقْلِ النَّقْديِّ بِجُرْأَةٍ لا تَقِفُ مَوْقِفَ الجُمودِ أَمامَ أَقْوالِ السّابِقين. وَقد عَمِلَ على وَضْعِ الكَثيرِ مِنَ الأَفْكارِ المُبْدِعَةِ والأَصيلَةِ في كُتُبِهِ التي لَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ المَجالِ الطِّبِّيّ، بَلْ شَمِلَتِ الفِقْهَ وَعِلْمَ الحَديثِ والسّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ وَغَيْرَها مِنَ العُلومِ التي ضَرَبَ فيها بِسَهْمٍ وافِرٍ وَروحٍ عَقْلانِيَّةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ صارِمَةٍ، لِيُجَسِّدَ روحَ العالِمِ الذي يَسْعى خَلْفَ الحَقيقَةِ وَيُكَرِّسَ جُهْدَهُ وَحَياتَهُ مِنْ أَجْلِها.

ابْنُ النَّفيس.. وَجُرْأَةُ العَقْلِ النَّقْدي!

ابْنُ النَّفيسِ، الذي وُلِدَ في الشّامِ وَنَبَغَ عِلْمُهُ في مِصْرَ التي ظَلَّ فيها حَتّى وَفاتِه، كَرَّسَ شُهْرَتَهُ بِاعْتِبارِهِ مُكْتَشِفَ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ الصُّغْرى (الرِّئَوِيَّة)، والذي سَرَقَ مِنْهُ هذا الاكْتِشافُ ميغيل سِرْفيتو (Miguel Serveto) في القَرْنِ السّادِسِ عَشَرَ بِحَسَبِ المُؤَرِّخِ الإيطاليِّ أَلْدو مْيِيلي (Aldo Mieli) في كِتابِهِ (العِلْمُ عِنْدَ العَرَبِ وَأَثَرُهُ في تَطَوُّرِ العِلْمِ العالَمِيّ)، فَهُوَ يُؤَكِّدُ أَنَّ المُتَفَحِّصَ لِما كَتَبَهُ سِرْفيتو يَجِدُ أَنَّهُ نَقَلَ كَلامَ ابْنِ النَّفيسِ مِنْ دونِ أَنْ يُشيرَ إِلَيْه، الأَمْرُ الذي يَكْشِفُ عَنِ اطِّلاعِ سِرْفيتو على كِتاباتِ ابْنِ النَّفيسِ وَنَقَلَها إلى الوَسَطِ الأوروبّيِّ مِنْ دونِ أَنْ يُشيرَ إلى ابْنِ النَّفيس، إِلّا أَنَّ البَحْثَ الحَديثَ أَثْبَتَ بِلا أَيِّ ذَرَّةِ شَكٍّ أَسْبَقِيَّةَ العالِمِ العَرَبيِّ الكَبيرِ الذي لُقِّبَ في عَصْرِهِ بِـ"ابْنِ سينا الثّاني".

جمع بين العلم النظري والعملي وتطاول على القيود التقليدية التي كانت تشلّ نشاط المشتغلين بالعلم

امْتازَ ابْنُ النَّفيسِ بِمَوْقِفٍ نَقْدِيٍّ واضِحٍ، فَهُوَ يَرُدُّ على غالينوس (P. Licinius Egnatius Gallienus) وَيُثْبِتُ خَطَأَهُ في مَواضِعَ عِدَّة، وَيُجِلُّ أَبُقْراط (Hippocrate de Kos) وَيَشْرَحُ كُتُبَه، أَمّا ابْنُ سينا فَكانَ مَحَلَّ تَقْديرِ ابْنِ النَّفيسِ الذي عَمِلَ على شَرْحِ كِتابِه (كُلِّيّاتُ القانون)، حَتّى قيلَ إِنَّهُ "جَسَرَ النّاسَ على هَذا الكِتاب"، بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ على تَبْسيطِ ما جاءَ فيهِ مِنْ عُلومٍ وَمَعارِف، وَرُوِيَ عَنْهُ قَوْلُه: "لَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ تَصانيفي تَبْقى مُدَّةَ عَشَرَةِ آلافِ سَنَةٍ ما وَضَعْتُها". وَيَبْدو أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ النَّظَريِّ والعَمَلِيّ، وَأَنَّهُ على الرَّغْمِ مِنِ ادِّعاءِ عَدَمِ مُمارَسَةِ التَّشْريحِ بِسَبَبِ نَوازِعَ دينِيَّة، إِلّا أَنَّ دارِسي كُتُبِهِ يَرَوْنَ أَنَّهُ مارَسَ التَّشْريحَ بِالفِعْلِ وَأَنَّهُ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ تَقِيَّةً حَتّى لا يُثيرَ ثائِرَةَ المُحافِظينَ في عَصْرِه.

أَمّا أَشْهَرُ كُتُبِ ابْنِ النَّفيسِ فَهُوَ (شَرْحُ تَشْريحِ القانون) الذي عَدَّهُ "بول غَلْيونْغي (Paul Ghalioungui) مَفْخَرَةَ الطِّبِّ العَرَبِيِّ"، وَتابَعَ: "لَوْ لَمْ يَكُنْ لِابْنِ النَّفيسِ سِواهُ مِنْ بَقِيَّةِ مُصَنَّفاتِهِ لَسَما إلى أَرْفَعِ مَكانٍ في مَصافِّ أُولَئِكَ الأَفْذاذِ المُتَضَلِّعينَ في العِلْمِ والفِكْر... إِنَّما فَخْرُ ابْنِ النَّفيس، بَلْ فَخْرُ العَرَبِ في كُلِّ مَكان، أَنَّ هَذا العالِمَ تَطاوَلَ في جُرْأَةٍ على القُيودِ التَّقْليدِيَّةِ التي كانَتْ تَشِلُّ نَشاطَ المُشْتَغِلينَ بِالعِلْم، وَتَحَرَّرَ مِنْ سَيْطَرَةِ غالينوس وابْنِ سينا - مَعَ إِعْجابِهِ بِالأَخير - وَأَنْكَرَ ما لَمْ تَرَهُ عَيْنُهُ أَوْ يُصَدِّقْهُ عَقْلُه". فَابْنُ النَّفيسِ يُقِرُّ قاعِدَةً عَمَلِيَّةً في افْتِتاحِ عَمَلِهِ بِالتَّأْكيدِ على إِثْباتِ "النَّظَرِ المُحَقَّقِ والبَحْثِ المُسْتَقيمِ وَلا عَلَيْنا وافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ مَنْ تَقَدَّمَنا أَوْ خالَفَه".

يَنْقُلُ المُؤَرِّخُ المَمْلوكِيُّ ابْنُ فَضْلِ اللهِ العُمَرِيُّ لَنا تَرْجَمَةً مُوَسَّعَةً لِابْنِ النَّفيسِ اعْتَمَدَ فيها على مُؤَرِّخِ الأَطِبّاءِ ابْنِ أَبي أُصَيْبِعَة، قائِلًا: "الإِمامُ الفاضِلُ الحَكيمُ العَلّامَةُ عَلاءُ الدّينِ بِنِ النَّفيسِ القُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيّ، فَرْدُ الدَّهْرِ وَواحِدُه، وَأخو كُلِّ عِلْمٍ وَوالِدُه... وَكانَ عَلاءُ الدّينِ إِمامًا في عِلْمِ الطِّبِّ لا يُضاهى في ذَلِكَ وَلا يُدانى اسْتِحْضارًا واسْتِنْباطًا، وَلَهُ فيهِ التَّصانيفُ الفائِقَةُ والتَّواليفُ الرّائِعَة".

لمّا نسي العرب لغة العلم حجبت قرون من الجهل اسم ابن النفيس وما يُمثّله من منهجيّة علميّة أصيلة

وَيَقولُ عَنْهُ تاجُ الدّينِ السُّبْكِيُّ في (طَبَقاتِ الشّافِعِيَّةِ الكُبْرى): "الطَّبيبُ المِصْرِيُّ صاحِبُ التَّصانيفِ الفائِقَة... أَمَّا الطِّبُّ فَلَمْ يَكُنْ على وَجْهِ الأَرْضِ مِثْلُهُ، قيل: وَلا جاءَ بَعْدَ ابْنِ سينا مِثْلُه. قالوا: وَكانَ في العِلاجِ أَعْظَمَ مِنِ ابْنِ سينا".

على الرَّغْمِ مِنْ ذَلِك، لَمّا نَسي العَرَبُ لُغَةَ العِلْمِ حَجَبَتْ قُرونٌ مِنَ الجَهْلِ اسْمَ ابْنِ النَّفيسِ وَما يُمَثِّلُهُ مِنْ مَنْهَجِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ أَصيلَة، لَكِنْ أُعيدَ اكْتِشافُهُ مِنْ جَديدٍ في العَصْرِ الحَديثِ على يَدِ الطَّبيبِ المِصْريِّ مُحْيي الدّينِ التَّطاويّ الذي تُوُفي العامَ 1945، فَخِلالَ بَحْثِهِ في المَخْطوطاتِ العَرَبِيَّةِ في مَكْتَبَةِ بَرْلين، عَثَرَ على مَخْطوطِ (شَرْحِ تَشْريحِ القانون)، وَذُهِلَ مِمّا وَجَدَهُ مِنْ أَسْبَقِيَّةِ ابْنِ النَّفيسِ العِلْمِيَّة، فَسَجَّلَ دَرَجَةَ الدُّكْتوراه في أَلْمانْيا وَمَوْضوعُها (الدَّوْرَةُ الرِّئَوِيَّةُ تِبْعًا لِلْقُرَشِيّ).

أَرْسَلَ الأُساتِذَةُ الأَلْمانُ إلى المُسْتَشْرِقِ والطَّبيبِ الأَلْمانيِّ ماكْس ميرْهوف (Max Meyerhof) الذي كانَ يُقيمُ في القاهِرَة، لِلتأَكُّدِ مِنْ نَتائِجِ بَحْثِ التَّطاويّ، فَرَدَّ ميرهوف بِالتَّأْكيدِ عَلَيْها وِفْقًا لِما تَحْتَ يَدَيْهِ مِنْ مَخْطوطات. وَأَمامَ هَذِهِ المُفاجَأَةِ قَرَّرَ أَنْ يُجْرِيَ العَديدَ مِنَ البُحوثِ عَنْ ابْنِ النَّفيسِ وَنَشَرَها مُؤَكِّدًا رِيادَتَهُ العِلْمِيَّة، وَهُوَ الأَمْرُ الذي وَضَّحَهُ يوسُف زَيْدان في نَشْرِهِ لِكِتابِ (الشّامِلِ في الصِّناعَةِ الطِّبِّيَّة) وَغَيْرِها مِنْ كُتُبِ ابْنِ النَّفيس.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن